الاتحاد

دنيا

«بسطاء» يصطادهم فخ النصابين.. والمجتمع يعتبرهم «مغفلين»

المحاكم تنظر دعاوى كثيرة من قضايا النصب والاحتيال (أرشيفية)

المحاكم تنظر دعاوى كثيرة من قضايا النصب والاحتيال (أرشيفية)

تلقى اتصالاً هاتفياً يخبره بأنه فاز بجائزة قيمتها 100 ألف درهم، وكي يتم تحويلها إليه، يتطلب الأمر تدوين بعض البيانات مرفقة ببطاقات شحن تبلغ 6 آلاف درهم، وبعد الاتصال أخذ يفكر.. تردد في البداية.. لكنه نحى عنه تلك الأفكار جانباً، واعتبرها هاجساً لا ينبغي أن يعيق حصوله على «الغنيمة».. فقام بتحويل مبلغ الشحن، وهو يمني نفسه، ويتخيل لحظة تسلّم الجائزة الكبرى، لكن الأمر لم يستغرق كثيراً، فقد اختفى المتصل. هذا باختصار ما حدث مع سعيد عبدالله، الذي فاق من غفلته وعرف أنه تعرض لعملية نصب واحتيال من قبل أحد الأشخاص، الذين سمع عنهم كثيراً وكان يشارك في الحديث لينتقد من يتعرض لحيلهم أو «يوقع على بياض» ومن يلجأ للمشعوذين، وغير ذلك، لكن الطريقة المحترفة التي اتبعت معه، أنسته حذره المعتاد، فلملم خيوط قصته، وضمنها في بلاغ تقدم به إلى الشرطة، لتجد هي بطريقتها الخيط الرفيع. ولا تختلف قصة سعيد، الذي لم يكن سعيداً هذه المرة، عن قصص غيره، ممن اصطادهم «فخ» الاحتيال بأفكار يبدو لآخرين أنها ساذجة، لكن لحظتها قد يختلف الأمر، فيهمس الواحد مع نفسه: «الأموال تغرق العالم وقد يكون الأمر حقيقة تغير ملامح الحياة»، لكن سرعان ما تتضح الصورة الباهتة أمام مخيلته، ويتذكر ما كان يصف به الآخرين حين يردد في مثل هذه المواقف «القانون لا يحمي المغفلين».

هناء الحمادي (أبوظبي) - يقع كثير من الأشخاص في مشكلة قانونية بسبب سذاجتهم وغفلتهم وعدم حرصهم في الاحتياط عند التعامل مع الآخرين، وهنا يسميهم البعض «مُغفَّلين»، والمغفل بالمعنى اللغوي «هو من لا فطنة له ويسهل خداعه»، والفطنة من الفهم والذكاء والإدراك الجيد للأمور، إذن ما نود قوله هو أن المغفل هنا هو من يقع في مشكلة بسبب عدم إدراكه لخطورة تعامله بحسن نية أو غفلته عن الاحتياط من الآخر، مما قد يوقعه في شرك استغلال وضعه بسوء نية، وهو كمن أقرض أحدهم مالاً دون أن يأخذ منه ما يثبت أنه أقرضه إياه، وعند إنكار المدين لهذا الدين يقع الدائن في مشكلة إثباته.
وإذا عجز يقع تحت طائلة المغفلين الذين لا يحميهم القانون، فالقانون لا يقتنع ولا يعول إلا على الأدلة والإثباتات والشواهد، رغم أنه وجد لحماية مثل هؤلاء، إلا أنه واقعياً لن يحميهم إذا كانوا من الغفلة حتى أنهم أضاعوا حقهم بأيديهم، لكن ما زال أمر المقولة الشائعة محل خلاف بين القانونيين وغير القانونيين، بين من يرى أن القانون أولى بأن يحمي هذه الفئة لأنهم ضحية الغفلة وحسن النية، ومن يرى أن القانون لا يحمي إلا من استطاع أن يحتاط لنفسه بالأدلة والشواهد التي تثبت حقه، وبين هذا وذاك نعود لنتساءل، هل على القانون أن يحمي المغفلين؟
الوعي القانوني
نتيجة جهل الكثير من الأشخاص للثقافة القانونية، تؤكد الدكتورة سعاد محمد المرزوقي مساعد العميد للتنمية المهنية في كلية العلوم الإنسانية بجامعة الإمارات أنهم يقعون في مشاكل جمة هم في غنى عنها، وأرجعت جهل البعض بالقوانين إلى عدم الاهتمام بثقيف أنفسهم من الناحية القانونية والحقوقية، حيث يؤدي ذلك بهم إلى ارتكاب أخطاء تضطرهم إلى اللجوء لقانونيين ومحامين بحثاً عن حلول، وهو أمر كان بإمكانهم تحاشيه لو كان لديهم معرفة مسبقة بأحكام القانون، إلى جانب غياب التواصل مع الجهات المعنية بتوعيتهم، مطالبة بنشر الثقافة الحقوقية بين أطياف المجتمع التي تعاني غيابها، حيث لم يقتصر الضعف على تفاصيل القانون، لكن الواقع أنّ الوعي بالحقوق والواجبات القانونية يشمل حتى أبجديات القانون والنظام، التي لا يسع الفرد تجاهلها أو عدم معرفتها، وذلك أنّ الضعف في هذا المجال يولد إشكالات كبيرة، فمتى اختفت معاني مفردات القانون من حياة الأفراد ظهر التقصير في أداء الواجبات، وزادت الارتجالية في أداء القطاعات، بخلاف سيادة القانون، وعرف كل ما عليه من الواجبات والالتزامات، وحدوده وصلاحيات عمله.
ضرورة ملحة
من جانبها، تجد الدكتورة إيمان الجابري مستشارة قانونية ومحامية أن الواقع الذي نعيش فيه يفرض علينا أن نعي قانونية طريقة التصرف التي تصدر منا، وكذلك طريقتنا في التعامل مع الأفعال التي تصدر من الغير، حتى لا نقع في المحظور، وبناء عليه، فإن الوعي القانوني أصبح ضرورة ملحة لمجتمعنا في عالم أضحت التعاملات اليومية فيه مع الآخرين من الضروريات من أجل البقاء والاستمرار في الحياة.
وفي ذات السياق، تحدثت الجابري من خلال وقائع في عملها محامية عن جهل عدد كبير من الأشخاص على اختلاف ثقافاتهم بأساسيات قانونية، وأن هذا الجهل سبب في وقوعهم بمشاكل يمكن تجنبها، لو أنهم حظوا بمستوى معقول من «الثقافة القانونية»، مثل «التوقيع على بياض، أو بيع، أو تنازل»، فهو ملزم للأطراف الموقعة بغض النظر عن نياتهم، مُلمحة في الوقت ذاته إلى أن الوعي القانوني ليس كغيره من أنواع الوعي الأخرى، كالاجتماعي، والاقتصادي، والصحي، بل إن الوعي القانوني هو صورة متمازجة وشاملة لكل أنواع الوعي وبالتالي، فإن تشكيل الوعي القانوني يسبقه الإلمام بمجموعة من المعارف الأخرى، حيث تتشكل لدى المجتمع قاعدة معرفية مهمة يبنى عليها الوعي الصحيح للقانون، وهذا يعني استيعاب الفرد لكل ما يدور حوله من علاقات ومفاهيم وأهداف من خلال تصورات قانونية مهمة، وأن يعتبر القانون قيمة من القيم التي يحترمها، وأن يتعامل مع واجباته كونها شيئاً وجد لمصلحته، وهو وعي لا يأتي إلا من خلال وعيه بضرورة وجود القانون في حياته ولفائدته، وبأنه جزء لا يتجزأ من حياته الشخصية.
مقولة غير صحيحة
أما المهندس خالد المؤذن الشامسي، ففي رأيه أن هذه المقولة غير صحيحة، فالقانون في الأساس هو لحماية الناس من المستغلين وكيد الكائدين واحتيال المحتالين، لكن الكثير من الناس، يتداولون هذه المقولة بفهمهم هم فقط، فهي تستخدم في غير الأغراض التي قيلت أو وضعت من أجلها.
ويضيف «هي فكرة قانونية فلسفية حسب الأصل، مفادها أن الحماية القانونية للمصالح الخاصة ليست مطلقة بل نسبية، فهذه الحماية تبدأ قانونا عند مستوى معين من سلوك مفترض للأشخاص لا تنزل دونه، ومن ثم يقع على عاتق الفرد واجب اتخاذ قدر من الحيطة والحذر في تصرفاته القولية والفعلية حتى تصبح الحماية القانونية له ممكنة، فلا بد لكل شخص أن يفهم قوانين ومتطلبات أي موضوع هو في صدد اتخاذ القرار فيه، ويضرب الشامسي المثل بقوله: «في بعض الأحيان لا يعطي موظفو أحد البنوك أو شركات الاستثمار الصورة الكاملة والشروط للعميل، رغم أنه مقبل على معاملة تتطلب المزيد من التوضيح، تجنباً لما قد يترتب عليه».
وأضاف: كثيرون ممن يقبعون خلف القضبان هم ممن تنطبق عليهم هذه المقولة الخاطئة فهم ليسوا مغفلين، لكن احتيل عليهم بطرق كثيرة، فالمحتال لا يقدم على أمر إلا وقد درس كل جوانبه بشكل تام، لكننا مع ذلك، نرى اليوم تغييراً كبيراً وملاحظاً غير المنظور والمفهوم الخاطئ لهذه المقولة، فهناك حملات توعوية وتثقيفية كبيرة نتمنى زيادتها.



إضاءة
عن أهمية الوعي القانوني، خاصة للأشخاص الذين تنطبق عليهم مقولة «القانون لا يحمي المغفلين»، أشارت الدكتورة سعاد محمد المرزوقي مساعد العميد للتنمية المهنية في كلية العلوم الإنسانية جامعة الإمارات، إلى أن الوعي القانوني للمجتمع يجعل الفرد يعرف ماله من حقوق وما عليه من واجبات نحو الآخرين، وبالتالي يصبح قادراً على تجنب الوقوع في الخطأ أو إيقاع الخطأ عليه من قبل الآخرين.


الحمداني: الغافل مفرط في طلب حقه ولا يتخذ التدابير اللازمة

المحامي الإماراتي عبدالله الحمداني، لفت إلى أن عبارتي «القانون لا يحمي المغفلين»، و«احترس من النصابين»، مقولتان دأب الناس على ترديدهما كثيراً، لكن أحداً لم يتعظ من البشر، فالمغفل هو ما يطلق عليه قانوناً ذو الغفلة، وفي اللغة هو من يغبن في البيوع لسلامة قلبه ولا يهتدي إلى التصرفات الرّابحة.‏
وهو ما أكدته أحكام قضائية أنه من المقرر قانوناً، أن من ناقصي الأهلية ذو الغفلة، والغفلة من العوارض التي تعتري الإنسان، فلا تخل بالعقل من الناحية الطبية، إنما تنقص من قوة ملكات نفسيه أخرى، منها الإرادة وحسن التقدير، فيقبل صاحبها على التصرفات من دون أن يهتدي إلى الرابح فيها، ويقبل الغبن الفاحش بأيسر انخداع على وجه يهدد ماله بخطر الضياع، ويصدر في تصرفاته عن سلامة طوية وحسن نية.
ويضيف الحمداني «الغافل هو المفرط في طلب حقه، والذي لم يتخذ التدابير اللازمة والحيطة والحذر في التعامل مع مختلف فئات البشر الذين يختلفون في التربية والأمانة والبيئات التي ترعرعوا فيها، ولما كان ما تقدم، كانت أمثلة عديدة من البشر يبحثون عن الكسب السريع والإثراء بلا سبب، من دون النظر إلى أبعاد تلك الموضوعات ومدى صدقها من عدمه، بالإضافة إلى عدم الاستعانة بأهل الخبرة من القانونيين لسؤالهم عن مدى صحة التعامل مع البعض بغير معرفة أو دراية، بما هم مقدمون عليه من تعامل مع الآخرين بمبالغ مالية كبيرة». وقال: من ثم يستعين شخص ليس له عمل سوى الاحتيال على آخر بذل جهدا ومشقة وعناء في الحصول على مبلغ من المال حفظه، لكي لا يتم تبديده للاستعانة به في مواجهة الزمن. ثم يأتي أحد المحتالين على حين غرة من الضحية ويستخدم معه أساليب احتيالية قولية أو فعلية، للإيقاع بمن يقع عليه الاختيار والأخير لم يكن ليوافق عليه لولا هذا التغرير، ومن ثم ينقاد لمن غرَّه وخدعه نتيجة عدم احتياطه، وانخداعه بما اتخذ معه من وسائل الخداع والتدليس، ووزن لنتائجهما أعقبه الرضا والاختيار والاطمئنان لما غرر به».

«هكذا تصبح ثرياً»

بدأت قصة مقولة «القانون لا يحمي المغفلين» حول رجل أميركي عانى وعائلته من فقر شديد، اضطر معه إلى أن ينشر في صحف بلاده إعلاناً عنوانه «إن أردت أن تكون ثرياً، فأرسل فقط دولاراً واحداً على صندوق بريدي، وسوف تكون ثرياً»!.
استجاب القراء لدعوة الرجل، فأقبل كل واحد منهم بإرسال الدولار المطلوب.. حتى تجمعت عنده ملايين الدولارات.
حصد الرجل تلك الملايين، فأصبح من أكبر الأثرياء. ثم نشر إعلاناً آخر تحت عنوان: «هكذا تصبح ثرياً».. مصرحاً بأنه أصبح ثرياً.. شارحاً الطريقة التي اتبعها ليكون من أكبر الأثرياء!. نتيجة لذلك رفع القراء قضية إلى المحاكم يطلبون حقوقهم من الرجل، غير أن المحكمة أصدرت حكمها مشيدة بذكاء الرجل ودهائه.. معلقة أن «القانون لا يحمي المغفلين»!!

أحلام أم عبيد تبخرت
تحكي أم عبيد إحدى ضحايا النصب قصتها مع أحد المشعوذين الذي أوهمها بأنه سيجعلها شخصية ثرية تملك المال الوفير، وبالفعل استغل المشعوذ نقطة ضعف أم عبيد التي رسمت آمالاً وأحلاماً مع هذه الثروة، التي ستحصل عليها بلمح البصر من دون تعب أو جهد، لتتحسر أم عبيد كيف باعت مجوهراتها وأعطت الساحر كل ما لديها من «تحويشة» العمر؟، ليوهمها المشعوذ عبثاً في كل مرة تقصده فيها بأن وضعها سيتغير وأن الملايين ستنهال عليها في الأيام القادمة، وفجأة قبل أن تفيق من هذا الحلم الوردي الذي رسمته في خيالها، وقبل الموعد المنتظر لتحويلها إلى ثرية اختفى الساحر وحمل معه أحلام الثروة والجاه.
أم عبيد تقول: «لجوئي للإبلاغ عن هذا الاحتيال عند الشرطة ذهب هباءً، فالمذكور اختفى في لمح البصر، وكأن الأرض ابتلعته، فعدم وجود أدلة وإثبات لهذا الدجال والمشعوذ أوقعني في مشكلة، فالقانون هنا لا يحمي المغفلين، كما أكد لها كل من لجأت إليه»، موضحة أنها لم تسأل نفسها: لماذا لم يحضر هذا النصاب المال لنفسه، ويغير من حاله؟، لم يسخر قدراته لخدمة غيره، ليحصل منهم على القليل مقارنة بما يعدهم به؟.. أم عبيد سألت نفسها بعد «فوات الأوان».

وثائق حميد لا تكفي

أما حميد عمران الذي كان يحمل حزمة أحكام ووثائق، ولديه جلسة في المحكمة فيندب حظه العاثر، حيث اشترى «قطعة أرض» ولم يكلف نفسه بتجهيز أسوارها، أو يحصل على ملكية البيع، وقبل أن يهم ببيعها لأحد الأشخاص وصل فجأة مالك الأرض الأول، مدعياً أنه صاحب الأرض الفعلي نافياً أسبقية بيعها بتاتاً. ويقول حميد «كل ما حدث لي أنا السبب فيه، فوثيقة البيع والشراء بيني وبين مالك الأرض ورقة عادية شهودها مجموعة من أصدقاء المالك، ولم تعتمد في المحكمة لإثبات ملكية الأرض لي».

اقرأ أيضا