الاتحاد

دنيا

التنزيل على سبعة أحرف تخفيفاً على الأمة

القرآن الكريم كلام الله المعجز، المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين، بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، والمنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته· وقد ذكرت روايات أنه قد أُنزل على سبعة أحرف، فما المقصود بذلك؟
يقول الدكتور شعبان إسماعيل ـ أستاذ علوم القراءات بجامعة أم القرى، يسّر الله تعالى تلاوة كتابه، وأجاب رجاء رسوله -صلى الله عليه وسلم- في التخفيف على هذه الأمة، في ذلك، فقد روي عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- أنه قال: ''إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان عند اضاة بني غفار -مكان قريب من مكة- قال: فأتاه جبريل- عليه السلام - فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف· فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك· ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين· فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وأن أمتي لا تطيق ذلك· ثم جاءه في الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف· فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وأن أمتي لا تطيق ذلك· ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا''· وأكد الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ''ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر''·
ويضيف الدكتور شعبان إسماعيل: كان القرآن الكريم في أول الأمر ينزل بلهجة قريش، باعتبارها اللهجة السائدة في الجزيرة العربية، فوجدت القبائل الأخرى مشقة في تلاوة القرآن بغير لهجتها، فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ربه أن يخفف عن أمته ما تعانيه من هذه المشقة، فأجاب الله رجاءه، وأنزل القرآن على سبعة أحرف·
ومن الأحاديث الواردة في نزول القرآن على سبعة أحرف، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ''اقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل استزيده ويزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف''· وعن حذيفة بن اليمان، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ''لقيت جبريل عند أحجار المراد - موضع بمكة - فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتاباً قط، فقال: إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف''·
يضيف الدكتور شعبان: ومعنى الحرف هنا ما يطلق على حرف الهجاء، ويطلق أيضاً على اللهجة في اللغة، وكذلك يطلق الحرف ويراد به القراءة الواحدة من القراءات التي نزل بها القرآن الكريم·
ويؤكد الدكتور شعبان إسماعيل أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف لحكم وأسرار كثيرة وفوائد منها، التيسير والتخفيف على هذه الأمة في تلاوة كتاب ربها، حيث إن الأمة العربية التي تقرأ هذا الكتاب كانت متعددة اللهجات، فلو كلفت القراءة على حرف واحد لشق ذلك عليها· ومن الحكمة أيضاً في نزول القرآن على سبعة أحرف ربط الأمة العربية والإسلامية وقبائلها المختلفة بالقرآن الكريم من الناحية اللغوية، كما هي مرتبطة به من الناحية التشريعية، حتى تشعر كل قبيلة بأن القرآن يخاطبها بلغتها ولهجتها، كما قال تعالى: ''لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون''·
ويشير إلى أن تعدد القراءات دلالة بالغة على صدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تبليغه عن الله عز وجل، ودلالة واضحة على مكانة القرآن الكريم، وأنه برغم تعدد وجوه أدائه، ليس فيه تخالف ولا تضاد، كما قال تعالى: ''أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً''·
وأيضاً إفادة اللفظ لأكثر من معنى في وقت واحد، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في شأن المنافقين: ''في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون''، قُرأت ''يكذبون'' بالتخفيف، كما قُرأت بالتشديد، وكل قراءة تفيد معنى غير الذي تفيده القراءة الأخرى، والمعنيان متحققان في المنافقين، فقراءة التخفيف تفيد أنهم غير صادقين في أقوالهم وأفعالهم، كما أنهم يكذبون رسول الله في كل ما يبلغه عن ربه جل وعلا·
ومن الحكمة أيضاً في نزول القرآن على سبعة أحرف، أن القرآن تحدى العرب في أن يأتوا بمثله، أو بمثل أقصر سورة منه· وهذا يقتضي أن يأتي القرآن بأساليب متعددة، على غرار ما كان يجري بينهم من اختلاف الأساليب، حتى يقطع عليهم الحجة· ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في سورة الصف: ''يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون''، وقد قرئ قوله تعالى ''متم نوره'' بقراءتين وهما لغتان للعرب في إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله للتخفيف وعدم إضافته كنوع من أنواع الإعجاز البياني للدلالة على أن القرآن معجز إذا قرئ بقراءة معينة، كما أنه معجز إذا قرئ بقراءة أخرى

اقرأ أيضا