صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الجامعة العربية ·· دفاع عن المبادرة وتفعيل الضغوط للجم إسرائيل



أحمد خضر :

يبدو أن إسرائيل مولعة بالشذوذ، فهي شاذة في تواجدها أصلاً في قلب العالم العربي، حين فصلت مشرقه عن مغربه باحتلالها فلسطين، وشاذة في الحروب المتلاحقة مع العرب، وشاذة في شرب دماء الضحايا وهي تقتحم المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وتنكل بالسكان العزل، وهي شاذة في تقزيم سقف المطالب الفلسطينية والعربية إلى الدرك الأسفل، وآخر المناورات الإسرائيلية هي دعوتها العرب إلى تعديل أو تغيير مبادرة السلام العربية، ومحورها الرئيسي هو الانسحاب الإسرائيلي من الأرض العربية، مقابل الاعتراف العربي، والعلاقات العربية والتطبيع مع إسرائيل، بينما الرؤية السياسية الإسرائيلية التي تروج لها وزيرة خارجيتها في واشنطن هي الاعتراف العربي الكامل مسبقاً بإسرائيل، مقابل الجلوس على مائدة المفاوضات، وكل مسؤول إسرائيلي يعلن صراحة البرنامج السياسي لحكومة أولمرت، والتي باتت معروفة تماماً، وهي عدم الانسحاب إلى حدود ،1967 والاحتفاظ بالقدس والمستوطنات وغور الأردن، ونكران حقوق اللاجئين الفلسطينيين · وهنا يتركز الشذوذ في أوضح معانيه إذ أن إسرائيل تريد أن يعترف بها العرب ويقيموا معها علاقات طبيعية وهي تحتل القدس على سبيل المثال وتعتبرها عاصمتها الأبدية، وهو ما يتعارض مع ديمومة الحياة الإنسانية، والإرادة الوطنية للشعوب، والثوابت القومية للأمم، والمعتقدات الدينية للعرب المسلمين والمسيحيين، ومن هنا جاء رد السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير في مقر الجامعة بالقاهرة، بأنه لا مساس مطلقاً بمبادرة السلام العربية، ولا تعديل أو تغيير في أي من بنودها·
المدرسة الناصرية
البعض يعتبر عمرو موسى ناصرياً، وهذا ما ذكره دنيس روس في كتابه (السلام الفقود) ويبدو أن هذا المصطلح في المفهوم الغربي يعني التشدد، لكن عمرو موسى مع تقديرنا للدور المهم الذي يلعبه كأمين عام للجامعة، ليس هو الذي يرسم السياسة العربية، بل القادة العرب، والحقائق الدامغة، إذ لا يستطيع أحد تجاوز الخطوط الحمر، ومن يفعل ذلك بحجة المساهمة في إيجاد الحل الدبلوماسي للقضية، أو التسلق على ظهر الشعب الفلسطيني والقول إننا لن نكون ملكيين أكثر من الملك، فلن نقول سوى إنه خرق واضح لميثاق الجامعة العربية·
ولن نعود للتاريخ كثيراً حين تشكلت الجامعة العربية بعد الحرب العالمية الثانية من 7 دول عربية، كمنظمة إقليمية، والإرادة الديناميكية التي امتلكها أمناؤها العامون ابتداء من عبدالرحمن عزام الذي كان صوته عالياً في التنديد باغتصاب فلسطين، وانتهاء بالأستاذ عمرو موسى الذي يدافع عن جميع القضايا العربية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان وغيرها، إلا أن الأصوات النشاز التي بدأت تظهر مطالبة دولها بالخروج من الجامعة العربية بحجة أن هذه الجامعة تنظيم إقليمي مفكك ومنقسم على نفسه، وأنهم لا ينتمون إلى العرب، بل إلى الأفارقة، وهي الشعارات التي رفعها المتظاهرون الأمازيغ في المغرب مؤخراً، تكمن فيها عناصر الشذوذ كذلك، إذ أن أمثال هؤلاء يريدون أن يجردوا العرب من عروبتهم، وربما يعتقدون أن ضعف مؤسسات الجامعة العربية ورقة رابحة في أيديهم، للتنصل من الجامعة العربية، والعرب، كمرحلة أولى يتبعها الانفصال، والتقسيم، والتعاون مع إسرائيل، لإنشاء ممالك جديدة للأقليات في الوطن العربي، ضمن ما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، وهذه هي الغاية الحقيقية التي يسعى إليها كل من يهاجم الجامعة العربية·
الحضور العربي الفاعل
وبما أنه لا يوجد ما يشير أو يدلل على امكانية التوصل عبر المفاوضات مع إسرائيل إلى أي تسوية تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، فإن ما تطرحه إسرائيل هو عبارة عن أضاليل، لذا ينبغي التمسك بالمبادرة العربية، وفرض الحضور العربي عبر هذه المبادرة في المحافل والمؤسسات الدولية وهو ما من شأنه أن يفوت الفرصة للقفز عن الحقوق الفلسطينية والعربية·
وفلسطينياً فإن المطلوب اعادة بناء الرؤية الفلسطينية على قاعدة الوعي السياسي، والمصالحة الحقيقية، والديمقراطية، كروافع للنضال الوطني الفلسطيني وتوحيد الجهد الدبلوماسي نحو دفع المجتمع الدولي والشرعية الدولية للضغط على اسرائيل وحكومتها لاحترام القانون الدولي والانصياع لقرارات الشرعية الدولية بالإنسحاب الشامل عن كافة المناطق المحتلة عام ،67 وتوفير مقومات حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبناء مؤسسات دولته المستقلة وعاصمتها القدس·
ترتيب البيت الفلسطيني
لا بد من ترتيب البيت الفلسطيني وبناء وحدته الوطنية والشعبية كأداة حقيقية لقيادة الوضع الفلسطيني وصياغة خطة شاملة للإصلاح الوطني واعادة بناء كافة المؤسسات الفلسطينية على أساس ديمقراطي، ووضع رؤية استراتيجية لإدارة المعركة على الأرض مع الاحتلال العسكري الاستيطاني الصهيوني قادرة على استيعاب كافة اساليب النضال والمقاومة دون مقابلة اسلوب بأسلوب وامتلاك القدرة وفي كل لحظة لدفع هذا الأسلوب أو ذاك إلى المقدمة كناظم رئيسي تتمحور حوله كافة أساليب المقاومة·
إن بقاء القضية الفلسطينية حية غير كاف اليوم، فالحياة قد تعني في أحد تجلياتها على الأرض القضم المتدرج لثوابت ومضمون البرنامج الوطني الذي يعبر عن أبعاد القضية والمهم هنا أن تتلاءم ديمومة الحياة مع التمسك بالثوابت الوطنية الفلسطينية، وهذا يحتاج لامتلاك البرنامج الوطني المستند إلى الرؤية السياسية الواقعية الصائبة والمرتكزة على تصعيد النضال الوطني، وهذا يكمن في خطة السلام العربية الواقعية والتي تنادي بالحل والتعايش مع الدولة العبرية ·
الموقف العربي
إن الموقف العربي واضح في دعم القضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية كقضية مركزية كما صرح سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الخارجية في اجتماعات الجامعة العربية، ولا بد من اغلاق الأبواب العربية أمام التمدد السرطاني للمصالح الحيوية الصهيونية في المنطقة العربية، فالضغط العربي يمكن أن يولد ضغوطاً دولية والعكس أيضا صحيح فإذا كان الضغط العربي ضعيفاً، أو غير ملاحظ، ولا يكترث به أحد فإن الضغط الدولي سيسير في اتجاه الضغط على العرب والفلسطينيين، وستبقى أيادي إسرائيل طليقة·
لكن العجز لدى بعض المهرولين تجاه إسرائيل حقيقة تعبر عن نفسها في كل مواجهة، حتى لو لبست مواقفهم لبوس الثورجية حيناً، أو الحكمة السياسية حيناً آخر، أو الانفتاح على الآخر وفق أسلوب حضاري، وغير ذلك من الأشكال، وهذا التعبير الانبطاحي لازم القضية الفلسطينية، ويبدو أن استمرار الحديث واجترار الجمل حول هذا العجز لن يؤدي إلا إلى اعادة انتاج هذا العجز، فالتغيير يحتاج إلى مولد ونموذج باعث للحركة، وفي نموذج الصمود العربي سواء على أرض المعركة، أو في النفسية والإرادة العربية ما يمكن أن يقدم معطيات واعدة لاعادة صياغة الموقف العربي الشعبي نحو اسنتهاض الجماهير العربية في مشروع شامل لمواجهة التحديات التي يفرضها عليها التحالف الإمبريالي الصهيوني في المنطقة اليوم ·
المشروع أم الشعار
وليس كافياً أن يرفع العرب شعارات من مثل مواجهة ما سمي مشروع الشرق الأوسط الكبير، أو الجديد، بل لا بد من الإصلاح في العالم العربي·· والذي ينبغي ألا يعدو كونه إطاراً لتجميل وتعميم المشاريع الخارجية، بل لا بد من تقديم مشروع نهضوي ديمقراطي يشكل أساساً للتنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة·
إن مشروع الشرق الأوسط الجديد والشعارات حول الديمقراطية ومكافحة الإرهاب وبناء النظام السياسي الجديد، هي محاولة لإعادة صياغة النظام في منطقة الشرق الأوسط وفق ترتيب أمني سياسي اقليمي يؤمن لها السيطرة المطلقة والشاملة، ولا نعتقد أنه في حال تتحقق رؤية أصحاب مثل هذه المشاريع سيعنيهم إن كانت الأنظمة ديمقراطية أو دكتاتورية فهم يبحثون عن الديكور التجميلي وليس المضمون، وهم يحاربون أي ميل ديمقراطي شعبي حقيقي يربط بين الإصلاح والاستقلال والتنميـــــــة الحقيقية للشعوب ولاقتصــــــادها، أو يمهد لوحدة السوق العربية بما يوفر التكامل الضروري لتحقيق النقلة الاقتصادية الضرورية لبناء مشروع التنمية الحقيقي·