صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

عمليات تهريب النفط في الصين تلهب الأسعار العالمية

إعداد - محمد عبد الرحيم:

لكي تدرك ذلك الكم الهائل من الضيق والامتعاض الذي تسببه الصين لجموع المحللين والأسواق في سعيها لتحديد مستوى الطلب الصيني بالضبط، فمن المفيد أن تعلم أن الصين لديها نوعان من البترول أحدهما ''أحمر'' والآخر ''أبيض''، وهما من الأسماء التي درج على إطلاقها على المنتجات النفطية غير المشروعة أو تلك غير المسجلة ويتم تهريبها إلى داخل أو خارج الدولة في كل يوم· ويعتقد المحللون والمتعاملون أن هذه الكمية لا تمثل إلا جزءاً هامشياً من الاستهلاك الصيني الهائل للنفط، إلا أن هذه المبيعات غير القانونية مع اقترانها بغياب البيانات الخاصة بمستويات المخزون النفطي في البلاد والذي تعتبره الحكومة الصينية أحد أسرارها الثمينة فقد ظل المحللون يفتقدون صورة كاملة الوضوح عن إجمالي استخدامات النفط في الصين·
وكما ورد في صحيفة ''وول ستريت جورنال'' فإن هذه المسألة أخذت تلقي بآثار واضحة على أسعار النفط العالمية، ففي عام 2004 أدى ارتفاع مفاجئ في الطلب الصيني إلى إحداث اضطراب في الأسواق قبل أن يتمخض عن قفزات في أسعار النفط في أحد المنعطفات التي نجمت عن ارتفاع مستمر لمدة ثلاث سنوات في أسعار النفط بدعم من تنامي الطلب العالمي والمعوقات التي صاحبت تدفق الإمدادات، بالإضافة إلى حالة الغموض السياسي التي اكتنفت العديد من المناطق المنتجة للنفط· وكانت وكالة الطاقة الدولية التي تشرف على مراقبة أسواق النفط بالإنابة عن الدول الصناعية الكبرى في العالم قد وجهت انتقادات شرسة للصين في الشهر الماضي تتهمها فيها بعدم الشفافية والتوافقية لبياناتها النفطية وما ترتب على ذلك من آثار سالبة على التنبؤات بشأن النفط· وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب الصيني على النفط ارتفع بمعدل 5,8 في المائة في العام الماضي إلى حوالي 7 ملايين برميل من النفط والمنتجات المكررة في اليوم، إلا أنه لا أحد يعلم بالضبط حجم كميات الديزل والجازولين غير المشروعة التي تم إرسالها الى داخل أو خارج الصين مستفيدة من ميزة الفرق الناجم عن الضوابط السعرية الحكومية والسياسات الضرائبية، لكنّ مراقبي الصناعة يعتقدون أنها كمية لا تمثل سوى كسر من إجمالي الاستهلاك الصيني·
بيد أن مثل هذه الفروقات الهامشية يمكن أن تدلي بتأثيرات قوية خاصة في وقت يشتد فيه السباق وتقترب فيه المسافة بين الطلب والعرض، إذ يقول يان كيفينج مدير إدارة الطاقة الصينية في مكتب كامبريدج للبحوث في الطاقة ''إن الحجم ليس هو المهم في حقيقة الأمر، وفي بعض الأحيان فإن أي حجم صغير يمكن أن يتسبب في تأثيرات قوية على الطلب والعرض المحلي''، وإلى ذلك فإن ما يعرف بـ''النفط الأحمر'' يقصد به الجازولين الذي يتوافر بشكل رسمي وقانوني في هونج كونج للصناعات المحلية وشركات الشحن البحري ويبدو أنه اصطبغ بهذا اللون مجازاً لما يتسم به من قلة الضريبة، وهذا النفط الأحمر ينتشر استخدامه أيضاً عبر الحدود في جنوب الصين من قبل أصحاب السيارات وسائقي الشاحنات والمزارعين وصيادي الأسماك على الرغم من أن بعض مراقبي الصناعة أشاروا إلى أن هذا النشاط قد شهد نوعاً من الهدوء مؤخراً بسبب انخفاض الأسعار التي حددتها الحكومة في السابق·
وذكرت حكومة هونج كونج أنها تمكنت من مصادرة 460 ألف لتر من النفط الأحمر في العام الماضي في 14 مناسبة ضمن جهودها الرامية لمكافحة التهريب· وفي الفترة من الأول من يناير وحتى 12 فبراير من هذا العام تمكنت السلطات من مصادرة 270 ألف لتر من النفط الأحمر في أربع مداهمات·
كما ذكرت إدارة الجمارك في هونج كونج أنها تعمل بتنسيق مع المسؤولين في الجمارك في الوطن الأم ويستخدمون أجهزة ''الرادار'' من أجل اكتشاف مراكب صيد الأسماك المتورطة في عمليات التهريب·
أما ما اصطلح على تسميته محلياً بـ''النفط الأبيض'' فهو في أغلب الأحيان الجازولين والديزل العادي الذي يتم تصديره بصورة غير مشروعة من الصين أو يتم تهريبه إلى الداخل من هونج كونج أو تايوان أو فيتنام من أجل تعويض النقص في الوطن الأم· إلا أن تدفقات النفط المهرب درجت على تغيير اتجاهها وفقاً لأسعار الوقود ومستويات الضريبة المفروضة في الوطن الأم في المناطق المجاورة وحالياً فإن بإمكان عصابات التهريب استدرار الأرباح عبر تهريب الجازولين والديزل من وإلى خارج الصين على حد سواء· وكما يقول لورانس ايجلز رئيس ادارة الأسواق والصناعة النفطية في وكالة الطاقة الدولية: ''كلما كان الفرق كبيراً بين أسعار التجزئة وأسعار السوق العالمية كلما ازداد نشاط التهريب''، وإلى ذلك فإن نظام تسعير النفط الصيني نفسه يمكن أن يؤدي إلى حدوث النقص المحلي وفي بعض الأحيان إلى ترشيد استهلاك وقود النقل بحيث يمثل حافزاً ثانياً لممارسة أعمال التهريب· ويذكر أن أسعار المنتجات النفطية المكررة وأسعار التجزئة يتم تحديدها بواسطة الحكومة، بينما يتم تسعير المبيعات بالجملة إلى الموزعين·
وتسيطر على أسعار المبيعات بالجملة إلى الموزعين أكبر شركتين للنفط في الدولة وهما مؤسسة تشاينا بتروكيميكال أو مجموعة سينوبيك ومؤسسة الصين الوطنية للترول· وعندما ترتفع أسعار النفط العالمية فعادة ما تعمد هاتان الشركتان إلى رفع أسعار الجملة إلى ما فوق أسعار التجزئة المحددة من قبل الحكومة حتى تتجنب حدوث أي خسائر· وهو الأمر الذي يجعل السلعة غير اقتصادية لمشغلي محطات التعبئة في القطاع الخاص، بل إن هذه الشركات تلجأ في بعض الأحيان إلى بيع الجازولين إلى الزبائن الشرعيين المستعدين لرفع أسعار أكبر في مناطق الاوفشور·
وبالإضافة إلى النقص الذي تعاني منه مناطق الصين الجنوبية فهنالك أعداد هائلة من السائقين الذين يعبرون الحدود من هونج كونج لتعبئة سياراتهم بالجازولين أو الديزل الأرخص ثمناً نسبياً· وكذلك فإن الدعم الذي توفره الدول الأخرى المجاورة استمر يلقي بتأثيراته على التدفقات· فمن الناحية الرسمية اعتادت الصين على تصدير كميات كبيرة من الجازولين إلى فيتنام التي تفتقد بالكامل إلى مصافي التكرير، لذا فطالما يتم بيعه محلياً بأسعار مدعومة فإن المهربين اكتشفوا أن من الأوفر لهم تهريبه وإرساله إلى الصين مرة أخرى· وقبل العام 2004 كانت أسعار التجزئة المحلية للمنتجات النفطية في الصين أعلى بكثير من الأسعار العالمية مما أدى إلى تدفق هائل للنفط غير المشروع إلى داخل الصين، كما لاحظ كيو اكسيا اوفنج المحلل في مكتب ايفر برايت للسندات والأوراق المالية في الصين· أما الآن فقد شهدت الأسعار انخفاضاً ملحوظاً بشكل أدى إلى تقليل الحافز في أوساط العديد من المهربين· ومضى يقول: ''إن السلطات الصينية تفعل ما في وسعها دون تحقيق النجاح المنشود من أجل مكافحة التهريب، ولكن العقوبات المفروضة على صغار المهربين ما زالت غير رادعة بشكل كاف''·