ثقافة

الاتحاد

المتاحف.. بيوت الأزمنة اليقظة

المتاحف لا تشكّل لغة تاريخية وزمانية للذاكرة في زمنها الماضي، بل هي، أيضاً، لغة الزمن المعاصر الممتد إلى المستقبل، ولا بد من جذور للمستقبل في ذلك الماضي، وهذا مما تضيئه المتاحف كأمكنة تحتفظ بالأزمنة اليقظة التي تدل على الإنسان وحياته وطريقة تفكيره ووعيه وبيئته وإبداعه وثقافته، وحول المتاحف كلغة حضارية، كان لـ«الاتحاد الثقافي» هذا التحقيق الذي أجمع فيه المشاركون على ضرورة حضور الذاكرة المحلية وديمومتها بين الأجيال لبناء مستقبل الحداثة، استناداً لتراث الأصالة، مع ضرورة تطوير الأدوات الجاذبة لها.

«مما لا شكّ  فيه فإنّ المتاحف تعتبر من المعالم الحضاريّة البارزة في الأمم المعاصرة التي تعمل على حفظ تراثها وآثارها، وتقديمه للأجيال النّاشئة بطريقة ميسّرة تجعلهم على وعي بماضي بلدهم، وعلى إدراك بما كان عليه وطنهم في الحقب التاريخية السابقة، كما تمكّنهم من تخيّل الواقع الاجتماعي والحضاري والمدني لوطنهم في العصور الغابرة».
 هكذا بدأ الكاتب والباحث د. حمد بن صراي أستاذ التاريخ بجامعة الإمارات العربية المتحدة، وتابع: ولهذا فإنّ هذا الدور الحيوي للمتاحف يعدّ جزءاً مكمّلاً لحماية الهُويّة الوطنيّة، ولهذا فإنّ الدولة المتقدّمة تولي هذا الجانب اهتماماً كبيراً.
وأكمل: ولهذا أيضاً ينبغي الاهتمام بالمتاحف وتراث البلد وآثاره من منطلق حضاريّ  متكامل، وعليه إيصال الرسالة الحضاريّة لأبناء البلد والمقيمين والزائرين، وفي الوقت نفسه، يجب أن تصل رسالة المتحف إلى المدارس، والتواصل مع الإدارات المدرسيّة والتربويّة لشرح تلك الرسالة المؤثّرة، وجذب الطلبة لزيارة المتحف.
وأضاف د.حمد بن صراي: كما يعمل المتحف على عدد من الأمور المهمّة منها: نشر الأبحاث والكتب والدراسات عن التحف المعروضة في المتحف، تشجيع الباحثين والدارسين والطلاب المتخصصين وتقديم العون إليهم، تشجيع الناس على زيارة المتحف، عمل اتفاقيات مع المدارس والجامعات لزيارة الطلبة للمتحف، إقامة ندوات وورش عمل عن بعض موضوعات متعلقة بالماضي والتاريخ والآثار، استضافة علماء وخبراء في الآثار والتاريخ لإلقائها، عمل موقع على شبكة المعلومات، تقديم الخدمات الإلكترونية، والرد على استفسارات الداخلين على هذا الموقع، والدعاية للمتحف في الخارج لتنشيط السياحة الآثارية.
 
فضاء تتحاور فيه الأزمنة.

مساحة من الماضي
أكد الكاتب الإعلامي ضرار بالهول الفلاسي، عضو المجلس الوطني الاتحادي، المدير التنفيذي لمؤسسة وطني: للأمم ذاكرتها التي تحفظها الأمكنة، كما أن للأمكنة ذاكرة تحفظ الأزمنة، لأن العلاقة بين الزمان والمكان علاقة جدلية، ترتبط بحركة الكائن عبر فعله الحضاري، وعبْر حضوره في الفعل الإنساني.
ومن هنا، تصبح المتاحف الفضاء الذي تتحاور فيه الأزمنة، لأنها تمثل الذاكرة الجمعية للأمم والشعوب، وبالتالي، هي التي تحفظ إرثهم وتاريخهم ومآثرهم وشخصياتهم وعلومهم ولقاهم الأثرية التي انتقلت عبْر الزمان إلى الحاضر، لأن المتاحف مساحة من الماضي تحل في الحاضر لتبقى الصلة بين ذاكرة الماضي وذاكرة المستقبل، بمعنى الذاكرة المستمرة بين الأجيال.
وتابع: من جهة ثانية، تعد المتاحف الأماكن الأكثر استجابة للحوار بين العصور المختلفة، والحوار بين الثقافات والحضارات التي عبرت الأمكنة وتركت فيها أثرها وإرثها وقيمها الحضارية، ومن جهة ثالثة، تعد المتاحف علامات على عراقة الأمم وأصالة حضارتها، ورسوخها في عمق الزمان، فهي المرآة الحضارية التي تعرض من خلالها الشعوب دلائل تاريخها وأصالتها وحضارتها وحيويتها عبْر الزمان.
وتابع بالهول: لذلك تأتي الأهمية الكبرى للمتاحف كونها توثق ذاكرتنا الجمعية وتحميها من الغياب في عثرات الزمان، كما تسهم أيضاً في انفتاح الماضي على ذاكرة الحاضر، وتعرّف الأجيال الجديدة على ماضيهم وتراثهم وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم، لترسيخ قيم الأصالة في قيم المعاصرة، من أجل بناء مستقبل أفضل للأجيال يستند إلى دروس الماضي وقيمه وثوابته التي تبرز الجانب الأصيل في تاريخنا، إضافة إلى الجانب المعرفي في جوانب الحياة المختلفة ودورها في المشهد التاريخي والإنساني.
وأضاف: لذا، تعتبر المتاحف من أبرز المعالم السياحية للدول، وحين نقرأ هذه الذاكرة المكانية والزمانية في دولتنا الحبيبة الإمارات العربية المتحدة، يمكننا القول: إن المتاحف من أبرز معالمنا السياحية الثقافية في كل إمارات الدولة، حيث تحظى باهتمام كبير من القيادة التي تستند إلى إرث عريق وأصيل من منظومة الماضي القيمية التي نهضت عليها حضارة الحاضر، وتستند إليها رؤية المستقبل، كما تحظى هذه المتاحف باهتمام كبير من كافة فئات المجتمع ومؤسساته، لأنها الأماكن التي يستطيع فيها الإنسان أن يرى الماضي ويعيش فيه ويستمد منه التقدم وطاقة العطاء والانتماء والتفاني في حب الوطن والدفاع عن وجوده وهويته وتاريخه الأصيل.
 
ثقافات الشعوب
وترى الفنانة التشكيلية آمنة الفلاسي: إن للمتاحف لغتها الحضارية في المكان الموجودة فيه لأنها تلعب دوراً حاسماً في الحفاظ على الثقافة المحلية، من خلال التوثيق الدقيق والحفاظ على القطع الأثرية، وتسجيل الثقافة وتذكرها بغض النظر عن مستقبلها، كما يمكن مشاركتها وفهمها من الجميع بثقافاتهم المختلفة.  
وأضافت: من الأسباب المهمة التي تجعل المتاحف ضرورية جداً للحفاظ على الثقافة، أنها تعمل على تثقيف الآخرين وتطلعهم على الثقافة المحلية، ولكي تحترم ثقافة ما وتنجو من التأثيرات السلبية للعولمة، يجب تثقيف الثقافات المهيمنة بشأن ثقافات الأقليات وطريقة معيشتها، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي من خلال عرض لائق للثقافة المحلية في المتحف بتناغمية مع ثقافات الشعوب المختلفة.
ويقول الفنان د. حبيب غلوم: المتاحف تمثل الحضارة بمفهومها الماضي والآتي، لأنها تتكلم عن حضارة الأمم وماضيها وحاضرها ومستقبلها، وعلينا المحافظة عليها، لأنها دليل قاطع على الثوابت المكانية والزمانية لهذه الثقافة، ووجود المتاحف يطمئن الأجيال، وتطمئننا نحن على أن هذا الإرث الذي تسلمناه من الأجداد سيبقى للأجيال القادمة محفوظاً ومصاناً، وجود المتاحف اليوم، يعطي زخماً لأي دولة، ونحن نرى كيف تحرص الأمم المتقدمة على وجود هذه المتاحف لتحكي قصة نجاح لدولها، وبالتالي، يحرص الزائرون على الوصول لهذه المتاحف، ووجودها مكسب، وأصبحت المتاحف اليوم تدخل في قطاع السياحة والثقافة والأعمال، وتضيف للدخل القومي للدول.
وتابع: أرى أنه لا بد من تطوير بعض متاحفنا والإعلان عنها بشكل أكبر والتسويق لها بشكل أعمق ليستطيع كل فرد الوصول إليها بيسر وأن يحرص الناس على زيارتها لمشاهدتها بشكل مختلف، ونتمنى أن تكون هناك استراتيجية للوصول إلى أكبر عدد من المواطنين والمقيمين لتعزيز وجود هذه المتاحف والاستفادة من مكوناتها.
وتقول الإعلامية حليمة الملا: للمتاحف دور كبير في نقل قيم المجتمعات ونشر تراثها وعاداتها وثقافتها وحضارتها، وإنشاء المتاحف ليس فقط لعرض الآثار والمقتنيات القديمة، وما خلفه الآباء من أدوات ومستلزمات، بل تتمحور مهام المتاحف في توثيق المعلومات التاريخية والمعالم الأثرية والتعليم والتجميع والتثقيف، وهذا يعني أن المتاحف صروح حضارية شاهدة على تاريخ الإنسان وقيمة المكان وهوية الشعوب والأوطان.
واختتمت: لا يخفى على أحد الدور الذي أصبحت تؤديه المتاحف في الجانب الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار في القطاع السياحي، فهذا الدور المحوري دعم للاقتصاد الوطني من خلال استقطاب السائحين والزوار القادمين لزيارة الأزمنة بذاكرتها وآثارها وحاضرها ومستقبلها، ليكتشفوا ما يتلاقى مع حياة أجدادهم أيضاً.

اقرأ أيضا

كورونا و«الحياة عن بُعد» في «الناشر الأسبوعي»