صحيفة الاتحاد

الإمارات

تأملات حول ندوة المـوّال في الإمارات




أحمد راشد ثاني:

هل هذا ابن خالة أمي ''مرمرية''، أو من ''تنقوصته'' هكذا· سألت أحد أفراد فرقة خورفكان للفنون الشعبية·
··· نعم إنه هو·

سعيت إلى حيث كان يجلس، قبّلته على رأسه وسألته عن أحواله و''علومه''· ثُمَّ تركته فعاد إلى الجلوس مع صحبه: وجوه حالكة هدّها مرور السنين وعذاب الحياة·
وبالرغم من أن معظمهم أهلي وجيراني (هل سأقول جيراني السابقين؟) إلا أنني أكاد لا أعرف معظمهم، وهم لا يعرفونني··· ثمَّ خلل ما ربما في الهواء الذي يتنفسني وأتنفسه·
عاد ''مرمرية'' للجلوس مع ربعه على الحصير؛ أكثر من ثلاثين نفرا· أمامهم دلال القهوة وطوسن مليئة بالتمر (نادى عليهم أحدهم وقال: ما ناقصنكم إلاّ الكلمي)·
ثُمَّ وقبل الساعة السابعة مساءً قال إداري ''جمعية الفنون'' لــ ''شاعرهم'': يا للَّه··· قُل لهم شيئاً لكي يستعدوا· جاء ''الشاعر'' ووقف على الحصير وسط المجموعة وتكلَّم مع نفسه وكأنه يحاول استعادة المجوهرات من غار الكنز الذي لطالما تخفيه ذاكرته· مع ''الشاعر'' قام إيقاعي أو أكثر، وجلسوا في وسط المجموعة· نقروا على الطبول بضع نقرات فأحسَّت المجموعة (فكّرت بأنها جاءت بالباص من خورفكان وعند التاسعة - هؤلاء الشياب - عليهم أن يعودوا إلى بيوتهم!) بأنَّ الأوان قد أزف·
وقبل الخروج حفاة إلى الساحة كي يلتهبوا، يحتاجون إلى جلسة كهذه لتحمية أجسادهم المتعبة وذاكرتهم التي قليلاً ما تُغادر بئر الجسد· إذ لعَّل الأرواح كالدفوفِ وينبغي تعريضها - بهدوء المحبين - للنار، قبل الطَرْق، كي ترق·
دقَّت دفوف أجسادهم فقاموا حفاة إلى الساحة ثلاثة صفوف، صفّين (في كل صف عشرة أفراد أو أكثر) يقفان كما لو أنهما ليحددان مستطيلا وحرم ما سيحدث·
الصف الثالث: الطبّالون (هل من الدقة أن نسميهم إيقاعيين؟)، وكل واحد قد علَّق قلبه الآخر (أي طبله) على صدره· واستعدت أصابعه كي تتذكر وتقول·
وتبدأ ''الرمسة'' أو ''العرضة'' أو اللعب·
ويبدو صف الطبّالين حائراً لا يعرف إلي أيّ من الصفين الآخرين يذهب· لكنه هو المركز المتحرك، المنقلب على نفسه، هو نبع الهوى···· الهوى وقد زرعت بذوره وما هذا العرض إلا حركة الأغصان···
يبدأ الطبّالون في نسج جملتهم· على الصف المقابل أن يُقدم مجتمعاً ما يستطيع من أمارات الخضوع· لمن؟· لم؟ لدقات الطبل· دقات الطبل ''مجرد'' (بين قوسين) حاجب يقود ذلك الصف إلى الهوى الذي لا تستطيع أية أفكار هزيمته· هذا إذا ما كانت هنالك من أفكار···
وإذا ما خضع الصف المقابل للطبالين كما يجب فإنهم يديرون ظهورهم له كي يخضع الصف الآخر·
''الويلية'' (هل هي من الولولة، والتغني بالويل فعلاً) هو الفن الذي يقدمه هؤلاء·
و''الويلية'' من ''عائلة'': العرضة، العيالة، الحربية·· إلخ، إلا أنَّ ''الويلية'' فن فلاحين (بيادير)، ويصطادون السمك أيضاً···
''الويلية'' من بنات ''العرضة'' (قلنا إنّ من أشهر بناتها: العرضة النجدية، العيالة···) لكن ''الويلية'' ليست بحربية· إنها رقصة بلا سيوف· بلا أحد يرمي العصا في الهواء الذي تستطيع عيناه أن ترى له سقفاً، وعندما تسقط يتلقفها·
إنَّ ما يجعل ''الويلية''، ويلية حقاً هو ذلك التقلب لصف الطبّالين بين ما يبديه الصفان الواقفان، سواء من يمين أو يسار، وكيف يستجدي بعد ذلك الطبّالون خضوعهم بمشي على نقرات الطبل كما لو أنه مشي على جفون الإيقاع، أو مشي على عيون المسافة، إذا ما كان للمسافة من عيون·
الصفان المقابلان للطبالين يمشون على نقرات الطبل حفاة، وكما لو أنهم في لحظات من هذا الفن لا يمشون على الأرض···
رأيت من يحاول عبر الفن أن لا يمشي على الأرض في عرض ''الويلية'' المقدّم أمام ''دار الندوة'' بالشارقة والذي تركته وأنا أمشي، كمن تذكر إحدى حركات روحه، نحو الخارج الذي انسكب عليه الظلام·
كان ذلك في الفترة المسائية من ندوة نظمتها إدارة التراث بدائرة الثقافة والإعلام بعنوان ''الموَّال في الإمارات'' (في 7 مارس 2007) وضمت عدة مشاركين، كان كاتب هذا المقال أحدهم·
الموَّال في الإمارات· هل يوجد هناك موّال في الإمارات؟
كنت أتوقع أن يكون هذا السؤال الشاغل للندوة· وبالفعل هذا ما حدث·
فأغلب المنتدين (بما ذلك بوسترات الندوة التي تصور ''نهّاما'' - مغني سفينة غوص وأخرى - صورة غلاف الكتيب - تصور بضع سفن خشبية) أرادوا أن يقولوا إن الموال بحري كما هو معروف في الكويت والبحرين وقطر، لكن وللأسف لا يوجد لدينا هنا في الإمارات موّال من هذا النوع إلا فيما ندر إلى أن ''اكتشفنا'' فن ''الدان (الأشعار التي تغنى في ''الويلية'') فأصبحنا بهذا ''الاكتشاف'' من المنتسبين الجدد لنادي ''الموال'' الخليجي هذا·
وقال كاتب هذا المقال للمنتدين إن مثل هذا ''الاكتشاف'' مغلوط لسببين: فليس الأصل أن الموال بحري، وانما هو معروف، تاريخياً على الأقل، منذ المرحلة العباسية الأولى واستمر مُقالاً في بلاد الرافدين في فنون شعرية مثل الدارمي والأبوذية والزهيريات···· وان أغلب من يقوله هناك هم من الفلاحين··· أما السبب الثاني فإننا نعرف في شبه جزيرة عمان (ما يضم دولة الإمارات وسلطنة عُمان الآن) أقدم مصدر للموال (أقدم من أي مصدر آخر في الخليج) إذ كتب الشاعر الأعمى راشد بن خميس قصائد على ''لحن'' الموّال، وكان الحبسي من مدَّاحي الدولة اليعربية في عمان· ولعلَّه في حياته لم ير البحر أبداً·
سعيد حدّاد (من المهتمين المعروفين بالفنون الشعبية في كلبا من المنطقة الشرقية) قال إن أشعار ''الدان'' يرددها الفلاحون بين البساتين عند عملهم بــ ''المنيور'' (طريقة قديمة جداً لاستخراج الماء من الآبار)، إذن ليس صدفة أن أغلب قصائد الحبسي ''الموّالية'' تدور حول ''المنيور'' هذا·
ويعمل الحدّاد الآن مع فيصل المريخي (رئيس جمعية خورفكان للفنون) على كتاب حول فن ''الدّان''· المريخي الذي كان يتحدث من بين الجمهور (القليل) قال إن ''الدّان'' يرتكز على سبعة أبيات (أي كالموّال السباعي) وعلى سبع ''طرايق'' (جمع طريقة): أي ما يسمى بالأغراض الآن· واشترك هو وسعيد الخشري (مهتم بالفنون الشعبية من دبا) في الحديث عن دور ''الأبو'' لأعراف هذا الفن· وكان الاختلاف يبدو كما لو أنه عن البعد الإشاري للعصا·
اختلافهما وحديث تلاه من المنتدين يتمحور في الأساس حول ''الشاعر'' أو دور الشاعر في فن كــ ''الدان'' (أو ''الويلية)· إذ الشعر - كتقليد - في هذا الفن ارتجالي أو هو مواجهته ''شعرية'' مرتجلة بين شاعرين، أو حتى بين شاعرين من فرقتين (أو مجموعتين بشريتين) مختلفتين· وكل شاعر يحاول أن ينافس الآخر و''يهزمه'' بل أحياناً ينهزم أحدهما ويُعلن هزيمته (كيف يُعلن؟)، وأحياناً يستمرا طويلاً في تواجههما حتى يتعب المجموع، فيضطر ''أب الفن'' للتدخل··· وهكذا·
هذا، أو ما سمّاه بعض المنتدين بالطقس، من أشيق ما شغل الندوة·
لكن ''الويلية'' ليست الوحيدة في شبه جزيرة عمان التي هي فن أدائي وارتجال شعري في نفس الوقت، وانما هناك ''الميدان'' الذي سمعت أنه ما زالت هناك فرقة في طور الاندثار تقدمه إلى الآن بالفجيرة (··· حتى ''الويلية'' بالمناسبة في طور الاندثار، أو أغلب الفنون الشعبية)·
وقيل إنَّ ''الويلية'' و''الميدان'' غير معروفين عند سكان ''الساحل'' (المقصود الشارقة ودبي وأبوظبي)· وهذا الكلام غير صحيح· ففي ''الساحل'' محبوب ''الميدان'' (بالمستطاع القول انه من عائلة الموال أيضاً) كفن شعري، ومنتشر·
عند هذا برز سؤال: يا ترى لماذا لم يظهر شعراء معروفون ''بالدان'' كما هو الحال مع شعراء ''الموّال'' في الخليج أو ''الميدان'' في سلطانة عُمان أو ''الوَّنة'' و''الردح'' (أو السجع) في دولة الإمارات؟
وبقي هذا السؤال معلقاً· وكان من ضيوف الندوة قطريان أحدهما علي شبيب المناعي المعروف باهتمامه في جمع أشعار الموال في قطر والخليج· المناعي أشار إلى أنه عندما كان يعمل في مركز التراث الشعبي قاموا بجولة في الإمارات وسجلوا أشعاراً من ''الموال'' و''الدان''····
وكان السؤال: أين ذهبت الأشرطة التي سجلها المركز وأعادها (بعد انفراطه) إلى الدولة الخليجية؟· أين ذهبت الأشرطة المتعلقة بالإمارات؟
عيد الفرج الملحن والمسؤول في وزارة الثقافة كان حاضراً الندوة، وتحدث بشكل لافت عن دور ''الأبو'' في الفنون الشعبية، ورد على السؤال عن الأشرطة فقال إنها موجودة في الوزارة·
حسناً بما أن الأشرطة موجودة في الوزارة لماذا لا تعلن عنها ولماذا لا تفرغها وتنشرها، أو على الأقل: لماذا لا تتيحها للباحثين والمهتمين؟ ثم السؤال الآخر: ما الذي تنتظره وزارة الثقافة كي تبدأ في الاهتمام بالفنون الشعبية وتنويطها (من النوطة الموسيقية) وجمع كلامها على غرار ما حدث في سلطنة عمان؟
قال الفرج: ''قريبا''· وقريباً تكاد في كثير من الأحيان تشبه: ''ان شاء الله''···
وهذا بعض ممَّا تم تداوله في ندوة ''الموّال في الإمارات'' التي نظمها عبدالعزيز المسلم من إدارة التراث بالشارقة بمعية زملائه··· والتي ذكرتني بالمشية الراقصة والخلاّقة ''للويلية''، وبأهلي الذين يمشونها حفاة ذات مغربية أمام ''دار الندوة''·