الاتحاد

الملحق الثقافي

لا فرق بين مسلم وقبطي إلا في المسجد والكنيسة

لم يترجم كتاب البريطاني ليدر س· هـ ''أبناء الفراعنة المحدثون'' الى العربية وينشر لقرائها سوى في عام 2008 رغم صدوره بالانجليزية لأول مرة في عام ،1918 مع الاعتراف بأن مادته التي تعنى بدراسة اخلاق أقباط مصر وعاداتهم تبدو شديدة الاهمية وبالغة الثراء، لانها تؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ مصر لم تكن سياسة المستعمر البريطاني ''فرق تسد'' قد آتت بعد ثمارها في اثارة النزاع بين المسلمين والاقباط· ولأن المؤلف الانجليزي دون ملاحظاته من زيارات ميدانية للأقباط في الأرياف والمدن، كما ضمن مؤلفه اقتباسات شتى من كتب قبطية قديمة تناولت تاريخ الكنيسة في مصر·
كرم المصريين
وأول ما استوقف البريطاني ليدر، كان الكرم الذي أبداه كل من زارهم عن طيب خاطر مع تواضع يخلو من التكلف، حتى أنه قال في الفصل الذي تناول فيه وقائع زيارته الى قرية اقطاعي قبطي ''سوف يدهش السائح العادي الذي يزور مصر حين يعلم أن كلمة بقشيش لا تسمع أبدا خارج المنطقة الأثرية مهما كان فقر الناس، فهم حريصون في كل مكان على ألا يأخذوا، بل على أن يعطوا أفضل ما لديهم من أشياء متواضعة للزائر الذي هو ضيف الكل طبقا للتقاليد القديمة''·
ويقرر ليدر في أكثر من موضع في كتابة أن سياسة كرومر في إثارة النعرة القبطية فشلت، وأن المحتلين البريطانيين على عكس ما ادعوا أضروا بمركز المسيحيين، ولذا كانوا مكروهين من الأقباط قبل المسلمين، كما نوه ايضا الى الاضطراب داخل صفوف الأقباط بعد نجاح البعثات التبشيرية الاميركية في حمل أقباط مصريين على مغادرة مذهبهم الارثوذكسي إلى كنيسة الإنجيلين·
ويجيب على من اعتادوا سؤاله عما اذا كان الاقباط يتبعون العادات ذاتها التي يتبعها المسلمون فيما يتعلق بعزل النساء وحجابهم، فيقرر أن بعض نساء الطبقة الثرية والمتوسطة من الأقباط قد تشبهن في ملبسهن وثقافتهن بأوروبا، الا أن ذلك يظل محصورا في طبقة صغيرة جدا ''فما زال من الواجب وصف الاحتجاب الصارم والحجاب المحكم بأنه القاعدة القبطية، وأنه ليس كذلك بين أبناء الريف وغير المتعلمين فحسب، فهناك شباب مصممون رغم التعلم في مراكز العلم الأوروبية، على أن العادات الشرقية لابد من الحفاظ عليها''، ويؤكد ذلك قائلا ''في قلب القاهرة زرت أقباطا من الطبقات كافة من مضيفي القروي الثري ومن المهنيين الشباب الى الكهنة والشمامسة في الكنيسة، دون أن أرى أثرا لزوجات العائلات وبناتها، وكما هو الحال في الأسر المسلمة، فإنهم يأخذون زوجتي بمفردها الى الحرملك ومن خلالها سمعت عن الحياة المثيرة التي تجري خلف تلك الأبواب''· ورغم ذلك فان ليدر ركز أكثر على الفوارق التي يلحظها بين المسلمين والأقباط ولاسيما في الجوانب الاجتماعية، فرغم الكرم الكبير والحفاوة العظيمة التي قوبل بها من مضيفه الاقطاعي القبطي فانه لم يتردد في أن يقرر أنه ''ربما يكون لطف السلوك الشرقي ملحوظا لدى المسلمين أكثر مما لدى الأصدقاء الأقباط''·
مسلمون ومسيحيون
ويقول ان مضيفه القبطي أحضر مغنيين اثنين للترفيه عنه ولم يتوقف عند الدين كمحدد لاختيار المغنيين، وهؤلاء ايضا بدورهم لا يخطر على بالهم أبدا انه من الضروري مراعاة دين مضيفهم ويقول: ''وهذا ما اكتشفته عندما انطلق أحدهما في أغنية الحج المثيرة للعواطف التي يعبر فيها المسلمون عن شدة اشتياقهم الى مكة وغيرها من الأماكن المقدسة الأخرى الخاصة بدينهم ولم ير مضيفي والأصدقاء الأقباط كافة أي عدم اتساق في ذلك، وحدث مرة أو مرتين عندما غنى المؤدي تلك الأغاني المليئة بالعواطف في مدح الرسول التي يسمعها المرء في البلاد الاسلامية كافة كان الرد الوحيد على ملاحظتي هو شايف ده مسلم''·
وعلى الجانب الآخر يقول ليدر في فصل أفرده لأسقف الفيوم الانبا ابرام ان هذا الكاهن الذي اشتهر بزهده وقدرته على علاج الأمراض كانت تتوافد عليه أعداد كبيرة من الناس كل يوم التماسا لشفاء البدن أو النفس· ويتعجب البريطاني لأن عدد المسلمين في هذه الحشود كان مساويا لعدد المسيحيين وعندما يسأل كل هؤلاء الناس البسطاء عما لديهم من أسباب للظن بأن بإمكانهم الحصول على خير من أسقف مسيحي يقولون ''إنه رجل طيب وأن الرجال الطيبين جميعا مقبولون من الله، فالأسقف يصلي لله كما يصلون وهو تلميذ لسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام''· وهو ما دفع ليدر الى اسداء النصح للأوروبيين، وقتها، ''الذين تعلموا النظر الى التعصب على أنه السمة الأولى من سمات أتباع محمد، أن يغيروا رأيهم''·
والى جانب ملاحظات تفصيلية شيقة أوردها البريطاني ليدر عن طقوس الصلوات في الكنيسة القبطية فقد سجل أيضا ملاحظاته الدقيقة عن مقابلته للبطريرك القبطي البابا كيرلس الخامس الذي خاض صراعا حادا مع الذين رغبوا في اجراء اصلاحات كنسية وواجه دفاعا عن رأيه كل من الخديو ورئيس الوزراء والمندوب السامي اللورد كرومر فضلا عن الاصلاحيين الأقباط، الأمر الذي انتهى بنفيه الى وادي النطرون، ولكنه عاد الى منصبه كأقوى ما يكون وباعتراف كرومر نفسه في مذكراته أن البابا ''كان يحكم هناك عندما ذهبت لأول مرة الى مصر وعندما غادر كان يتمتع بسلطة كاملة، ومازال يحكم''· والقارئ سيجد متعة في أن يقارن بين مواقف كيرلس الخامس وبابا الأقباط الحالي شنودة الثالث فكلاهما يحافظ على تقاليد الكنيسة وسط أنواء داخلية وخارجية شتى ويستقطب في ذات الوقت احترام كافة المصريين من المسلمين قبل الأقباط، ومما يذكره ''ليدر'' أن كيرلس الخامس عندما عاد من منفاه في الدير شهدت القاهرة ترحيبا شعبيا حماسيا قوبل به البطريرك عند عودته ''فقد ملأت الجماهير شوارع المدينة وأزال بحر الحماس الضخم كل فكرة ماعدا فكرة الابتهاج الشديد بعودته حيث احتفلت الجماهير المسلمة بهذا الحدث الكبير جنبا الى جنب مع الأقباط، وبكى الناس من الفرح وغنوا مادحين المنفى'' وهو ما استدعى أن يشير الى ما كتبه كرومر في كتابه ''مصر المعاصرة'' من أن الفرق الوحيد بين القبطي والمسلم هو أن الأول مصري يتعبد في الكنيسة والثاني مصري يتعبد في المسجد· ومن جهته يؤكد ليدر أن الأقباط يفضلون أن يحكمهم مسلم على بريطاني بروتستانتي يأكل اللحم طوال العام ولا يصوم الا نادرا·
ويختتم البريطاني ليدر كتابه بفصل بالغ الأهمية عن العلاقة بين الأقباط والحكم البريطاني ويورد فيه احتجاجات الأقباط على بعض الاجراءات البريطانية مثل حرمان الأقباط من تولي منصب مدير المديرية ''المحافظ'' أو مأمور المركز وارغام الموظفين الأقباط على العمل يوم الأحد والاكتفاء بعطلة يوم الجمعة·

خطاب الأرض المحروقة في قصيدة النثر

بعد مجموعة من الإصدارات، كان آخرها بعنوان ''النص ولغزه'' عن منشورات وكالة الصحافة العربية بالقاهرة ،2007 يصدر للناقد المغربي رشيد يحياوي كتاب جديد تحت عنوان ''قصيدة النثر العربية، أو خطاب الأرض المحروقة'' عن دار إفريقيا الشرق ·2008 يقول المؤلف على ظهر الغلاف: ''قد تكون وجهة نظرنا في هذا الكتاب مزعجة، وقد لا ترضي أحداً· وقد توصف بأنها فوضوية وهدامة، لأنها في عدد من الحالات، موجهة ضد خطاب أنصار قصيدة النثر وضد خطاب مناوئيها معا· فطالما لم تنجز دراسات كافية تبين لنا ما هي قصيدة النثر في الممارسات الإبداعية العربية، فإن المقترحات التي تزعم فرض البدائل وحل الإشكاليات، لن تكون مقنعة·
إن هدفنا بسيط للغاية· هو طرح أسئلة على الأسئلة والأجوبة السائدة انطلاقا من التشكيك في جدواها وفاعليتها، بل في صوابها ومعقوليتها· وإن كانت لنا في سياق ذلك بعض المقترحات، فلتوجيه مسارات البحث في هذا الموضوع، نحو أسئلة أخرى نراها أكثر أهمية· وقد لا يتفق معنا فيها سوى من كان له موقف قريب من موقفنا''· وينقسم الكتاب إلى قسمين إضافة إلى مبحث أول بعنوان ''ليس بمثابة أسئلة أولى''، ومبحث أخير معنون بـ''ليس بمثابة أسئلة أخيرة''· ويناقش المؤلف في كتابه الواقع في 239 صفحة من القطع المتوسط، جل التعريفات والمفاهيم السائدة في الخطاب النقدي حول قصيدة النثر منذ مجلة ''شعر'' اللبنانية إلى وقتنا الراهن·

اقرأ أيضا