الاتحاد

تقارير

الإرهاب··· وحطام الدرع البيولوجي

بعد الهجمات برسائل الأنثراكس في 2001 ازداد دور مؤسسة الدفاع البيولوجي

بعد الهجمات برسائل الأنثراكس في 2001 ازداد دور مؤسسة الدفاع البيولوجي

يقول ''مايكل كوريلا'' الذي يعد المسؤول غير الرسمي عن الدفاع البيولوجي في الولايات المتحدة: ''إن الطبيعة هي أخطر إرهابي على الإطلاق، ذلك أنه لا توجد حدود للإمكانيات (الإرهابية) لعالم الميكروبات''، لكن بالرغم من ظهور أمراض جديدة كالسارس وانفلونزا الطيور، إلا أن الطبيعة ليست الوحيدة التي تثير قلق ''كوريلا'' -مدير ''مكتب شؤون بحوث الدفاع البيولوجي'' بـ''المعهد الوطني لأمراض الحساسية والأمراض المعدية''-، فهو يخشى أيضا تهديد ''البيولوجيا الصناعية''، أي إمكانية صنع العلماء والإرهابيين البيولوجيين المارقين لأمراض في المختبر من أجل استعمالهـــا لأغراض إرهابية، وكما يقول: إن ''تهديد البيولوجيا الصناعيــة ما فتئ يتزايد كل يوم''·
يبدو أن التقرير الذي نشرته مجلة ''ساينس'' مؤخرا، قد ضاعف قلق من يخشون تحول البيولوجيا الصناعية إلى مصدر للأسلحة الإرهابية؛ فقــد نجحــت مجموعــة مــن العلمــاء، من بينهم ''جي· كريج فنتر'' -وفريقه- من فك شفرة الجينوم البشري في ،2000 في صنع ''جينوم بيكتيري''، غير أن إنجاز ''فنتر'' لا يعني أن الإرهابيين سيقومون بصنع جرثومــــة لقتلنــــا، كمـــا أنــــه لا يعني أن على الحكومة أن تنفق مليـــارات الدولارات من أجل مواجهة تهديد تخيلي عبر تطوير مصل تخيلي أيضا·
إن صنع بكتيريا انطلاقا من جينوم موجود، لا يغير شيئا جوهريا في فهمنا للبيولوجيا الصناعية، فإذا كان المختص في الفيروسات ''إيكارد ويمر'' قد صنع فيروس شلل الأطفال في ،2002 وإذا كان فريق ''فنتر'' قد صنع فيروسا آكلا للبكتيريا في ،2003 فإن تجربة ''فنتر'' الأخيرة تعد الأولى التي تصنع قطعة من ''دي· إن· أيه·'' (الحمض النووي) بهذا الحجم، ولئن لم يقم ''فنتر'' بـ''تشغيل'' جرثومته بعــــد -إذ مازال يتعين أن توضع في خلية حية وتُظهر أنها تستطيع النمو والتكاثر- فإن العلماء يعتقدون أنه يستطيع أن ينشط جرثومته الصناعية في ظرف أشهر· الواقع أن ما فعله ''فنتر'' يجعل من خلق أشكال جديدة وقاتلة من الحياة، أمرا أكثر قابلية للتصديق، ولذلك، فقد دفع الخوف من جراثيم صناعية خطيرة جهازَ ''برنامج الدفاع البيولوجي الأميركي'' الضخم إلى السير في اتجاه جديد، وذلك على اعتبار أننا إذا كنا لا نعرف الجراثيم التي قد تأتي، فعلينا أن نطور طرقا جديدة لمواجهتها·
بعد الهجمات برسائل الأنثراكس في 2001 -التي بدأت بعد أسبوع من هجمات الحادي عشر من سبتمبر وقتلت خمسة أشخاص- تمثل الرد الفوري لمؤسسة الدفاع البيولوجي، في التركيز على أكبر تهديدات الإرهاب البيولوجي وأرجحها: الثالوث غير المقدس، المؤلف من الأنثراكس والجدري والطاعون، وهكذا، تم في 2004 رصد مليارات الدولارات لـ''مشروع الدرع البيولوجية''، الذي كانت تديره بشكل مشترك كل من وزارة الأمن الداخلي ووزارة الصحة، وحدد الهدف في إنتاج لقاحات وعلاجات جديدة وأكثر سلامة للأنثراكس والجدري على وجه الخصوص·
غير أنه بعد نحو أربع سنوات، لم يكن لدى ''مشروع الدرع البيولوجية'' الكثير ليقدمه بالقياس إلى مليارات الدولارات التي خصصت له، فتم التخلي عن استراتيجية ''عقار واحد لجرثومة واحدة'' القديمة -التي كانت تهدف إلى تطوير لقاحات وعلاجات للأنثراكس والجدري والطاعون كلا على حدة- لصالح ''تكنولوجيا واسعة النطاق'' وهي عقاقير وطرق تقوم، نظريا على الأقل، بقتل الكثير من أنواع الجراثيم·
في هذا الإطار، يعتقد ''ريتشارد إيبرايت'' -المتخصص في علم الميكروبات بجامعة ''روتجرز''-: أن المقاربة الأوسع هي الأفضل، ويرى أنه لما كانت فعالية المضادات الحيوية التي نتوفر عليها في تراجع، فمن المنطقي البحث عن أنواع جديدة من هذه العقاقير، والأمر نفسه ينسحب على المضادات الفيروسية، فالأنواع الفعالة الموجودة قليلة جدا، ثم إن أنواع الفيروسات تستطيع أن تطور مقاومة ضدها، وذلك على غرار مقاومة بعض أنواع فيروسات الانفلونزا لـ''تاميفلو''، وهو أحدث عقار مرخص لعلاج الزكام·
غير أن المضــادات الحيوية والمضـــادات الفيروسيـــة الجديــدة لا تمثل -حسب إيبرايت- سوى جزء صغير من برنامج الدفاع البيولوجي الحالي لـ''للمعهد الوطني لأمراض الحساسية والأمراض المعدية''، إذ يولي المعهد أولوية أكبر للمقاربات الجذرية الجديدة، وفي مقدمتها تعديل أو تطوير ''المناعة الفطرية''· والحال أن الأمور ليست بهذه البساطة، ذلك أن المناعة الفطرية نظام تطور على نحو معقد، وصُقل عبر ملايين السنوات من ''الانتقاء الطبيعي''، وفي هذا السياق، يقول عالم البيولوجيا التطورية ''بول إيوالد'' من جامعة ''لويسفيل'': ''إن الأمر لا يشبه جهاز ستيريو تستطيع أن تزيد صوته أو تنقصه''، مشيرا إلى أن زيادة المناعة الفطرية قد تتسبب في انقلاب الجسم على نفسه فتنتج عن ذلك أمراض ذاتية المناعة مثل الذئبة، أو تصلب الأنسجة، وعلاوة على ذلك، فإذا كانت المناعة الفطرية تستطيع حقا القضاء على كل الأمراض المعدية، فلماذا لم تفعل ذلك؟ ولماذا طورنا نظام المناعة المكتسبة، أو الخاصة، أصلا إذا كانت المناعة الفطرية تستطيع حمايتنا من الأمراض تماما؟
إن الجراثيم الصناعية ستظل وهما، و''فنتر'' شأنه في ذلك شأن العديد من العلماء الذين سبقوه، لم يصنع جرثومة جديدة، بل استعمل خريطة الجينوم لإعادة خلق جرثومة قديمة، ثم إنه بالرغم من كل الاهتمام بالمناعة الفطرية المطورة، إلا أن لا أحد استطاع إثبات نجاح هذه المقاربة، كما أن حطام ''مشروع الدرع البيولوجية'' يثبت فشل مقاربة ''عقار واحد لجرثومة واحدة''· وتأسيسا على ما سلف، يمكن القول إن برنامج الدفاع البيولوجي الأميركي الضخم، بمراهنته على إمكانية دعم وتقوية المناعة الفطرية، إنما يسير مرة أخرى في الاتجاه الخطأ·
ويندي أورينت
كاتبة أميركية صاحبة كتاب الطاعون: الماضي الغامض والمستقبل المرعب لأخطر مرض في العالم
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا