صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

بلاد الكانجارو منجم ثمين للمواد الأوّلية



سيدني - خاص:

تُعتبر القارة الاسترالية مصدراً كبيراً للثروات الطبيعية وخصوصاً المعادن الثمينة والنفط، مما جعل هذه القارة الشاسعة المساحة والمتنوّعة المناخات مقصداً للمهاجرين من مختلف أنحاء العالم وخصوصاً من الصين وأوروبا· ولكن التهافت العالمي الكثيف على استغلال هذه الثروات أدى إلى انعكاسات سلبيّة على البيئة والمناخ، وتسبب أضراراً كبرى تهدّد الاستقرار لطبيعة هذه المناطق الاسترالية·
ويبدو أن الصين استطاعت أن تقيم علاقات وثيقة مع الشركات الاسترالية، بالإضافة إلى توظيف المزيد من الأموال الاستثمارية خصوصاً في ميدان بناء مصانع حديثة لاستخراج المعادن والثروات الأخرى، خصوصاً النفط والمعادن، كما استقطبت هذه المناجم معظم الأيدي العاملة مما أدى إلى نقص كبير في العلماء والميكانيكيين والمهندسين، إلى جانب تحويل العديد من القمم والجبال إلى حفر ووديان·· ويبدو أنّ شهرة القارّة الاسترالية لم تعد تقتصر على كونها معقلاً للكانجارو فحسب، بل تبيّن أنها أيضاً منجم ثمين يضمّ كميات هائلة من المعادن القيّمة، بحيث يمكنك أن تجد النحاس، اليورانيوم، الحديد الخام والذهب· ورغم أن هذه الثروات الطبيعية تعود إلى عهود وعصور قديمة إلا أنها لم تصبح فاعلة إلا من سنوات قليلة وذلك مع اندفاع مجمل بلدان العالم للتنقيب عن مصادر طاقة تصبح بديلة للنفط بشكل أساسي·
ومما لا شك فيه أنها كانت المستفيد الأول من هذه الانطلاقة العالمية، خصوصاً وأن صادراتها من المعادن والمواد الأولية ستزيد بنسبة 36 في المئة قريباً عما كانت عليه قبل 20عاماً خلت·
وتجذب المناطق الاسترالية التي تحتوي على معادن ثمينة، حالياً، مئات العائلات والوافدين الجدد مهما كانت الأوضاع المناخية أو المعيشية صعبة فيها، ولكن الجميع يطمح للحصول على أموال طائلة من خلال عمله في المناجم والكسارات لاستخراج هذه الثروات·
ومن أبرز هذه المناطق الـ ''اولمبيك دام'' التي أصبحت أكبر منجم تحت الأرض في استراليا، بحيث تعمد الشركة المقاولة "BHP" إلى استخراج كميات هائلة من المعادن، وللمثال فقد أنتجت 500 ألف طن من النحاس خلال العام الفائت أي ما يوازي بقيمته خمسة بلايين دولار ومن المتوقع أن تتضاعف هذه النسبة، ولاسيما أنّ الكثيرين يطلقون على هذه المنطقة الغنية جداً اسم ''المملكة العربية السعودية في الجنوب'' (أي جنوب استراليا) وذلك لأن السعودية تملك 20 في المئة من محميات النفط العالمي بينما تتواجد في هذه المنطقة أكثر من ثلث مخزون اليورانيوم مما يجعله في المرتبة الأولى عالمياً·
وهناك منطقة أخرى تدعى الآن ''روكسبي داونز'' حيث تبلغ الحرارة فيها 40 درجة مئوية، وكانت تسمّى ''أبداً، بداً''، للدلالة على أنّ العيش فيها مستحيل بسبب الحرارة المرتفعة والأرض القاحلة، ولكنها تحوّلت اليوم إلى مناطق تستهوي مئات الأشخاص· وقد ارتفع سعر المنزل الخشبي فيها إلى 256 ألف دولار، وهو سعر خيالي لكنه يدل على كمية الوافدين الكبيرة وازدياد الطلب على البيوت·
ورغم أنّ القارة بمجملها تستفيد من هذا التحوّل الكبير نحو المواد الأولية، ولاسيما أن النمو الاقتصادي قد شهد نمواً مطرداً، إلا أن البلاد أصبحت تعاني من مشاكل جمّة، وأبرز مثال على ذلك هو أن الكثير من الاستراليين باتوا يتوجهون نحو العمل في شركات ومعامل ومناجم لاستخراج الموارد الطبيعية بأعداد هائلة مما أدى إلى وجود نقص في نسبة الميكانيكيين والمهندسين وحتى علماء الجيولوجيا في القطاعات الأخرى مما انعكس سلباً على البلاد ككل·
وأصبحت أسعار البيوت والأراضي خيالية وليس فقط في أماكن استخراج الطاقة والمعدن بل في جميع أنحاء القارة، كما ارتفع سعر صرف الدولار الاسترالي ما انعكس غلاء معيشياً كبيراً·
ويقول ''كريس ريتشاردسون'' من ''اكسيس'' (وهو معهد للأبحاث الاقتصادية في كانبيرا)، إنّ ''الاقتصاد يعاني من التضخم والركود خصوصاً وأنه يعتمد فقط على المعادن''، مشيراً إلى أن القارة قد اختبرت هذا النمو والازدهار في السابق عندما تمّ اكتشاف الذهب واليورانيوم في القرن التاسع عشر بحيث تم بناء 26 مدينة و17 مرفاً، وتم افتتاح طرقات وسكك حديدية عدة، ولكن هذا النمو توقف فجأة مع هبوط أسعار المواد الأولية ومع تقلص حجم هذه المصادر·
وكانت المنطقة الجنوبية ـ الشرقية من استراليا في السابق مصدراً كبيراً للمعادن مما مهّد لانطلاق ثورة عمرانية واقتصادية في القارة التي استقبلت آنذاك مئات المهاجرين والنازحين من أوروبا إليها ولاسيما من انجلترا وأيرلندا وألمانيا والصين· وحتى اليوم، لا تزال هناك آثار متعددة تشير بوضوح إلى وجود مجتمعات غابرة في المنطقة مثل المصرف المسمّى بـ ''مصرف الذهب القديم'' أو النزل المسمى بـ ''نزل حقول الذهب'' مما يدلّ على وجود أشخاص سابقين كانوا في استراليا (ولاسيما في جنوبها الشرقي) وعمدوا إلى استخدام الذهب وغيره من المعادن والاستفادة منها قبل أن تتراجع الأسعار ويستنفد قسم من هذه المصادر مما أدى إلى هجرات معاكسة وعودة إلى الأوطان الأصلية·

''أورينت برسِ''