الاقتصادي

الاتحاد

الزجاج الأميركي يستغيث بـ«الحمائية» من أجل البقاء

عمليات بناء المركز التجاري العالمي الجديد في نيويورك، والذي سيكسوه الزجاج الصيني

عمليات بناء المركز التجاري العالمي الجديد في نيويورك، والذي سيكسوه الزجاج الصيني

على أنقاض مركز التجارة العالمي الأميركي يجري العمل على قدم وساق لبناء برج مكاتب شاهق، وهذا البرج يشهد على تراجع قطاع صناعي في الولايات المتحدة فالزجاج الصيني سيغلف طوابق البرج الجديد السفلي.
وكانت صناعة الزجاج الأميركية بدأت تتراجع تدريجياً في تسعينيات القرن الماضي وتفاقم تراجعها خلال الأزمة الراهنة، والأسوأ أن شركات كبرى أميركية مثل “كورنينج” و”جارديان اندستريز” تقول إنه حتى لو تعافى الاقتصاد فمن غير المرجح أن تزيد هذه الشركات فرص العمل والإنتاج إلى مستويات ما قبل الأزمة. فالواردات من جانب تقلص المبيعات، ومن جانب آخر تتركز مكاسب أنشطة صناعة الزجاج الأميركي في خارج الولايات المتحدة بحيث راحت شركات الزجاج توجه استثماراتها وتوسعاتها إلى مصانعها خارج أميركا.
ومع ارتفاع معدل البطالة في أميركا إلى 10%، فإن مساعي تقليص تسريح العمال تلقى ترحيباً كبيراً، ولذلك إن ظلت البطالة على تلك المستويات المرتفعة يضغط البعض على إدارة الرئيس الأميركي أوباما لكي يوفر الحمائية لعمال الزجاج الأميركيين من خلال زيادة الرسوم الجمركية على الزجاج المستورد وخصوصاً من الصين مثلما هو حال صناعتي الصلب والإطارات.
وهذه الخطوة أو ما يشابهها تلقى تأييد رابطة عمال الصلب وعدد من صغار المصنعين الذين يشغلون أكثر من 300 مصنع في الولايات المتحدة، وهم يقولون إن صناعة الزجاج الصينية تنافس في السوق الأميركية لا لسبب إلا أنها حصلت على مخصصات ضخمة من الدعم خلال السنوات القليلة الماضية من الحكومة الصينية وبالطبع فإن الدعم يعوض ضمن ما يعوضه ارتفاع تكاليف شحن الزجاج الثقيل مثل زجاج السيارات الأمامي عبر المحيط الباسيفيكي.
ويقول تيم تيرتل رئيس قسم صناعة الزجاج في رابطة عمال الصلب الأميركية “إننا بالقطع نريد فرض جمارك على بعض الزجاج القادم من الصين”، يذكر أن نسبة التوظيف في صناعة الزجاج هبطت 30 في المئة خلال السنوات التسع الماضية إلى أقل من 95000 عامل منهم 15000 من أعضاء الرابطة. ولا تؤيد الإدارة الأميركية مبدأ الحمائية عموماً، وكذلك فإن رابطة عمال الصلب الأميركية تؤيد التجارة الحرة، ولكنها تؤكد أنه فيما يخص الإطارات وأنابيب الصلب والآن الزجاج فإن دعم الحكومة الصينية لها يقوض قوى السوق التي تعتمد عليها التجارة الحرة.
والعديد من خبراء الاقتصاد والتجارة يؤيدون مبدأ التجارة الحرة ويدافعون عنه بقولهم إنه في اقتصاد عالمي حد من الحواجز الجمركية وحزم الدعم ستركز كل دولة إن لم يكن بشكل مباشر ففي الأجل الطويل على البضائع والخدمات التي تتميز في إنتاجها وتقايضها بما تتميز به دول أخرى في إنتاجه الأمر الذي يضاعف الحصيلة والمردود على مستوى العالم.
أما السناتور شيرود براون وعضو الحزب الديمقراطي في أوهايو، التي لا تزال من كبرى الولايات المصنعة للزجاج، فإن له وجهة نظر أخرى. نظراً للرمزية العظمى التي يحملها برج مركز التجارة العالمي فهو يعتبر أن إرساء عقود الزجاج على من يتقدم بأدنى الأسعار وهو ما فعلته هيئة ميناء نيويورك ونيوجيرسي العام الماضي بمثابة صدمة للعزة الوطنية. يذكر أن شركة “بكين جلاس” فازت بمناقصة توريد الزجاج المعتم المقاوم للصدمات للطوابق العشرين الأولى للبرج الجديد الجاري بناؤه الآن في موقع مركز التجارة العالمي السابق.
ورغم سعي رابطة عمال الصلب والعديد من الشركات الصغرى إلى الاستفادة من قانون الحمائية إلا أن الغريب في الأمر أن كبرى شركات تصنيع الزجاج الأميركية لا تؤيد ذلك، إذ أن بعض كبرى الشركات هذه التي لديها مصانع في الصين تستفيد من حزم الصينية، وكذلك من الاقتصادات الضخمة التي يتيحها العمل في الصين، وهو ما يسهل الوصول إلى سوق سريعة النمو في الصين من جهة وتحقيق صادرات ذات سعر تنافسي إلى الولايات المتحدة من جهة أخرى.
وفي مناقصة المركز التجاري فازت شركة جارديان بعرض توريد الزجاج المتداخل الطبقات للطوابق الخمسة والثمانين العليا. وستصنع هذا الزجاج قريباً في مصنع لها في كارلتون ميشجان. وهذا الزجاج لم يأت من أميركا، ولكن من مصانع جارديان في ألمانيا ولوكسمبرج، وللشركة حالياً 36 مصنعاً في خارج أميركا يعمل فيها 9000 فرد بزيادة من 6500 فرد عام 2005 ما يتجاوز للمرة الأولى عدد موظفي جارديان في الولايات المتحدة، في ذلك يقول مدير الشركة: “نحو ثلاثة أرباع مبيعاتنا تجري خارج الولايات المتحدة، وهذا دأب على الزيادة باطراد منذ عام 1981 حين كنا مورداً محلياً”. ومثله مثل العديد من مصانع الزجاج في الولايات المتحدة التي نجت من الأزمة، يعمل مصنع جارديان في كارلتون بأقل من 85 في المئة من سعته الانتاجية، وقل عدد عامليه إلى 410 عاملين من 520 عاملا قبل يناير 2008.
ويقول مدير المصنع إن القوة العاملة لن تعود إلى سابق عهدها، وهو ما يعزي جزئياً إلى الامكانات الجديدة، ولكن أيضاً بسبب أن الزجاج المستورد إلى أميركا يشكل نحو 24 في المئة من الاستهلاك المحلي بزيادة من 21 في المئة من أربع سنوات، ومن غير المرجح أن يزيد أكبر عملاء صناعة الزجاج (صناعة السيارات وصناعة المباني) الانتاج إلى المستويات التي تحققت خلال فقاعة المباني السكنية وقبل أزمة الائتمان. ومع ذلك لا تزال هناك بعض مكامن القوة لصناعة الزجاج الأميركية، فزجاجات المشروبات تصنع في أميركا في مصانع آلية، ومن مصنعين في أوهايو فالي يعملان 24 ساعة كل يوم تصنع شركة أنكور هوكينج صحون الخبيز وأكواب الشرب والعلب الزجاجية والشمعدانات وغطاءات العدادات التي تعول على خدمة العملاء مثل التسليم الدقيق في الميعاد المحدد إلى وول مارت من أجل محاربة استيراد الزجاج. ولكن في أماكن أخرى من أوهايو فالي أغلقت عشرات الشركات التي كانت فيما مضى تصنع الزجاج لصناعة الأثاث التي تركت أميركا حالياً وتوجهت إلى الخارج وأخذت معها الزجاج الذي يصنع منه المرايا وزجاج أعلى الطاولات مثلاً.
والزجاج الملون يعتبر ضحية أخرى، حيث كان في أوهايو فالي فيما مضى نحو 100 شركة تصنع الزجاج الزخرفي مثل زجاجات العطور والفوانيس وأواني الزهور والسلال الزجاجية والتي كان يعمل بها مئات من نافخي الزجاج وعمال تشكيل الزجاج المهرة.
ورحلت معظم هذه الشركات التي كان الكثير منها مشاريع مملوكة لأسر مثل فنتون آرت جلاس في ويلمزتاون غرب فيرجينيا إحدى الشركات النادرة الباقية التي يديرها جورج فنتون حفيد مؤسسها.
تقلص عدد العاملين في مصنع فنتون إلى 125 فرداً من 700 فرد عام 2000، فالواردات تمثل مشكلة أيضاً، ولكن بدلاً من أن يسعى فنتون إلى مناهضة الاستيراد أصبح هو نفسه مستورداً ليعيد بيع ما يشتريه من الخارج وهو نشاط جانبي يشكل حالياً 10 في المئة من دخله وهو يقول “أحتاج إعانة من الحكومة لأظل في عملي ولكني لا أدري إن كان هذا الأمر من مسؤولية الحكومة”.

عن “انترناشيونال هيرالد تريبيون”

اقرأ أيضا

«راكز»: باقات لتسهيل تأسيس الأعمال