صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

العرب والدعم الأميركي·· والحريات الأربع




خالد عمر بن ققه:

كل المعطيات تشير إلى أن الدور الأميركي في حياة العرب لا مناص منه ولا خلاص، ولم الخلاص مادامت الولايات المتحدة الأميركية تؤثر سلبا - في الغالب ـ وإيجابا أحيانا في مصير دول العالم؟··غير أننا ونحن نعترف بذلك ونتعرّف على موقعنا في خريطة التفاعلات الدولية لجهة التأثير في صناعة القرارات واتخاذ المواقف، بين العلاقات على أسس معروفة وبين القدر نقف حيارى، لأنه بتعبير الفلاسفة، نحن مخيّرون في علاقتنا مع أميركا ولكننا أيضا مسيّرون، لكونها تتحكّم راهنا في معظم قضايانا من فلسطين إلى العراق ومن الصومال إلى السودان، وما بين الطرفين من دول أخرى ذات مساحات شاسعة وأنظمة حكم مختلفة، حيث لم يعد هناك من يقول لها: ''عليك التوقف لحظة·· إننا نغرق وستغرقين معنا لا محالة''
يأتي هذا القول في الوقت الذي نقطع المسافات ذهابا وإيابا من أجل إسماع صوتنا لصنّاع القرار في الإدارة الأميركية، وتأتي هذه الأخيرة بالقوة العسكرية لكي تعلن عن الفعل وتترك لنا تحليله، شرط أن يتم ذلك بتجاوب يفضي إلى تبني موقفها والدفاع عنه، فمثلا حين احتلت العراق باركنا هذا وحين أمرت بتجويع الشعب الفلسطيني أيدنا ذلك، وعندما ساندت إسرائيل في حربها ضد لبنان بررّنا لها فعلها الإجرامي وكذلك الحال في دعمها للقوات الإثيوبية في حربها الأخيرة في الصومال، وما يواجهه السودان هذه الأيام ليس ببعيد·
زمن التراجع
قد يتجاهل البعض تدخل أميركا في قضايانا المصيرية الحالية بما في ذلك الوضع في العراق، غير أن تجاهل المسألة الفلسطينية ليس صعبا فقط، ولكنه مستحيل لثلاثة أسباب:
أولها: أن فلسطين يختلط فيها الديني بالعرقي، فمن ناحية أولى هي فضاء إسلامي واسع يشترك فيه المسلمون جميعا، بل ويشترك فيه أهل الديانات السماوية الأخرى من مسيحيين ويهود، فحين نود تجاهل أو نسيان فلسطين يظهر على السطح مرة أخرى البعد الديني جليا، ويحدث التحالف بين النصارى والمسلمين من أجل فلسطين عامة والقدس خاصة، تماما مثلما حدث تحالف بين المسلمين واليهود أيام محاكم التفتيش في الأندلس سابقا، إسبانيا حاليا، ومن ناحية ثانية فإن فلسطين أرض عربية منذ آلاف السنين، بدليل الصراع الذي دار هناك بين العبرانيين واليهود سواء على مستوى الصراع الإيماني بين الوثنية والتوحيد، أو على مستوى التحكم في مصادر الثروة، أو حتى مستوى الإنتاج المدني في ذلك الوقت، ولا يغير احتلال اليهود لها في الوقت الراهن من حقائق التاريخ، التي ستطاردنا حتى لو حاولنا الفرار منها، ثم أن تشبث الفسطنيين بها وتقديم التضحيات كل يوم دليل على هذا، ولو واجه اليهود ما يتعرض له الفلسطينيون على أيديهم لولوا الأدبار، وهناك شواهد من التاريخ تؤكد على ذلك ، لهذا لا يمكن للعرب متفرقين أو مجتمعين سحب أنفسهم من القضية الفلسطينية، بدليل أنه حين حاولت الأنظمة الانسحاب من القضية تبنّتها الجماعات المتطرفة، وأوجدت نوعا من الفوضى في العلاقات الدولية·
ثانيها: في زمن التراجع العربي لجهة غياب قضايا تمثل إجماعا عربيا، تغدو القضية الفلسطينية هي فضاء اللقاء حتى لو كان عابرا، على ما في ذلك من محاولات رسمية لتطويعها للأجندة الوطنية لكل قطر عربي من جهة، والوفاء بالتزامات أمام المجموعات الدولية من جهة ثانية، وهذا يعني أن العرب هم الذين في حاجة إلى الفلسطينيين وليس العكس، وعدم قبول الفلسطينيين بالتسوية يجعل دولا كثيرة تتقهقر عن مواقعها الراهنة، بل أنها تتحول إلى بديل من ناحية الضغط، لهذا يمكن النظر إلى الضغوط العربية على أهل فلسطين سواء لجهة تشكيل الدولة أو عودة اللاجئين من هذا المنظور، أي من زاوية المصالح، وأيضا باعتبارها تعويضا عن غياب وحدة عربية حول مصير مشترك يحقق الحدود الدنيا من المطالب المشروعة·
ثالثها: لم يتم الجهر عربيا وعلى المستوى الرسمي تحديدا أن الفلسطينيين من خلال قضيتهم يشكّلون عبئا ومساءلة للعرب والمسلمين، حيث لا يكمن لأحد أن يتهمهم بالتخلي عن قضيتهم، رغم أن بعض الأدبيات السياسية العربية تشير إلى أن بعضا منهم باعوا أرضهم لليهود وهذا ليس عيبا مثلما باع بعض الجزائريين أو المغاربة أو التوانسة للفرنسيين أو الليبيين للإيطاليين أو للمصرين للإنجليز والسوريين للفرنسيين، كل ذلك تم في العهود الاستعمارية للمنطقة العربية، وكان الدافع وراء ذلك الحاجة، ثم لماذا نذهب بعيدا فهنالك بعض العرب اليوم يبيعون للأجانب أراضيهم، فهل هذا يعني أنهم تخلوا عن أوطانهم؟، مع اعترافنا أنه في الحالة الفلسطينية الوضع مختلف تماما، ناهيك على أن الفسطنيين ومن أيام ''عزالدين القسام'' إلى غاية ''ياسر عرفات''، لم يراهنوا على تحرير العرب لبلادهم، وكل ما كانوا يطالبون به ولا يزالون هو الدعم، وهم بذلك ينوبون عن المسلمين الذي تخلوا عن دورهم ورسالتهم، لكن المطالبة بالعون ارتبطت بأزمنة الحكم العربية، ففي مرحلة أجبروا على تبني أيديولوجيات بعينها واتخاذ مواقف غير مقتنعين بها، وفي مرحلة أخرى طلب منهم التخلي عن المقاومة مقابل أكياس الدقيق وعلب السمن، وفي مرحلة ثالثة أجبروا على القبول بالحل العربي، المتمثل في الاعتراف بإسرائيل على مستوى الوجدان، ومع هذا كله ورغم الحصار والتجويع ظلت فئة منهم مرابطة وستبقى كذلك إلى يوم الدين·
إرث جديد
للأسباب الثلاثة السابقة لا يمكن لنا تجاهل القضية الفلسطينية، حتى لو حاولنا، ويبدو أن الوعي السياسي العربي قد بلغ الذروة مؤخرا في المطالبة بإقامة دولة فلسطينية '' الأسبوع الماضي في جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، وقد اعتبر الإعلام الأردني ذلك الخطاب تاريخيا، في حين لم يركز عليه الإعلام العربي كثيرا، مع أنه حمل من الحقائق والمعلومات والمواقف ما يدعونا إلى إعادة قراءته لمعرفة مستقبل علاقتنا بأميركا·
لقد كشف العاهل الأردني عن سبب حديثه أمام المجلسين ليس لتبرير ما يفعل، إنما ليؤسس لقناعاتة واستنتاجاته حين قال: ''·· لقد تعلمت في المدة التي قضيتها على مقاعد الدراسة في ولاية ماساشوسيتس شيئا عن نيوانجلند، حيث لم يكن هناك قانون ضد الكلام·· ولكن القاعدة السائدة هي ألا تتكلم إلا إذا كان كلامك أفضل من الصمت، واليوم ،علي أن أتكلم، فلا أستطيع الصمت''·· لكن ما علاقة كل هذا بالقضية الفلسطينية؟
لخطاب الملك الأردني في الكونجرس علاقة مباشرة بموضوعنا فقد أعاد التأكيد على القضية الفلسطينية وتذكير الأميركيين بدورهم في التأثير على اللحظة التاريخية الراهنة من خلال ما يعرف بالحريات الأربع، فالنسبة للأولى فقد قال ''··لا نستطيع إنكار أن زماننا يواجه قضايا حاسمة، وأنا أعلم أن هناك قلقا عاما كبيرا هنا بالنزاع في العراق، وكذلك هو الحال في منطقتنا، وعلى المجتمع الدولي بمجمله أن يتخذ قرارات أساسية رئيسية حول مسار التقدم إلى الأمام وكيفية ضمان أمن العراق ووحدته ومستقبله، ولكن يجب ألا تغيب هنا رؤية حقيقة مفادها أن مصدر الانقسام الإقليمي ومصدر الحقد والإحباط أبعد من ذلك، فأصل المشكلة هو أنكار العدالة والسلام في فلسطين''
وبالنسبة للملك عبد الله الثاني فالأمر لا يتعلق بإقرار الواقع وإنما بتجاوزه على أساس المشكلة، قد جاء ذلك جليا في قوله '' سبعون عاما مرّت على الحرمان الفلسطيني، وأربعون عاما تحت الاحتلال وعملية السلام تراوح مكانها، وهذا الأمر بمجمله ترك إرثا مرا من خيبة الأمل واليأس لدى جميع الأطراف، وقد حان الوقت لإيجاد إرث جديد مختلف، إرث يبدأ من الآن ويدخل نغمة إيجابية في العلاقة الأميركيةـ الشرق أوسطية، إرث يعيد بسمة الأمل إلى الناس في منطقتنا وإلى الناس في بلادكم وإلى الناس في هذا العالم، وليس هناك ما يمكنه تحقيق ذلك بفاعلية أكثر، وليس هناك ما يمكنه تأكيد رؤية أميركا الأخلاقية بصورة أوضح، وليس هناك ما يمكنه أن يتواصل مع شباب العالم ويعلمهم بشكل مباشر، أكثر من قيادتكم عملية السلام تحقق نتائج لا العام القادم ولا الأعوام الخمسة القادمة، ولكن هذا العام''·
للفعل في هذه اللحظة التاريخية وتأثير أميركا في الوطن العربي، عليها العودة إلى ميراثها السياسي، انطلاقا من أن ذلك يمثل مرجعية يمكن التعويل عليها، وهذا بالعودة إلى مقولات الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت حيت تعهّد بالدعم الأميركي للحريات الأربع: الحرية من الخوف··والحرية من الحاجة·· وحرية التعبير·· وحرية الدين في كل مكان في العالم·
قد يكون التذكير بتعهدات الرئيس روزفلت مهما في هذه اللحظة الحرجة، لكن الإدراة الأميركية الحالية تفهم أسس السياسة الخارجية وحتى العسكرية على نحو آخر، وتفسر مبادئ روزفلت بطريقتها الخاصة، لذلك علينا إعادة النظر في الدعم الذي نطلبه منها، والبداية من القضية الفلسطينية، فهي لن تتراجع عن مواقفها، إلا إذا تراجع العرب عن مواقفهم الراهنة التي ستنتهي إلى العدم، وسيظل الحال كما هو عليه حتى تتغيّر الأولويات وتتحدد مسارات الأفعال السياسية وتتضح المواقف لجهة الإجابة صراحة عن السؤال التالي: هل نحن في علاقتنا بأميركا مسيّرون أم مخيّرون؟