الاتحاد

دنيا

السُنن الإلهية كيف نطبقها في حياتنا؟

 العلم هو السبيل إلى الكشف عن السنن الإلهية والتعرف على آيات الله في الإنسان والكون

العلم هو السبيل إلى الكشف عن السنن الإلهية والتعرف على آيات الله في الإنسان والكون

إذا كانت السُنن الإلهية تعني القوانين التي تحكم مسار هذا الكون والاجتماع البشري، فإن التعرف على هذه السنن، والتطبيق العملي لها، هو السبيل إلى قيام الحضارات وتقدم الشعوب· كل ذلك يلقي بمسؤولية مضاعفة على المسلمين لاستيعاب هذه القوانين والاستفادة من تلك السنن·
عرضنا في الاسبوع الماضي لنماذج من هذه السُنن، وألمحنا إلى الفهم الخاطئ لبعضها من جانب الكثيرين من المسلمين، فما السبيل إلى استيعابها وتطبيقها بالشكل الصحيح في حياتنا؟
خلق الله هذا الكون وجعل الإنسان في الوقت نفسه خليفة له في الأرض، لذا فإننا ـ نحن البشر ـ نتحمل المسؤولية في التعمق بدراسة الكون وفهم أسراره حتي ندرك آيات الله فيه وفي الانسان ونكتشف قوانين المادة وسنن الاجتماع البشري، على حد قول الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري·
ويضيف أن ذلك يمهد لنا السبيل لفهم أسباب قيام الحضارات وسقوطها· فلا شيء في الكون يسير بطريقة عشوائية أو بمحض الصدفة: ''لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون''
ويرى الدكتور زقزوق أن السبيل إلى الكشف عن هذه السنن الإلهية، والتعرف على آيات الله في الكون وفي الإنسان هو العلم بجميع أبعاده· وهذا يعني أن دراسة السنن الإلهية لا يمكن أن تتم بمعزل عن العلم· والتأمل في الكون وفي الإنسان طريقان يوصلان إلى معرفة الحق سبحانه مصداقا لقوله تعالى: ''سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق''·
ويوضح أن هذه الآية الكريمة تشير إلي ثلاث دوائر معرفية هي الكون والإنسان والله· وهي ذات الموضوعات الفلسفية التي حاول العقل الانساني منذ بداية الخلق ولايزال التعرف عليها والتعمق في فهمها·
الابتلاء والتسخير
ويشير الدكتور سيف عبدالفتاح الأستاذ بجامعة القاهرة الى الترابط بين هذه السُنن، فعلى سبيل المثال هناك ارتباط بين سنتي التسخير والابتلاء، فسُنة التسخير تقوم على أساس تمهيد الكون للإنسان لكي يعمره، فهي سُنة كونية لمساعدة الإنسان على القيام بمقتضى الأمانة، لأن الله تعالى لم يترك الإنسان خالياً من قوة في الكون، وإنما أعطى له العقل الذي يدبر، وسخر له عالم الأشياء لييسر فعله الناتج عن التفكير والتدبير، ومن ثم فإن سُنة التسخير هي مقدمة لكي يستثمر الإنسان كل مكنونات الكون من نعم ومخلوقات·
أما سُنة الابتلاء فترتبط بمختلف أحوال الإنسان، فقد خلق الله الإنسان مكلفاً وفي حالة ابتلاء دائم، ومن ثم يبتلى الإنسان بالخير، وبالشر، فمثلا يبتلى بزيادة المال أو نقصه، وبالمرض وبالصحة، وبالالتزام وعدمه،، فيقول تعالى: ''ليبلوكم فيما أتاكم''·
ويؤكد أن سُنة الابتلاء ترتبط بسُنة التسخير لأن ما أتاه الله تعالى للإنسان وسخروه له موضع ابتلاء، كما الابتلاء يرتبط بسُنن الاستخلاف، فالإنسان حينما يعلم أن ما لديه من مال ملك لله وانه مستخلف في هذا المال أو وكيل عن الله تعالى في إدارته، فإنه يتجاوب مع الابتلاء الذي قد يصيب ماله بنفس راضية مطمئنة·
سُنة التداول
ويضيف أن من هذه الُسُنن أيضا سُنة التداول، فهي من طبيعة الخلق، فإذا كانت سُنن الله لا تتبدل ولا تتغير، فإن أحوال الناس يصيبها التبدل والتحول، يقول تعالي ''إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين'' آل عمران ·140 فالإنسان لا يكون على وتيرة واحدة، ومن ثم فإن المسلم لا يعيش في حالة رغدة سعيدة على طول الدوام، ولكن الله يبتليه دائما في نفسه أو أهله أو رزقه، والأمر نفسه ينطبق على مستوى الحضارات والأمم والشعوب، فتسود دولة العالم كله سنوات طويلة ثم تتغير أحوالها وتحتل مكانتها دولة أخرى·
كما أن هناك سُننا تتوجه إلى الأمة الإسلامية ذاتها، مثل سُنة الشهود الحضاري للأمة، والتي تعبر عنها الآية الكريمة التي تقول ''وجعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا''، فالشهادة لا تتأتى إلا بصفة الوسطية وقدرة الأمة على اكتساب صفات خيريتها، وهذه الخيرية ليست مؤبدة، ولكنها صفات يتم تحصيلها من خلال عمل الأمة وفاعليتها: ''كنتم خير أمة أُخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله'' فخيرية الأمة مرتبطة بعملها الإيماني والعمراني·
وإذا كان واقع المسلمين يحتاج إلى تغيير لتجاوز حالة التخلف والتراجع الحضاري التي يعيشها ومواجهة الأزمات التي يمر بها، فإن هناك سننا للتغيير والخروج من الأزمة يوضحها الدكتور عبد الفتاح، مشيرا الى أنها تنطلق من قوله تعالى: ''إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم'' فأي تغيير علي مستوى المجتمع لابد أن يبدأ أولا بالتغيير على مستوى الأفراد، وهو ما يشير إلى تراتب التغيير·
ويقول إن هذا يتطلب أولا: أن تتوافر إرادة التغير أو إرادة الخروج من الأزمة، وثانيا إعداد العدة لإحداث هذا التغيير، حيث يقول تعالى: ''ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة''، ومن ثم فإن التغيير والخروج من الأزمة يرتبط بإرادة الإنسان وفعله وتفاعله مع مجتمعه·
وهذا التغيير يرتبط بسُنة أخرى هي سُنة السعي التي يعبر عنها قوله تعالى ''أن ليس للإنسان إلا ما سعى'' بمعنى أن الإنسان لا يحصل أمرا إلا بناء على الكد والعمل·
وتكمل سُنة السعي سُنة الإمهال، فالله تعالى يمهل للظالم حتى اذا أخذه لم يفلته، فالله تعالى يلفت نظرنا إلى أن المسألة ليست بالشكل الظاهري، فقد يظن الناس أن الظالم لا يعاقب ولكن الحقيقة أن الله يمهل له،، هذا المعني يشير إليه قوله تعالي: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) يونس: من الآية ·24
ويرتبط بكل ذلك سنة المسؤولية، فهي إحدى الُسُنن التي تحكم حياة الناس، وهذه السُنة قد تكون على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة، فعلى مستوى الأفراد يشير إلى المسؤولية الفردية قوله تعالى: ''ولا تزر وازرة وزر أخرى'' أما على مستوى الأمة فهناك نوع آخر من المسؤولية يشير إليه قوله تعالى ''يوم تدعى كل أمة إلى كتابها'' كأن الأمة ستحاسب مثل الفرد على عملها، كما يحاسب الفرد باعتباره جزءا من الأمة·


يميز الدكتور سيف عبد الفتاح سيف بين نوعين من الُسُنن:الأول: السُنة القاضية
التي تجري على كل الكائنات بما فيها الإنسا نمثل الحياة والموت، وما في حكمها
مثل التشييد والهدم والتقادم، وأيضاً الأوصاف الخلقية والفطرية للإنسان والأمور
التي لا طاقة للإنسان بها والتي تعرف في علم الكلام بالقضاء والقدر· أما النوع
الثاني فهو السُنة الاختيارية المرتبطة بمستوى إرادة الإنسان، وتقع هذه الُسُنن
في مجال الاستطاعة والإرادة وما يمكن أن يناله الإنسان ويسخره في الحياة
باستخدام قدراته التي خلقها الله·

اقرأ أيضا