الاتحاد

الملحق الثقافي

الوِرَاقة والوَرّاقون···· ازدهار لاستنساخ أوعية المُثاقفات العامة

عربي يقرأ

عربي يقرأ

كان لازدهار حركة التأليف والنشر في العصر العباسيّ في بغداد، وشيوع حركة الترجمة من اللغات اليونانية والفارسية، أن أدى إلى نشأت إلى جانبهما مهنة أشتُق اسمها من الوَرق الذي عُرِفَ في مدينة سمرقند وصُنِع مِن ثمّ في بغداد عاصمة الخلافة العربية الإسلامية إبّان الخلافة العباسية في العراق· وعُرِفَت هذه المهنة باسم ''الوِرَاقَة''، وعُرِفَ مُتعاطوها باسم ''الورّاقين''، وهو الاسم المعروف في العراق خاصة في بغداد اليوم في سوق السراي وشارع المتنبي في صوب الرصافة، حيث توجد فيها أكبر المكتبات والمطابع ومكتبات بيع القرطاسية والأوراق والأحبار ومستلزمات الطباعة وما يلزم ذلك·

لقد عرّف ابن خلدون في مقدمته الوِرَاقة بأنّها: ''مُعاناة الكتب بالانتساخ والتصحيح والتجليد وسائر الأمور الكُتُبيّة والدواوين''· بينما عرّفها السمعاني في ''الأنساب'' بقوله: ''الورّاق اسم مَن يكتب المصاحف وكتب الحديث وغيرها، وقد يُقال لِمن يبيع الورق وهو الكاغد ببغداد، الورّاق أيضاً''·
إذن الورّاق هي مهمة انتساخ الكتب وتصحيحها ونشرها بين الناس، والورّاق هو مَن يقوم بأداء تلك المهمة، وقد يكون هو الناسخ، أو يكون غيره، وله مَن ينسخون له، بالإضافة إلى ما يستتبع علية النسخ من التجليد والتذهيب وبيع الورق والأقلام والمحابر والدويّ ـ جمع دَوَاة ـ أي أنّ الورّاقين كانوا يقومون بما تقوم به دور النشر والتوزيع في عصرنا الحديث، من الطبع والتوزيع وبيع الورق وأدوات الكتابة اللازمة·
بدايات حِرْفَة الوراقة
وربّ سائل يسأل متى بدأت حرفة الوِرَاقة، وكيف كانت أولياتها؟ يحدثنا الدكتور يحيى وهيب الجبوري في ''الكتاب في الحضارة الإسلامية'' عن أنّ حِرَفَة الوراقة قد ازدهرت في المدن الكبرى، وبلغت أوج ازدهارها في القرنين الثالث والرابع الهجريين، وكانت سبباً من أسباب ازدهار حركة التأليف والنشر والترجمة، كما ألمحنا في البدء، وقد أضحت صورة مُشرقة بهيّة من صور الحضارة العباسية في قمّة عطائها، وقد مثلت الوراقة كلّ أنواع النشاط العقلي والفكري في العلوم العربية والإسلامية، وفي العلوم المنقولة ـ المُتترجمة ـ عن الأمم الأخرى كاليونان والرومان·
أما عن البدايات الأولى للوراقة فقد كانت مُتصلة ببيع الورق والأقلام وأنواع الحبر والمداد، وكلّ ما له صلة بالكتابة، وكان أول ما عُرِفَ من النسخ هو نسخُ المصاحف الشريفة لكتاب الله الكريم، وكان الصحابة الكرام، والتابعون ينسخون المصاحف لأنفسهم، ثم صار الناس ينسخون لغيرهم، بعدها تجاوز ذلك على كتابة الحديث وسائر العلوم الدينية والتاريخية واللغوية والأدبية·
وأقدم ما عرفنا من الورّاقين الذين كانوا ينسخون المصاحف بالأجرة هو خالد بن أبي الهيّاج، الذي كان يُوصف بحُسن الخطّ، وقد اختصّ بكتابة المصاحف والشِعْر والأخبار للخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك· فيورد ابن النديم في ''الفهرست'' أنّ الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز سأل الهيّاج أن يكتب له مصحفاً على غرار المصحف الذي كان في قِبْلَة مسجد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ''فكتب له مصحفاً تنوَّق فيه، فأقبل عُمر يُقبِّله ويستحسنه، واستكثر ثمنه فرده عليه''· ومن قُدامى الورّاقين الذين كانوا يستنسخون المصاحف الشريفة بأجرة، مالك بن دينار (ت 131هـ)، وكان جابر بن زيد الأزدي يُعجب بابن دينار ومن كسبه الحلال هذا، فقد دخل عليه يوماً فوجده يكتب المصحف الكريم، فقال له: مالكَ صنعة إلاّ أن تنقل كتاب الله من ورقة إلى ورقة، هذا والله كسب الحلال، هذا والله كسب الحلال·
وراقة المصاحف أقدم من الكتب
يتضح لنا من خلال رواية ابن النديم أنّ وراقة المصاحف الشريفة كانت سابقة على وراقة الكتب في مختلف العلوم، وقد عُرِفَ من كُتّاب المصاحف المشهورين أمثال، خشنام البصريّ، ومهدي الكوفي، وانا أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد، الذي لَم يُرَّ مثلهما، وإنّ البصريّ كانت ألِفَاتُهُ ذراعاً مشقاً ـ شقّاً ـ بالقلم، بينما كان ابن جري يكتب المصاحف أيضاً اللطاف أيام الخليفة العباسي المعتصم بن هارون الرشيد في سُرّ مَن رأى ـ سامراء اليوم ـ بالعراق، وكان من كبار الكوفيين وحذّاقهم، ومنهم أم شيبان، والمسحور، وأبو خميرة وابنه، وأبو الفرج·
كما كان من الورّاقين مُذَهبَّون للمصاحف الشريفة ومُجلدون، برعوا في تجليدها وتذهيبها، فمن المُذهِّبين، اليقطيني، وإبراهيم الصغير، وأبو موسى بن عمّار، وابن السقطي، وأبو عبدالله الخزيمي، وابنه· ومن المجلدين نذكر، ابن أبي الحريش، وكان يُجلِّد في خزانة ''بيت الحكمة'' للخليفة المأمون بن هارون الرشيد في بغداد، وهناك شفة المقراض العجيفي، وأبو عبس بن شيران، ودميانة الأعسر، وابن الجمام إبراهيم، وابنه محمّد والحسين بن الصفّار·
وقد ازدهرت صناعة الورق في العصر العباسي في العراق حتى أصبح عصر ازدهار الوراقة والورّاقين، إذ تيسر الورق، وعرفت صناعته سمرقند، ثم صُنِّعَ في بغداد وبُنِي له مصنع لإنتاجه، ورخص ثمنه، كما رخصت أثمان البردي، وقد كان من نتيجة ذلك أن شاع التصنيف والتأليف، وكثر المُصنفون من العلماء والأدباء، وظهرت الحاجة إلى الوراقة، فكثر الوراقون في هذا العصر، الذي رافق ذلك حركة علمية مشهودة في أوائله·
وكان المؤلفون غالباً ما يختارون لنسخ كتبهم ومؤلفاتهم الورّاقين الجيدين المعروفين بجودة الخط وصحة النقل ودقة الضبط، والحذق في التزويق والتذهيب في كتابة المصاحف الشريفة، وعُرِفَ بعض الورّاقين بهذه الأوصاف التي تجود بها الوراقة، وقد ذكر ابن النديم بعضاً من هؤلاء الورّاقين في الفهرست، كأبي موسى الحامض الذي اشتُهر بصحة الخطّ وحسن المذهب في الضبط، ومحمّد بن عبدالله الكرماني الذي كان مُضطلعاً بعلم اللغة والنحو مليح الخط صحيح النقل·
وكان من هؤلاء بإشارة ياقوت الحموي في معجم الأدباء المشهود لهم بالحذق وجَمَال الخط وجودة النقل، أحمد بن محمد القرشي الذي كان يتمتع بخط حسن مشهور، وهناك المُحسن بن حسين العبسي المعروف بابن كوجك، الذي كان خطه مرغوبا فيه يشبه خط المؤرخ الطبري، أما أبو الحسن علي بن أحمد بن أبي دجانة المصري، من أهل مصر وكان مقامه في بغداد وبها كتب ونسخ الكثير، فله خط جيد وهو كثير الضبط إلاّ أنّه مع ذلك لا يخلو خطه من السقط، وإن قلّ· ومن الورّاقين الآخرين المبدعين محمّد بن أبي الجوع الذي أثنى عليه ابن خلكان في وفياته، وقال عنه بأنّ نسخه كان في غاية الجودة وخطه مرغوب فيه، وهناك أيضاً السرّاج الورّاق المشهور وخطه في غاية الحُسن والقوة والأصالة·
وقد تفاخر أبو المطهر الأزدي في مناظرته لأهل أصفهان بشهرة بغداد وتميز ورّاقيها وجودتهم وحُسن خطهم، وكمالِ صنعتهم، فقال لهم: هل أرى عندكم من أرباب الصناعات مثل ما أرى ببغداد من الورّاقين والخطاطين· وهؤلاء الورّاقون وغيرهم من المُحسَّنينَ المُججَوِّدينَ كانوا في المشرق·
أما في المغرب، فقد وفد على بلاد الأندلس طائفة من الورّاقين المُبدعين، منهم ظفر البغدادي الذي اتخذ مدينة قرطبة مقاماً وسكناً، وكان من رؤساء الورّاقين المشهورين بالضبط وحُسن الخطّ، وأحمد بن محمد بن الحسن الخلاّل الأديب الذي أشتهر بخطه المليح الرائق والضبط المُتقن الفائق· ومن ورّاقي المغرب الجيدين ايضاً عباس بن عمر الصقلي، ويوسف البلوطي، وغيرهم····
التوحيدي وحِرْفَة الشؤم
أبو حيّان التوحيدي علي بن محمد بن العباس التوحيدي (312 ـ 414 هـ)، أبرز كتّاب النثر العربي القديم الذين نالوا حظوة ومكانة عند الباحثين، وممّا أهلّه لنَيْلِ تلكم المنزلة الأدبية الموسوعية الشاملة التي تبرز للقارئ من خلال مُصنفاته الوافرة ''الإمتاع والمُؤانسة، المقابسات، الصداقة والصديق، مثالب الوزيرين، الإشارات الإلهية''، كونه أمتهن حِرْفة الوراقة والنسخ التي زاولها في مدينته بغداد، إضافة إلى معرفته بأمور التصحيف والتحريف، وهو ذو الخط الجميل في الكتابة، مع توفر دقة نقوله·
كان عمل التوحيدي في النسخ والوراقة جيداً في بغداد، لذا أخذ يحاول التغلب على حرفة الشؤم التي عمل بها مع كثير من زملائه، الذين لم يسعدهم الحظ ليكونوا أصحاب مناصب''، برأي الدكتور عبدالرزاق محيي الدين، ولذا فقد أمّل نفسه الطموحة كي لا تذهب حرفته -الوِرَاقة- بالعُمرِ والبَصرِ منه، ولمّا سمع عن مجلس الوزير الحسن المهلبي وزير مُعز الدولة واحتفائه بالأدب والأدباء فإنّه عقد العزم على الوصول إليه وأن: ''يُلقي بالوراقة جانباً، وأنْ يطلب حظه ومجده في دواوين الإنشاء وبيوت الرئاسة، ومجالس الوزراء'' كما أشار في ليالي الإمتاع والمؤانسة·
ثم أفرغ التوحيدي ما اضطرب في صدره من غيظ على هؤلاء الوزراء البويهيين الذين حكموا العراق، والذين جافوه بالصدود والحرمان حين ذهب إليهم في شيراز ممّا حلم بتحقيقه بعيداً عن موطنه العراق، ومدينته بغداد، فأوضح لتلكم العلاقة بصريح العبارة من الازدراء والتحقير فقال في كتابه مثالب الوزيرين: ''ورماني عن قوسه معرقاً، فأفرغت ما كان عندي على رأسه مغيظاً، وحرمني فازدريته، وحقرني فأخزيته، وخصّني بالخيبة التي نالت مني، فخصصته بالغيبة التي أحرقته، والبادئ أظلم والمنصف أعذر''·
نسخُ مثله يأتي على العُمر
ثم أفرغ أبو حيان ما جاش به صدره من حقد على الوزير الأديب الصاحب بن عبّاد، لأنّه حين طلب منه نسخ ثلاثين مجلدة له، فإنّ التوحيدي أطلق نفثة حرّى لأنّه أرفع وأسمى من أن يكون مجرد ناسخ في كنف وزير مترفع، وصرّح التوحيدي قائلاً: ''قصدت ابن عباد بأمل فسيح، وصدر رحيب، فقدّم إليّ رسائله في ثلاثين مجلدة على أن أنسخها فقلت: نسخ مثله يأتي على العُمر والبَصر، والوراقة كانت موجودة في بغداد''·
نعم لقد كانت الوراقة والنسخ تدران على أبي حيّان في بغداد ما يكفيه العيش وعدم الإلحاف في السؤال وتبدل الحال··· ولكن عندما سمع الصاحب بن عباد تأفف التوحيدي من نسخ رسائله الثلاثين خاطبه في الإمتاع والمؤانسة قائلاً: ''بلغني ذلك· فأجابه التوحيدي: ولو كان شيئاً يرتفع من اليدِّ بمُدّة قريبة، لكنت لا أتعطل، وأتوفر عليه، ولو قرّر معي أجرة مثله لكنت أصبر عليه، فليس لمن وقع في شرّ الشبّاك وعين الهلاك إلاّ الصبر''· وإنّ خيبة الظنِّ بمن أراد منهم التوحيدي أن يرفعوه إلى مجالسهم وأبطلوا وقتلوا أحلامه المشرئبة صوب العلا، قد بلغت عنده من النَيْلِ من ابن العميد والصاحب بن عباد نيلاً عظيماً، فحاول أن يحطم مجدّ ابن عباد بقوله عنه: ''وأنْ ينتزع من قلوب الناس وعقولهم ما وقر عندهم من فضله... وكأنه مُسلّط استخراج مخازيه، وإذاعة مساويه، فكتب تلك الرسائل الطويلة التي بثّ سمومه بالقدح والثلب''·
···لقد استولى عليّ الحرف
إنّ حِرْفَة الوراقة والنسخ قد أخرجت التوحيدي من طوره، عندما قدّم إليه نجاح خادم الصاحب بن عباد ثلاثين مجلدة لينسخها له، فضجر أبو حيّان حين رآها وهو يؤمل نفسه في شيراز بعيداً عن بغداد بمنزله طالما حلم بها من الجاه والمنزلة المثلى في مجلس الوزير· فكان ردّ التوحيدي على الخادم قائلاً: ''هذا طويل، ولكن لو أذن لي لخرجت منه فقراً كالغرر، وشذوراً كالدُّرر، تدور في المجالس كالشّمامات''· ولم يُعْجِب ابن عباد ردّ التوحيدي لخادمه، لأنّه طعن برسائله من طرف خفيٍّ، وهنا خرج الصاحب بن عباد عن وقاره وصوابه، فادخله في ميزان الوعد والوعيد إذ قال: ''طعن في رسائلي وعابها، ورغب عن نسخها، وأزرى بها؛ والله لينكُرنّ مني ما عرف، وليعرفنّ حظه إذا انصرف''·
إنّ نصِّ ياقوت الحموي يؤكد امتهان التوحيدي لحِرْفَة الوراقة والنسخ تحت الإجبار والإكراه، وهو مُقيم في مدينة الريّ عند الصاحب بن عباد التي وصلها سنة 363هـ، ومن هنا قَوِيَ شُعور أبي حيّان بالعبث الذي استولى عليه طِوال حياته فكتب عن حرفته التي فيها ذهاب العمر والبصر بألم مُمض قائلاً: ''لقد استولى عليّ الحرف وتمكن مني نكد الزّمان، إلى الحدِّ الذي لا استرزق مع صحة نقلي، وتقييد خطي وتزويق نسخي، وسلامته من التصحيف والتحريف، بمثل ما يُسترزق البليد، الذي ينسخ النسخ، ويمسخ الأصل والفرع''·
ومن هذه الحادثة خالج التوحيدي شعور العبث، وأعطيت لنفسه شحنات متفاوتة منها، بقي لهُ من عُمر، أي قبل أن تبلغ شمس رأسه الحائط ويغلّ يديه من ماء الحياة، ففي السنة التي وضع فيها كتاب المقابسات (360هـ)، نسمعه يقول: ''وما يرجو المرء بعد الالتفات إلى خمسين حجة، وقد أضاع أكثرها، وقصّر في باقيها''·
عيشي أضيق من محبرة···
إنّ الوراقة والنسخ التي امتهنها التوحيدي، وضجر منها، وأُكره عليها، هي التي قادته إلى حافة الهاوية مع ذوي الجاه والسلطان· فحال الورّاق حالة لا تسر صاحبها بكل الأحوال. فقد سُئِل أحد الوراقين عن حاله ذات يوم، فوصفها بأسلوب فيه مفارقة ظاهرة، إذ قال: ''عيشي أضيق من محبرة، وجسمي أدقّ من مسطرة، وجاهي أرقّ من الزجاج ووجهي أشدّ سواداً من الزاج وحظي أخفى من شقِّ القلم ويدي أضعف من القصب وطعامي أمرُّ من العَفص وسوء الحال ألزق بي من الصمغ''· وقد هجا شاعر ورّاق فقال:
ما فيه من عيبٍ سوى أنه
أبغي من الإبرة والمحبرة
ازدهار الخط العربي
وهناك علاقة ترتبط ارتباطاً كُلياً بحرفة الوراقة والورّاقين التي عرفنا ازدهارها وتفوقها في العصر العباسي، تلك العلاقة هي مرحلة تطور الخط العربي الذي نراه قد أزدهر في العصر الأموي، حيث ساعد خلفاء العصر على تطور وارتقاء الفنون التشكيلية، بما عمرّوه من مساجد وقصور عامرة، وزخرفتها بالفسيفساء، والحفر على المرمر، وكتابة الآيات القرآنية الكريمة عليها، ومن ذلك قبة الصخرة المشرفة في القدس الشريف، والجامع الأموي في دمشق، وقصر المشتى، وقصر عمرة في الأردن، وقصر الحيرة، وقصر الجوسق في سامرّاء، فضلاً عن القلاع والحصون··· كما نشط في تزويق المصاحف الكريمة وجلودها، وتطريز الملابس والكتابة على الأنسجة والملابس، وعلى الأواني النحاسية والسُّرُج، وسواها الكثير···
وحتى القرن الثامن الميلادي، أي إلى أن بدأ العرب إنتاج الورق، كانت معظم الأبيات الشعرية والروايات وحتى'' الإنجازات'' العلمية تنتقل من فرد إلى آخر بالمشافهة· ولكن لدينا في القرآن الكريم ذاته مُعطيات كافية تشير إلى أن العرب كانوا يستخدمون الورّق قبل ظهور الإسلام وغيره من مواد الكتابة لتدوين النصوص التجارية والإدارية الخ·
النسخ في قصور الخلفاء
بدأت المرحلة الذهبية لإنتاج الورق للكتاب الإسلامي بازدياد أعداد المخطوطات كثيراً وأخذ التنافس يشمل الخلفاء والوزراء الأغنياء على اقتناء الكتب الغالية والنادرة وأصبح الخطاطون موضع البحث والتقدير بينما كان الكبار منهم يغمرون بالتواصي والهدايا القيمة· وكان الكثير من الخطاطين يعملون في المكتبات، حيث ينسخون هناك المؤلفات لحساب تلك المكتبات، بينما كان كبار الخطاطين يعيشون في قصور الخلفاء حيث ينسخون المؤلفات الغالية للمكتبات الخاصة· وإلى جانب هؤلاء كان هناك خطاطون يعيشون فقط من عملهم، أي حسب الطلب· وبين هؤلاء الخطاطين تمتع أولئك الذين كانوا ينسخون القرآن بشهرة خاصة كابن مكلا (886 ـ 940) وابن البواب (توفي 1023م)، الذي يقال إنه كتب بخط يده خلال حياته 500 نسخة من القرآن الكريم·
وكانت التجارة بالكتب نشيطة للغاية في كلّ المدن الإسلامية، وكان الورّاقون عادة يفتحون دكاكينهم أمام الجوامع والمدارس، وكانت هذه الدكاكين كثيراً ما تتمركز في شوارع خاصة حيث تكون حركة المارة على أشدها· إلاّ أنّ هذه الدكاكين لم تكن مقصورة فقط على بيع الكتب· فهناك كان يجتمع المثقفون وأولئك الذين يريدون أن يصبحوا مثقفين كما كانت تناقش الموضوعات المختلفة وتنشد الأشعار وهكذا· وعلى الرغم من هذا فقد كان الدور المهم لهذه الدكاكين، بالإضافة إلى بيع الكتب، يكمن في نشر المعلومات حول المؤلفات الجديدة·

100 دكان للوراقة ببغداد

كانت بغداد المركز الأساسي لإنتاج الكتب والاتجار بها في العصر العباسي· ففي رحلة الازدهار الكبير لإنتاج الكتاب في هذه المدينة وصل عدد دكاكين الوراقين إلى مائة· ومن بغداد كانت الكتب سرعان ما تجد طريقها إلى أبعد المدن في العالم الإسلامي· وعلى ظهور الجمال كانت القوافل تحمل الكتب من بغداد إلى البلدان، كما كانت أيضاً تحمل الكتب من هذه البلدان ''بيزنطية، وسوريا، الهند'' إلى بغداد·
وقد كانت الكتب التي ينسخها الخطاطون المعروفون، أو التي يكتبها المؤلفون أنفسهم غالية جداً ولم يكن في استطاعة أحد أن يقتنيها سوى الأغنياء· وعلى سبيل المثال يكفي أن نذكر أن ثمن كتاب المؤرخ الطبري (839 ـ 923م)، كما يذكر المقريزي، كان يصل ثمنه إلى مائة دينار· وكان هذا المبلغ بالنسبة لذلك الوقت ثمناً مرتفعاً، إذ إنّ الكتاب المتوسط كان يباع بدينار أو دينارين· وحتى هذا يبدو ثمناً مرتفعاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ الأجرة السنوية لمقهى كانت لا تتعدى الدينار· أما أولئك الذين يملكون هذه الإمكانية فقد كانوا ينسخون المؤلفات بأنفسهم أو يعطونها إلى خطاطين مغمورين لكي ينسخوها·

اقرأ أيضا