الاتحاد

دنيا

بوابة المتولي في القاهرة ملتقى الملوك والصعاليك

مئذنة المؤيد فوق بوابة المتولي

مئذنة المؤيد فوق بوابة المتولي

عُرفت هذه البوابة عند تشييدها بالسور الجنوبي للقاهرة باسم ''بوابتا زويلة'' تيمناً باسم القبيلة البربرية الكبيرة التي شكلت جزءاً من جيش الغزو الفاطمي، وكان لهذه البوابة فتحتان إحداهما للدخول والأخرى للخروج إلى أن أهمل أمر إحداهما وبقيت بوابة واحدة قيد الاستخدام· ولذا عندما تصدع السور الفاطمي الأول وكان مشيداً بالطوب ''الآجر'' وقام الوزير الفاطمي الأشهر بدر الدين الجمالي الأرمني بإعادة تشييد السور وبواباته فيما بين عامي ''480 - 485 هـ'' اكتفى ببناء بوابة واحدة توسطت السور الجنوبي للقاهرة·
وإذا كانت بوابات السور الشمالي للمدينة قد ارتبطت خلال العصر الفاطمي بحركة الجيوش، تخرج للغزو من باب الفتوح وتعود أدراجها من باب النصر، فإن باب زويلة كان وثيق الصلة بحقيقة وضع القاهرة في عمران العاصمة المصرية آنذاك· فلم تكن مدينة المعز لدين الله سوى ضاحية ملكية يسكنها الخليفة وحاشيته ورجال إدارته وقادة الجيوش، فيما كانت الفسطاط ''مصر القديمة'' هي العاصمة الفعلية لمصر، بها يقيم عامة الناس، وخاصتهم أيضاً، ويحتاج هؤلاء إلى حمل تصاريح تبيح لهم الدخول إلى القاهرة لأداء الأعمال اليومية، شريطة أن يغادروا مقر البلاط الفاطمي عند مغيب الشمس· فكان الموظفون والتجار والباعة وأرباب الحرف يفدون من الفسطاط الواقعة إلى جنوب القاهرة مباشرة إلى ''باب زويلة'' منذ ظهور الخيوط الأولى للنهار فيبرزون أوراقهم لحراس البوابة قبل أن يسمحوا لهم بالدخول·
وظلت بوابة زويلة تمثل السبيل المباشر لعامة المصريين لدخول العاصمة إلى أن تعرضت البلاد لمجاعة استمرت سبع سنوات خلال عهد الخليفة المستنصر بالله وأدت إلى وفاة أعداد كبيرة من المصريين وخراب الدور والمتاجر، الأمر الذي دفع الوزير بدر الجمالي إلى أن يبيح لعامة المصريين تعمير دور القاهرة والإقامة بها، وهكذا تحولت القاهرة قبيل نهاية القرن الخامس الهجري إلى مدينة مفتوحة بعد أن كانت ضاحية ملكية للفسطاط مثلما هي حال وندسور بالنسبة للندن وفرساي في باريس·
ومنذ ذلك الوقت فقد باب زويلة مكانته الاستراتيجية في حياة سكان العاصمة وصار مجرد ''باب'' يغلق في المساء خشية أن يطرق المدنية طارق على حين غفلة من أهلها، شأنه في ذلك شأن بقية أبواب القاهرة·
وسرعان ما غرق الباب في طوفان النمو العمراني للقاهرة خلال العصر المملوكي فمنه امتدت قصبة القاهرة، أي شارعها الرئيسي الواصل بين باب الفتوح في الشمال وباب زويلة في الجنوب، ليصبح امتدادها خارج السور ''الشارع الأعظم''، وهو الذي كان يمتد إلى الأحياء الجديدة والتجارية التي نشأت بين الفسطاط والقاهرة وأشهرها قصبة رضوان والسروجية والخيامين ثم بركة الفيل وفيما بعد الحلمية والسيدة زينب وحي طولون·
وعاد باب زويلة إلى قلب الذاكرة الشعبية للمصريين ليبقى الأكثر شهرة بين بوابات القاهرة· ففي وقت ما اتخذ متولي الشرطة في عصر المماليك مقره داخل باب زويلة ومن ثم عرفت البوابة لدى عامة الناس باسم بوابة المتولي· ولم يغير الحكم العثماني من هذا الأمر شيئاً إذ اتخذ المسؤول عن أمن العاصمة مقره في المكان نفسه·
ونظراً لقرب مقر المتولي من البوابة، فقد صار عقدها المكان المفضل لتنفيذ أحكام الإعدام في أرباب الجرائم· ومن المعروف أن المماليك كانوا ينفذون أحكام الإعدام بحق العسكريين بواسطة السيف إذ يقطع المملوك المعاقب من فوق الخصر مباشرة فيما يعرف بالتوسيط، أما المدنيون فكان يجري إعدامهم شنقاً وتعليق أجسادهم بأعلى عقد بوابة المتولي ليوم أو يومين ردعاً لمن تسول له نفسه ارتكاب جرائم مماثلة· ومن أشهر الشخصيات التي أعدمت شنقاً ببوابة المتولي السلطان طومان باي، آخر سلاطين المماليك بمصر، وقد أقدم السلطان العثماني سليم الأول بعد نجاحه في القضاء على التمرد الذي قاده طومان باي لمدة ستة أشهر ضد الحكم العثماني على إعدام خصمه بالشنق إذلالاً له إذ ساوى بينه وبين السوقةَ من أرباب الجرائم وأمر بتعليق جثته ليقطع الطريق على أي محاولة للتمرد على العثمانيين وأرغم جند العثمانيين أهل القاهرة على الاحتشاد عند بوابة المتولي ليشهدوا إعدام طومان باي الذي أبدى جلداً شديداً وهو يرفض طلب الرحمة والعفو من السلطان سليم فبكاه الناس بحرقة وهو يشنق في حبل تدلى من أعلى البوابة·
ومن الطريف أن متولي الشرطة كان يرفض تعليق جثامين النساء اللاتي يحكم بإعدامهن مكتفياً بتعليق المرأة التي يتم تنفيذ حكم الإعدام بها في شباك أحد الاسبلة الواقعة داخل باب زويلة في مواجهة جامع المؤيد شيخ· فقد أقدمت ذات مرة حارسة حمام للنساء على سرقة بعض الملابس الداخلية لزوجة أمير تركي، وكانت مزدانة بالأحجار الكريمة فأمر متولي الشرطة بشنقها وتعليق جثتها على شباك السبيل الحديدي·
ولا جدال في أن قرب البوابة من مقر متولي الشرطة كان من العوامل التي دفعت إلى اتخاذه وجواره موضعاً لإشهار أحكام الإعدام، فضلاً عن أن أسواق القاهرة التجارية الأكثر ازدحاماً وأهمية كانت تقع بالقرب من باب زويلة· فهناك أولاً سوق الغورية الشهيرة والذي كان يعرف بسوق الحريريين، وهو من أهم الأسواق التي تباع فيها المنسوجات المصرية والواردة من بلاد الشرق وأيضاً السجاجيد الإيرانية والتركية ولذا كان على الدوام يغص بحركة الشراء حتى أن السلطان الغوري لجأ إلى تشييد حوانيت بالقرب من مدرسته التي شيدها هناك وأوقف ريعها على تمويل أنشطة المدرسة، كما قام ببناء وكالة تجارية أيضاً ''وكالة الغوري'' لاستيعاب تجار الأقمشة وخلال العصر العثماني احتل ''العقادون'' بحوانيتهم جزءاً معتبراً من الغورية حتى صار جزءاً من قصبة القاهرة يعرف إلى اليوم باسم العقادين·
ونظراً لقرب منطقة بوابة المتولي من الأحياء الجديدة وبعدها في الوقت ذاته عن قلب القاهرة الفاطمية فقد كانت مكاناً مفضلاً لبعض الأنشطة التي تترك وراءها روائح أو مخلفات فتركزت بها أسواق الهرايسيين والشواين، وكلاهما يشمل أنشطة صناعة اللحوم أو أطعمتها مثل ''الكباب'' أي اللحم المشوي و''الهريسة'' وهي تعنى في مصطلح القاهرة المملوكية اللحم المفروم المطبوخ بكميات كبيرة من الفلفل الأحمر والبهارات·
وثمة اعتقاد كبير لدى المعنيين بتاريخ عمران القاهرة أن ذلك التركيز جاء استمراراً لحال هذا الحي خلال العصر الفاطمي· فنظراً للقرب من أسوار القاهرة والبعد التام عن مقر قصر الخلافة في شمال القاهرة، أنشئت دار الكباش على بعد مئة متر ونيف من باب زويلة وكانت تربى بها احتياجات القصر من حيوانات الذبح وأيضاً تجهز الذبائح بها -مكانها الآن جامع الفاكهاني- كما أفردت حارة زويلة القريبة من السور لإقامة اليهود في بداية العصر الفاطمي، حيث اعتاد هؤلاء تربية حيواناتهم وذبحها بأنفسهم داخل احيائهم وفقاً لشريعتهم، ومن ثم أراد الفاطميون ان يبعدوا هذه الأنشطة الملوثة للبيئة إلى هذا المكان القصي من الحاضرة الملكية·
أما الجزء الأخير من قصبة القاهرة والملاصق مباشرة لبوابة المتولي فقد كثرت به خلال العصر المملوكي مطابخ السكر ولذا عرف هذا الحي وإلى اليوم باسم ''السكرية'' وبه تسمى الجزء الأخير من ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة وكان السكريون يصنعون الحلوى على هيئة الحيوانات والطيور ويصبغونها بالألوان الطبيعية الزاهية ويعلقونها بالخيوط على أبواب حواينتهم لجذب الأطفال·
بيد أن أهم ما أكسب بوابة المتولي شهرتها الحالية لدى زوار القاهرة كان إقدام السلطان المملوكي المؤيد شيخ في بداية القرن التاسع الهجري على تشييد مئذنتي مسجده فوق برجي بوابة المتولي ونظراً لمتانة البناء الحجري المهيب لبرجي البوابة فقد شاء المهندس المعماري للمسجد ان يفيد من ارتفاعهما ليحملا المئذنتين إلى ذروة لم يقدر لمئذنة في قلب القاهرة التاريخية ان تبلغها· ولا عجب ان تختار محافظة القاهرة صورة البرجين والمئذنتين لتكون شعارها فهما بحق من أهم المعالم الفريدة التي تتميز بها القاهرة عن سواها من مدن العالم·
حملت بوابة المتولي عناوين تاريخية عدة في صفحات تاريخ القاهرة مثلما احتملت جثامين المشنوقين بأعلى قوس البوابة وما زالت تحمل بكل الصبر الثقل الحجري الهائل لمئذنتي جامع المؤيد شيخ

اقرأ أيضا