الاتحاد

تقارير

الروس··· وانتخابات الغرب

الروس··· وانتخابات الغرب

الروس··· وانتخابات الغرب

في يوم الأربعاء الماضي، توقف ''ديمتري ميدفيديف'' عن مزاولة عمله كنائب لرئيس الحكومة الروسية لفترة قصيرة لكي يحضر لقاء شعبياً؛ وبلباسه غير الرسمي تحدث ''ميدفيديف'' أمام الجمهور عن إصلاح نظام المعاشات، كما تعهد بتحسين التعليم والخدمات الصحية وقام بمصافحة بعض الحاضرين؛ وليس في الأمر ما يثير الدهشة، أو الاستغراب في لقاء جماهيري عادي باستثناء أنه اللقاء الأول والأخير في حملة مرشح الكرملين الانتخابية، بحيث إذا أردت رؤية المرشح قبل بدء التصويت يوم الأحد الماضي، فقد كانت تلك الفرصة الوحيدة للقيام بذلك· ولا بد أن ''باراك أوباما'' و''هيلاري كلينتون'' اللذين أنفقا الملايين من الدولارات على حملتيهما الانتخابية وتجشما عناء كبيراً يتميزان من الغيظ؛ لكن ''ميدفيديف'' كان على حق في ادخار جهده مادامت استطلاعات الرأي والنتائج الأولية أظهرت أنه حصد 70 بالمائة من الأصوات، وهي النتيجة التي أثلجت صدور البعض لأن أي نسبة أكبر كانت ستنطوي، حسب أحد موظفي الحملة، على حرج كبير بالنسبة للرئيس المقبل·
وكما كان متوقعاً، ليست الانتخابات سوى لعبة سمجة، أو معركة محسومة بين ''ميدفيديف'' -مرشح الكرملين- وثلاثة مرشحين سُمح لهم رسمياً بخوض الانتخابات، من بينهم ''شيوعي'' فاقد للشعبية؛ وشخــص مجهـول تمامـــاً؛ والمرشــح العبثي ''فلاديمير زيرينوفسكي''، الذي لا يخفي معاداته للسامية وتتعامل معه وسائل الإعلام بتسامح لافت؛ أما ''ميكائيل كاسيانوف'' الذي يعتبر المرشح الحقيقي الوحيد المنتمي إلى حزب للمعارضة، فقد مُنع من الترشح وأقصي تماماً عن السباق الانتخابي؛ وفي السياق نفسه امتنعت منظمة الأمن والتعاون الأوروبية، فضلاً عن باقي المراقبين الأوروبيين عن الإشراف على مراقبة الانتخابات، حيث أشار رئيس المنظمة إلى الانحياز السافر لوسائل الإعلام الروسية إلى ''ميدفيديف'' على حساب الآخرين·
في خضم كل ذلك يبقى سؤال واحد بدون جواب: لماذا يهتم الروس بعقد الانتخابات أصلا؟ فبالنظر إلى سيطرة الدائرة المغلقة للضباط السابقين في الـ''كي·جي·بي'' على الكرملين ووسائل الإعلام، فضلاً عن البرلمان والشركات الكبرى لماذا الحاجة إلى الانتخابات؟ ولماذا لا يكتفي ''بوتين'' بتعيين ''ميدفيديف''، أو الاحتفاظ بالرئاسة لنفسه دون هذا العناء؟ والجواب، برأيي، يكمن في الشعور الكامن لدى النخبة الحاكمة بانعدام الأمان؛ فبرغم أن قاطني الكرملين لا يخشون التدخل العسكري الغربي ويستبعدونه تماماً، إلا أنهم يتوجسون من السخط الشعبي مثل التشكيك في ثرواتهم الشخصية، والمعارضة الجماهيرية لسلطتهم، أو اندلاع المظاهرات الحاشدة على غرار الثورة البرتقالية في أوكرانيا؛ ولإبقاء هذه المخاوف بعيداً تحرص النخبة الحاكمة في موسكو على الاحتفاظ بمظاهر الديمقراطية وطقوسها التي تمنحهم رداء مزيفاً من الشرعية·
والواقع أن هذا البحث المحموم عن الشرعية هو ما يفسر سلسلة الهجمات المكثفة والعدائية التي شنها الكرملين على الديمقراطيات الغربية التي تجرأت وتوقعت نتائج الانتخابات مسبقاً؛ ففي السنوات القليلة الماضية قارن ''بوتين'' بين أميركا وألمانيا النازية، واستحدث مؤسسة تسهر على مراقبة ما يعتبره ديمقراطيتها المزيفة، كما اتهم الأميركيين والأوروبيين الغربيين، لا سيما البريطانيين، بالنفاق وانتهاك حقوق الإنسان· وإذا كان هذا الخطاب العدائي تجاه الغرب يخدم عدة أهداف، فإنه يرمي بالدرجة الأولى إلى تحصين الرأي العام الروسي من التأثر بنماذج المجتمعات المنفتحة في الغرب؛ والرسالة بسيطة: روسيا ليست مجرد ديمقراطية، بل هي ديمقراطية أفضل من نظيراتها الغربية·
غير أن الخطاب العدائي الذي يتبناه الكرملين لا يقتصر على الغرب، بل يمتد إلى الدول المجاورة مثل ''جورجيا'' و''أوكرانيا''، وهما البلدان اللذان فقد فيهما الماضي السوفييتي أي بريق، أو شرعية؛ ومع أن ''بوتين'' لا يخشى من انضمام هذين البلدين إلى حلف شمال الأطلسي واحتمال المس بالأمن الروسي، إلا أنه يتوجس، في المقابل، من نجاح التوجه الغربي في البلدين وتأثير ذلك على الروس؛ وفي هذا السياق أيضا يمكن تفسير قراءة ''بوتين'' للتاريخ وتحسره على الحقبة السوفييتية وهو الذي وصف انهيار الاتحاد السوفييتي ''بأكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين''·
حسب تلك القراءة، لم يكن سقوط النظام السوفييتي فرصة لتحرير الشعوب، بل كان بداية الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الروس في التسعينيات؛ وبدلاً من تحميل مسؤولية الإخفاق الاقتصادي والمعاناة الاجتماعية إلى إفلاس النظام الشيوعي واستشراء مظاهر الفساد على نطاق واسع في الحقبة السوفييتية، يلجأ ''بوتين'' والمحيطون به إلى لوم الديمقراطية والغرب؛ وبعبارة أخرى وفرت الشيوعية الأمــان والاستقرار في حين كانت فترة ما بعد الشيوعية رمزاً وعنواناً للكارثة، فجاء نظام ''بوتين'' ليُرجع الاستقرار مجدداً إلى البلاد ويضعها على الطريق الصحيح؛ وكلما تبنى الروس هذا التصور وانحازوا إلى هذه القراءة الخاصة للتاريخ، تضاءلت فرص الانفتاح واعتناق الديمقراطية، على الأقل ليس قبل نفاد النفط·
وعندما سئل بوتين عن الرتابة غير الطبيعية للحملة الانتخابية إلى درجة أن وكالة الأنباء الرسمية ''إيتار-تاس'' وصفتها ''بالمملة''، رد بوضوح ''لقد ارتفعت الأجور بنسبة 16 بالمائة خلال السنة الجارية، وهذا يكفي للإجابة على السؤال''·

آن أبلبوم
كاتبة ومحللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا