الاتحاد

الاقتصادي

مدن الهند تواجه شحاً في الوظائف

كان صانعو القرار وخبراء الأسواق في الهند وحتى وقت قريب، ينظرون إلى النسبة الكبيرة من الشباب الذين تزخر بهم البلاد، كثروة وطنية قادرة على الدفع بعجلة النمو الاقتصادي بانضمام نحو مليون منهم شهرياً للقوة العاملة على مدى العشرين سنة المقبلة. أما اليوم، فترتفع أصوات الاقتصاديين ورجال الأعمال محذرين من عدم استغلال الهند لهذه الفرصة ومن إمكانية نشوب اضطرابات حول البلاد، في ظل فشلها في توفير وظائف كافية للشباب الذين يقطنون المدن والهاربين من حياة الريف.
وذكرت مؤخراً وكالة كريسيل للتصنيف الائتماني، أن من المتوقع زيادة بطء توفير الوظائف بوتيرة أكبر خلال السنوات القليلة المقبلة، نتيجة لتعثر نمو الاقتصاد بوجه عام وإحجام الشركات عن التوظيف. وتشير تقديرات الوكالة، إلى أن الهند التي وفرت نحو 52 مليون وظيفة في الفترة بين 2004 إلى 2011 في قطاعات الصناعة والخدمات، لن يتجاوز ما توفره في الفترة بين الآن وحتى حلول 2019، سوى 38 مليون وظيفة، ما يضطر العديد من هم في سن العمل، لمواجهة المعاناة وعيش حياة الفقر.
وناشد الاتحاد الهندي لغرف الصناعة والتجارة، باتخاذ تدابير عاجلة تساعد على تحقيق الاقتصاد لنمو سنوي يتراوح بين 8 إلى 9%، المستوى الذي يمكن معه استيعاب المتقدمين لوظائف جديدة. وجاء في تقرير الوكالة :«في حالة فشل الهند كأمة في توفير ما يلزم من وظائف، يعتبر ذلك مخاطرة بتدمير النسيج الاجتماعي الهش بالفعل». وفي بلدان غرب وشرق القارة الغنية مثل اليابان، ساعدت الهجرة الجماعية من الريف وحياة المزارع للحصول على فرص أفضل في المدن والقطاعات الصناعية، في الهروب من حياة الفقر لحياة الرفاهية. واتسمت هذه العملية في الهند بالبطء. ووفقاً لعمليات المسح التي أجريت في 2011، يعيش نحو 31% من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم نحو 1,3 مليار نسمة في المدن أو في مناطق مدنية، من واقع 28% في 2001.
القوة العاملة
وتشكل الوظائف الصناعية نحو 12% من إجمالي القوة العاملة، ذات النسبة التي كانت عليها في 1991، قبل أن تبدأ نيودلهي في فتح اقتصادها الذي كانت تسيطر عليه الحكومة، للاستثمارات الخارجية والداخلية. ويقول مانيش سابهاروال، مؤسس شركة تيمليس للموارد البشرية :«ليس لدينا حقبة التحول من الزراعة للصناعة ولا يمكن لأي شخص أن يتخيل إمكانية تقليص مستوى الفقر في الهند، بدون انضمام المزيد من الناس للقوة العاملة في قطاع الصناعة».
ولم تعر الحكومة في الهند طوال الفترة الماضية، الاهتمام المطلوب لقطاع الصناعة ولفرص العمل التي يمكن أن يوفرها. لكن ظلت قوة القطاع محدودة، نسبة لضعف البنية التحتية التي فشلت في دعم النمو الصناعي في مجالات تتطلب كثافة القوة العاملة مثل الغزل والنسيج. كما لم تتطرق هذه الحكومة للحديث عن إصلاحات قوانين العمل، التي جعلت من المستحيل تقريباً على الشركات فصل العاملين الدائمين، ما يعيق العديد منها عن تعيين موظفين لآجال طويلة. وتتحايل العديد من هذه الشركات على القوانين، من خلال الاعتماد على عدد قليل من العاملين الدائمين تدعمهم فرق من العاملين بدوام جزئي.
وتراجع النمو في الهند بنسبة قدرها 5%، بجانب أزمة العملة التي تسببت في تدهور الروبية والتوقعات الاقتصادية.
الاندماج والاستحواذ
ومع ذلك، تصر مؤسسة جرانت ثورنتون للخدمات، أن نشاط الاندماج والاستحواذ كان أفضل مما هو متوقع.
واستثمرت الشركات الصناعية الكبيرة، بشدة في تشغيل المصانع آلياً والاعتماد على عدد قليل من العاملين لجني أرباح أكثر.
وأكدت وكالة كريسيل، تراجع عدد العاملين في قطاع الصناعة في الهند في الفترة بين 2004 إلى 2011 بنحو النصف، من العدد المطلوب لتحقيق عائدات قدرها مليون روبية.
وفي حين ارتفع العائد الصناعي في الهند في هذه الفترة بنسبة سنوية قدرها 9%، تمت إضافة نحو 6 ملايين وظيفة. وانحصرت معظم هذه الوظائف في خدمات متدنية مثل، التوصيل والمبيعات والأمن أو في قطاع البناء الذي لا يتطلب خبرات. وجاءت استجابة الحكومة لشح فرص العمل في المدن، من خلال طرح برنامج ضخم للوظائف يعد بدفع أجر 100 يوم عمل سنوياً في وظائف متدنية لواحد من أفراد كل عائلة تعيش في الريف.
وخصصت نيودلهي منذ 2006 نحو 25 مليار دولار لهذا البرنامج، إلا أن النقاد يرون أن البرنامج فاقم مشاكل سوق العمل بتشجيعه لسكان الريف بالبقاء في منازلهم، بدلاً من الحصول على الوظائف التي لا تزال متوفرة. ويعتبر حل مشكلة العمل، واحدة من بين أكثر القضايا الملحة لأي حكومة جادة في محاربة الفقر وقادرة على اتخاذ قرارات سياسية تثير الجدل.
فرص للشباب
وتتضافر جهود الاتحاد الهندي لغرف الصناعة والتجارة مع بعض منظمات الأعمال الأخرى، لإعادة تصميم برنامج الوظائف بغية إعطاء الفرصة للشباب للالتحاق بدورات التدريب المهني التي تؤهلهم للحصول على فرص العمل المتاحة في قطاعات مثل النسيج والبناء وغيرها.
وربما يكون للحكومة الجديدة أفكار مختلفة، إلا أنه من المؤكد أن الهند لن تقوى على القضاء على الفقر، في ظل هذه السياسات التي تثني الشركات عن تعيين المزيد من الموظفين، في الوقت الذي تنفق فيه المليارات من الدولارات لتشجيع المئات من ملايين القرويين على البقاء في منازلهم.

نقلاً عن «فاينانشيال تايمز»

اقرأ أيضا

المنصات الرقمية.. داعم محوري للقطاع العقاري