صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

خلافات السياسيين تطارد اللبنانيين في الطرق


الاتحاد - خاص:

مَن يعيد مارد البروباجندا إلى القمقم؟
سؤال مطروح بقوّة على الساحة اللبنانية، سيما عندما نرى اللوحات الإعلانية لشعارات قوى الموالاة وقوى المعارضة تفترش الطرقات والساحات العامة ولوحات الإعلانات وكأنها سلعة تجارية أو مستحضر كاسد يتم تسويقه بأي وسيلة·
إعلام وإعلام مضاد· هذا ما نشهده في لبنان اليوم· حملة للموالاة تقابلها حملة مضادة للمعارضة، فالعين بالعين والسن بالسن و··· الآتي أعظم·
شعارات متنوّعة، جميعها مكتوبة على خلفيات ألوان العلم اللبناني الذي بات إعلاماً لكثرة ما تتجاذبه الأطراف في ما بينها· فهل تنقصنا مصيبة البروباجندا لنضيفها إلى سلسلة الأزمات المتلاحقة التي أصابت الجمهور اللبناني بالإحباط؟
لوحة من هنا وأخرى من هناك لتنطلق شرارة حرب البروباجندا بين قوى 8 آذار و14 آذار / مارس في أكثر من منطقة لبنانيّة· وفي لمحة بصر انتشرت اللافتات واللوحات الدعائيّة على طول ''الاوتوسترادات'' والطرق العامة، لنستفيق في اليوم التالي فنجد أن إعلانات الشامبو والبيبسي والسجائر وصور ''هيفاء وهبي'' و''نانسي عجرم'' وأخواتهما قد استُبدلت بلوحات كبرى تحمل عبارات مدوّية تدعو إلى حبّ الحياة أو إلى دعم مؤتمر باريس ـ 3 أو إلى التنديد، وكلٌ على طريقته··
ونسأل: لماذا هذه الحرب والحرب المضادّة على ساحات الإعلان؟ فيأتينا الردّ مختالاً في أحدث أبواق البروباجندا، يقذفنا بالتالي: إنها حرية الرأي عن التعبير، ونسأل: ولكن أي رأي وأي تعبير؟ فيعرض عنك ويطلق العنان لسيارته الفارهة، وكأنه يقول ''أنت لا تفهم نحن نفكر ونفهم عنك''·
ثقافة للحياة أو للموت
دفع الإفلاس السياسي في لبنان بالقوى المتنافرة إلى الاستعانة بخبراء الإعلان لترويج أفكارها السياسية، وقد رصدت لحملات الدعاية تلك مبالغ ضخمة من الطرفين، إلا أن اللوحات الإعلانية المنتشرة بأعداد هائلة في الطرق العامة والفرعية بدت كالجلاد الذي يحمل السيف مسلطا فوق رقاب المواطنين كيفما التفتوا لتلاحقهم الأزمة السياسية الخطرة وشبح الحرب الأهلية ليل نهار·
القصة بدأت بشعار لقوى الموالاة وهو: ''أحب الحياة''، التي قالت إنه يمثّل صرخة الشعب في وجه الأزمة السياسية الخانقة، ولكن هذا الشعار لم يمرّ على خير، إذ أن قوى المعارضة اعتبرته وكأنه يغمز من قناتها، وخصوصاً بعد الاتهامات التي وُجّهت إليها بأنها تروّج لـ''ثقافة الموت''، ومن هنا نزلت المعارضة إلى ''ميدان'' البروباجندا معتمدة اللغة عينها والشعارات عينها مضيفة عليها كلمات اعتبرتها ضرورية لتناسب توجّهها السياسي·
الاشتباك إعلاميا
في البدء لا بد من القول إن شعار ''أحب الحياة''، شاغل الناس ومالئ الطرقات، هو من ابتكار ''إيلي خوري''، المتخصص في علم الاتصالات في جامعة ''وودبري'' في كاليفورنيا ورئيس مجلس إدارة شركة ''ساتشي آند ساتشي'' العالمية للإعلانات حالياً· إذاً، فإن هذا الشعار البريء والبسيط هو ثمرة خبرة طويلة جداً في عالم الإعلان والتسويق، علماً أن ''خوري'' قد عمل مع فريق كبير من الخبراء ينتمي جميع أفراده إلى قوى 14 آذار / مارس لنجاح هذه الحملة·
وحسبما يشير ''خوري'' فإن '' الإعلان السياسي التابع لأي جهة كانت، هو حق ديموقراطي، ومن الأفضل أن تشتبك الأطراف إعلامياً من أن تشتبك بالأيدي''، معتبراً أن ما نشهده اليوم من حملات إعلانيّة سياسيّة ليس جديداً لكن الأساليب والأدوات تطوّرت· ويؤكد ''خوري'' ''إن هذه الحملة انطلقت من شعور بالملل يغمر اللبنانيين بسبب الحرب والأزمة السياسية والاقتصادية والاعتصامات الخ·· ما دفعنا إلى إطلاق حملة ''أحب الحياة'' للدلالة على تمسّك الشعب اللبناني بالعيش بسلام وأمان بعيداً عن التصعيد السياسي المتلاحق·
وفي الواقع، احتاج هذا الشعار المبتكر إلى مواكبة إعلانية ضخمة لنشره، وفي هذا الإطار تمّ زرع 12 شجرة ميلاد تحمل الشعار، واستأجرت مئات الباصات التي حملت الشعار للتجوّل في شوارع المدن الرئيسية، كما طُبع الشعار على آلاف القبعات والكنزات والأكياس، لتتوّج الحملة أخيراً باللوحات الإعلانية الضخمة التي انتشرت على طول الطرقات العامة وفي كل المناطق اللبنانية·
ردّ مضاد
من المؤكد أن هذه الخطوة لفريق الموالاة استدرجت رداً من قوى المعارضة، ولهذه الغاية تداعت 10 شخصيات من مسؤولي الإعلام من مختلف أحزاب المعارضة، وجاء الردّ عبر 12 عبارة تبدأ كلها بعبارتي ''أحب الحياة'' و''بدنا نعيش'' أضيفت إليها كلمات عدة لاستكمال ''الجمل المنقوصة'' حسبما أسموها، مثل'' بكرامة، بشرف، بسلام، بأمان، بلا ديون، رأسنا مرفوع، بكل ألوانها، بلبنان··· الخ·
على مستوى الشكل، اعتمدت المعارضة تصميم الإعلانات على طريقة الـ''غرافيتي'' أي الكتابة أو الرسم عبر الرش على اللوحات أو على الحيطان، وهكذا صمّمت الملصقات واستأجرت اللوحات الإعلانية المكلفة إذ تم نشر 2500 ملصق في غضون أربعة أيام·
والجدير ذكره، أن الـ''غرافيتي'' معروف بأنه لغة المتمرّدين على المجتمع للتعبير عن تمرّدهم أو رغبتهم في تغيير أمور أساسية في مجتمعاتهم لذلك استخدمه المعارضون، في حين استخدمت قوى الموالاة اللغة الرمزية لكتابة عبارة أحب الحياة، فكان القلب يتوسط بين حرف الألف وكلمة الحياة، للدلالة على حب الحياة·
حملة تلو أخرى
لم تقف الأمور عند هذا الردّ، إذ سرعان ما شنّت قوى الموالاة حملة أخرى لدعم مؤتمر باريس ـ ،3 فكانت شعارات: ''الإصلاح بالأرقام مش بالكلام'' و''الإصلاح مجهود وإلو مردودو''، ''المؤتمر بداية وإلا''، ''على قدّ تعبك رح تلاقي''، الخ···
وما كان من المعارضة إلا أن اكتسحت الإعلانات مرة جديدة بأرقامها عن البطالة والهجرة والدين العام مستخدمة برج ايفل الباريسي الشهير والأرقام لتردّ على الحملة المضادة· ومن الشعارات المستخدمة: ''بالأرقام 45 مليار دولار دين''، ''بالأرقام 42% من الشباب هاجروا''، بالأرقام 15% TVA (الضريبة على القيمة المضافة)·
عبر هذه الأساليب والحملات دخل الإعلان السياسي أو البروباجندا السياسية إلى المجتمع اللبناني من بابه العريض في ظل أجواء مشحونة نتيجة حرب سياسية ضروس بين فريقين متنازعين، بحيث باتت الغاية تبرر الوسيلة وكأن لبنان يعيش في ظل شبح حرب مشرّعة الأبواب يسمح فيها باستخدام شتّى أنواع الأسلحة مهما كانت تأثيراتها على الفكر وإثارة الغرائز· ويبقى أن نسأل المتنازعين: إلى متى؟ وهل نحن في صدد رؤية وسائل جديدة للتنافس غير مشروعة هذه المرة؟
أورينت برس