الاتحاد

الملحق الثقافي

الأفغانيات... وجع الجمال

هربت المصورة الصحافية لانا سلايزك بالألم الذي راكمته في أفغانستان إلى داخل علبة. طوقت نفسها، وعدستها، والنسوة الجالسات قبالتها بإطار خشبي مربع، حوّلته إلى مساحة معزولة ومشغل لتكثيف نثرات ملونة من الحب والجمال، المتصاعدة من تحت ركام عتيق من القسوة والعنف، رابض على نفوس الأفغانيات.
هنا، في أفغانستان، تلك المساحة الجغرافية اللامتناهية، “لا يوجد مكان للحب”، قالت إحدى المراهقات وهي ترتشف وسلايزك كوباً من الشاي في منزل والديها. الحب هنا ترف وكمال، حظت وتشرّفت به سلايزك، وهي تلتقط توق النسوة والفتيات في عدد من الأقاليم إلى رواية قصصهن المتخمة هماً وأسى ودموعاً ونفضها على مسامع “الغريبة”.

في مشروعها التصويري “نافذة من الداخل” الذي يستضيفه غاليري GPP في القوز الصناعية بدبي، تحوّلت “علبة الكاميرا الأفغانية” مع سلايزك الكندية من أصل كرواتي الى ما يشبه “صندوق العجائب”، لتنتج عبره 20 صورة شخصية (بورتريه) متوسطة الحجم وملونة لنساء وفتيات من أفغانستان بالقرب من محطة الباصات في وسط كابول العاصمة.
من عتمة تلك العلبة، رسمت سلايزك شكلاً جديداً للحب المتبادل بينها وبين الأفغانيات، بعيداً عن ضجيج الأعراف والتقاليد القبلية والقيود الاجتماعية، التي لم يزدها سوءاً سوى ذاك التخبط في مرحلة التفتيش عن هوية بين نظام سابق اسلامي متشدد، ووجود أميركي ودولي لم يحمل سوى دعوات “تنظيرية” في خانة تحرير المرأة.
تلك “الورطة العاطفية” و”الالتزام” جعلاها عاجزة تماماً عن التفكير في تنفيذ أي عمل جديد بعد ان انتهت في العام 2007 من مشروعها التصويري الأول في أفغانستان، والمنشور في كتاب بعنوان “منبوذ” أو Forsaken.
لذلك، وبعد سنتين، عادت سلايزك الى كابول لتنفيذ عمل تصويري يُخرجها من ذاك “المطب النفسي”، في رؤية مختلفة عن المرأة الأفغانية “تبرز جمالها وقوتها وصمودها بالرغم من قساوة الحياة التي تعيشها”.

تقنية «الفوري»
في شوارع كابول، لا يزال المصورون الجوالون مع “علبة الكاميرا الأفغانية” يطوفون حول المؤسسات الحكومية، لتصوير مواطنين آتين لإنجاز معاملاتهم الرسمية. وهم بذلك يشكلون جزءاً أساسياً من المشهد اليومي يحاكي مشهد بائع الفول والذرة في أزقة بيروت، وبائع الحمص واللحم في شوارع اسطنبول. هذا المشهد المهدد بالانحسار عن واجهة المدينة، شكّل عاملاً مغرياً بالنسبة لسلايزك دفعها إلى استخدام تلك العلبة البدائية المعروفة بـ”كاميرا ـ إي ـ فوري” التي تصنّع يدوياً وتعود إلى بدايات القرن العشرين، لالتقاط صور عملها الجديد.
في تلك العلبة، التي تتضمن أيضاً “غرفة مظلمة” لتظهير الصور، لا يحتاج المصور إلى استخدام فيلم، وإنما إلى ورق خاص يضعه المصور في مكان مخصص له في مواجهة العدسة، من دون أن يفتح العلبة، وانما من خلال فتحتين جانبيتين لإدخال اليدين، مغطاة بقطعتي قماش تمنعان دخول الضوء. وعلى غرار طرق التصوير البدائية، يقوم المصور عند جلوس الشخص المعني مقابل العدسة، بنزع الغطاء عنها لإتمام عملية التعريض للضوء أو الـExposure. فينتج عن ذلك صورة “سلبية”، يحوّلها المصور إلى صورة “إيجابية” بالأبيض والأسود بعد معالجتها في “الغرفة المظلمة” بالسوائل الكيميائية.

كاميرا داخل كاميرا
تختزن تلك العلبة تاريخاً طويلاً من وجوه الشارع الأفغاني حدّ الإشباع. لذلك وضعت سلايزك جانباً الإرشادات الرسمية المتعارف عليها في استخدام تلك العلبة الواقفة منذ عقود على ثلاث أرجل خشبية. رسمت بنفسها خريطة لإعادة اكتشافها، والتعرف على الأجزاء البسيطة المكونة لها.
فبدلاً من استخدام “كاميرا ـ إي ـ فوري” نفسها لتصوير الوجوه، حوّلتها سلايزك الى ممر وإطار وواجهة لجميع الصور التي التقطتها بآلة تصوير رقمية، مما أضاف بعداً جمالياً مختلفاً.
كما ان استخدام لوح الزجاج الصغير المربع داخل “علبة الكاميرا الأفغانية” والواقع مباشرة خلف العدسة في المقدمة، لعب دوراً أساسياً في تميّز مجموعة سلايزك عن مختلف ما تمّ إنجازه من قبل. استفادت سلايزك من عتق لوح الزجاج المشبع بالخدوش، والغبار المتراكم، والبقع المتفرقة التي أحدثتها السوائل الكيميائية الخاصة بـ”الغرفة المظلمة” داخل العلبة لتخلق منها واجهة آسرة (Foreground) تتمتع بملمس محبب خشن (Grainy Texture)، لم تكتمل الا بالضوء الموزع على مختلف عناصر الصورة.
تلك التجربة شكلت فارقاً مقارنة بالعديد من التجارب الأخرى لمصورين آخرين استخدموا “العلبة” نفسها لتصوير بورتريهات محلية.
فتلك العلبة لا تزال تجتذب العديد من المصورين المحترفين منهم والهواة لإنجاز مشاريع تصوير مختلفة بعد سقوط نظام طالبان ـ الذي منع طوال فترة حكمه جميع أشكال التصوير في الشوارع ـ إما للتميز والخروج عن المألوف عبر الاستعانة بتقنية محلية الصنع، أو للتوعية بخطر تلاشي تلك الكاميرا الأثرية والمصورين الجوالين.

لعبة الضوء واللون
مارست سلايزك في صورها لعبة لونية وضوئية ببعدين متقاطعين، ساعدها في ذلك انها بدّلت الوقت الذي اعتادت ان تصور فيه خلال إقامتها في أفغانستان أي في فترة بعد الظهر. فاختارت الوقت الذي يشهد فيه ضوء النهار منحىً تصاعدياً من الساعة الثامنة صباحاً ولغاية الثانية بعد الظهر.
يتمثل البعد الأول بالألوان المتبدلة خلف النسوة. تلك الخلفيات ليست الا مجموعة من أغطية الرأس، علقت منها سلايزك خلف كل امرأة أو فتاة ما يلائم أو يتعاكس مع الثياب التي يرتدينها، وبما يبرز أو يخفي ما تريده المصورة. البعد الثاني الذي أضاف سحراً ملفتاً على عدد من الصور-كما في صورة المرأة ذات البرقع الأزرق- فهو انعكاس لون الحجاب الذي تغطي به سلايزك رأسها على لوح الزجاج الصغير داخل العلبة المفتوحة على ضوء الشمس. وهو الذي خلق بدرجات مختلفة مزيجاً من الألوان الضوئية المعروفة باسم “بوكيه”.
في عدد من الصور، استعملت سلايزك بعداً بؤرياً أقصر (Focal Lenght) وبالتالي زاوية أوسع قليلاً للرؤية، فأظهرت الاطار الخشبي الذي يحيط بلوح الزجاج ويثبته بمسمارين جانبيين. وقد مكّنها ذلك من تحديد كمية الضوء المتسللة داخل “علبة الكاميرا الأفغانية”، لتحيط النساء أمامها بهالة متدرجة من الضوء والعتمة.
ويتبيّن من تفاصيل الصور، سيطرة سلايزك الكاملة على وضعية بعض النسوة وحركاتهن، وهو ليس بالأمر السهل مع عناصر غير محترفة صدف مرورهن في محطة الباصات. فإظهار حلقة أذن واحدة على سبيل المثال من فوق البرقع الأسود في احدى الصور، ودفع احداهن الى الإمساك بحجابها الأزرق الخفيف باليد نفسها المزينة بالذهب الأصفر ليس بمحض الصدفة. في المقابل، تلتقط سلايزك عمق الحزن الساكن في عيون أخريات وتبرزه في عدد من الصور الأخرى.

«صوت» الأفغانيات
تحمل تلك التقنيات بالإضافة إلى الجانب الجمالي الذي شكل عماداً أساسياً للصور وأبعادها، معاني متناقضة ترتبط بالحالة الاجتماعية والنفسية والوضع القاسي “المنسي والمُتخلى عنه” الذي تعيشه الأفغانيات.
اذ لا يمكن فصل “نافذة من الداخل” عن تجربتها السابقة في افغانستان خلال السنوات التي وضعت فيها كتاب بعنوان “منبوذ” أو Forsaken، وثّقت فيه بالصورة والنص قصصاً حميمة ترويها الأفغانيات عن المعاناة الاجتماعية التي تعيشها.
بل ان المعرض نفسه جاء نتيجة لذلك، وبالتالي فإن أهميته وقيمته ومعناه، كلها مرتبطة بتلك التجربة ومستمدة منها.
المعرض بالنسبة لها محاولة للتداوي والعلاج من الألم النفسي الذي سكنها خلال إقامتها في أفغانستان وبعد مغادرتها. هي أرادت والتزمت كامرأة بالدرجة الأولى وكمصورة، في “منح المرأة الأفغانية صوتاً”، بالرغم من الاستنزاف العاطفي الذي اختبرته مع كل صورة وقصة ومأساة في الكتاب. لذلك، كان لا بد لسلايزك من العودة مرة أخرى إلى شوارع كابول لنبش الجمال وألوان الحياة من أوجاع الأفغانيات.

هي والكاميرا

لانا سلايزك مصورة صحفية كندية، ولدت في كرواتيا عام 1973. أمضت طفولتها والمراحل الأولى من شبابها متنقلة مع عائلتها لقضاء زيارات صيفية طويلة سنوياً في بلدها الأم. تلك الازدواجية في هويتها جعلتها متأثرة ومفتونة بالثقافات الأجنبية بحسب قولها.
تنحاز سلايزك للقضايا والمواضيع التي تربطها بها صلة عاطفية وفكرية في أي من البلدان التي تزورها، وهو ما يشكّل أساس اختيار أعمالها التوثيقية والتصويرية والتماهي معها والالتزام بها.
عاشت سلايزك سنوات عدة بين كندا، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، وأفغانستان. اليوم، تعيش مع زوجها وولديها في نيودلهي في الهند، للانتهاء من تصوير عدد من المشاريع منها “نزهة في الحديقة”. تركّز سلايزك في أعمالها الحالية على الطبقات الفقيرة والمهمّشة، وأطفال الشوارع، والزواج المبكر بأسلوب يبتعد عن التنميط.
نالت سلايزك العديد من الجوائز والتكريمات العالمية منها جائزة باريس للتصوير الفوتوغرافي في 2011، وجائزة الصورة الصحفية العالمية في 2008. اختير كتابها “Forsaken” كأكثر الكتب مبيعاً في العام 2008 من قبل مجلة الصورة الأميركية المعروفة.
جالت أعمال سلايزك في العديد من دول العالم في معارض منفردة آخرها في انجلترا، وإيرلندا، وتركيا، وأفغانستان، بالإضافة إلى الإمارات العربية المتحدة.
كما شاركت في معرض مشتركة مع مصورين آخرين في نيويورك، ونيودلهي، وهولندا، وإيطاليا، باريس.
نشرت أعمالها في العديد من المجلات والصحف العالمية منها ناشيونال جيوغرافيك، نيويورك تايمز، مجلة التايمز، مجلة ماري كلير، مجلة باري ماتش، مجلة فوتوماغازين.

اقرأ أيضا