هل بمقدور الإنسان أن يتنازل عن أوهامه؟!
قد يتبدى السؤال غريباً، لكنه سؤال ربما يختصر سيرة الإنسان مع نفسه ومع بيئته، فالمرء والمرأة يبدآن حياتهما في حلم يقرب أو يبتعد حسب الحال الظرفية لأي منهما، وكلما اشتدت المواقف لجأنا للوهم، عبر تفسير الظرف تفسيراً أسطورياً، كما في تاريخ ثقافة البشر الأولى، حين صنعوا أجوبتهم الوجودية عبر الأساطير، والطريف أن ذاكرة الأساطير ما زالت قوية في ضمير الثقافة البشرية، حيث نلجأ لأسْطرة كل حدث خطير يقع علينا، ونجد راحة في تصديق كذبتنا، لأنها تساعد على امتصاص الظرف، وترجمة مخاوفنا إلى وهم، ميزته أنه من صنعنا.
وللبشر علاقة خاصة جداً مع أوهامهم، مثلاً ستكون (طرحة) جدتي ذات قيمة متعالية عندي، بينما لا تساوي عند غيري سوى أن الطرحة قطعة قماش مهترئة، لكن لو تعرض أحد لهذه القطعة الرثة بأذى، فستنشب حرب كلامية أو حتى حقوقية بيني وبين من سأراه معتدياً، وهو اعتداء على وهمي وليس على أي شيء آخر، وهنا لن يكون في مقدوري أن أكون واقعياً، وستكون الواقعية تفريطاً بحقوق جوهرية، تخص معنى وجودياً عن أدق مشاعري، وإن كان ذاك وجوداً أسطورياً بالتعريفات الواقعية، ولكن التعريفات كلها لن تغير من نظرتي للحدث.
وإن كانت طرحة جدتي وهْماً فردانياً، لا يعني أحداً غيري، فإن في ثقافات الأمم القديمة والحديثة سنجد قطعة قماش ملونة، ستكون رمزاً وطنياً جرى التعارف عليها على أنها (العلم)، وأي مساس بهذه القطعة سيساوي شعورياً درجة المساس بطرحة الجدة، ولكن بدرجات أشد حساسية وأخطر أثراً، ورد الفعل مع (العلم) سيكون خيانة وطنية إن حدث من مواطن أو عدواناً سافراً لو وقع من أجنبي، وقد يؤدي لحروب بين الدول، وهكذا هي تجربة البشر مع سردياتهم الكبرى أو الصغرى.
وقطع القماش هذه لن تكون ذات قيمة في المقياس العقلاني، وأي قطعة ستنوب عنها قطعة أخرى، ربما أجدد وأمتن، ولكن المقياس العقلاني هنا لن يكون مقنعاً على مستوى الشعور الوجداني والروحاني، لمن جعل قطعة القماش قيمة رامزة، ورمزيتها ستكون أغلى عليه من حياته الخاصة، ولن تنتعش أي ثقافة دون رصيد ثري من الرمزيات المصطنعة من حيث الأصل، ثم يحولها الاصطناع إلى جوهر دلالي، لا يقوى الفرد ولا الجماعة على التنازل عنها، ولو حدث تنازل عنها فسيكون ذلك من المحذورات القيمية، بما أن هذه الرمزيات هي المكونة لخيالنا الوجودي والإبداعي.

إضافة فكرية نوعية
يرحب ملحق «الاتحاد الثقافي»، بداية من هذا العدد، بانضمام الناقد والأكاديمي السعودي د. عبد الله الغذامي، إلى نخبة كتابه ومفكريه الذين يحملون شغفاً أصيلاً بالثقافة وبفكر الحداثة والتنوير في عالمنا العربي، نثق أن قلم الدكتور الغذامي يمثل إضافة فكرية نوعية، فمرحباً به دائماً.