الاتحاد

تقارير

أوباما والحقوق المدنية

إذا ما نجح ''باراك أوباما'' بالفوز بانتخابات شهر نوفمبر المقبل، سيصبح أول رئيس أميركي من أصول أفريقية، لكنه سيكون أيضا أول رئيس يستميت في الدفاع عن الحرية المدنية على النحو الذي تميز به طيلة سنوات خدمتة العامة؛ فقد كان مشواره أكثر اتساقاً مع قناعته من ''هيلاري كلينتون''، فيما يتعلق بقضايا الحقوق المدنية، بدءا من مسألة ''قانون المواطنة'' -الذي يقيد الكثير من تلك الحقوق- وليس انتهاء بحرق العلم الأميركي- وفي نفس الوقت لم يتردد ''أوباما'' في الاتصال بـ''الجمهوريين'' والمستقلين لحشد التأييد لآرائه ومواقفه، وبخلاف ذلك، ظلت ''هيلاري'' متعلقة بمواقف ورثتها من رئاسة زوجها التي أحبطت الكثير من الليبراليين المحافظين والمتحررين -على حد سواء- فيما يخص القضايا المدنية والحريات الشخصية التي ينص الدستور على ضرورة احترامها، فقد خلد ''أوباما'' اسمه في المجلس التشريعي لولاية ''إلينوي'' من خلال دعوته إلى إصلاح منظومة الحقوق المدنية مثل التسجيل الإجباري لكل الاعترافات والاستنطاقات الخاصة بالمتهمين في قضايا الإعدام، وبرغم المقاومة التي أبداها المدعون العامون والشرطة والحاكم الديمقراطي للولاية تمكن ''أوباما'' من حشد التأييد لمشروعه ليتم تمرير الإصلاح بالإجماع ولتتبناه لاحقاً أربع ولايات أخرى·
في مجلس الشيوخ تميز ''أوباما'' عن الباقي بتركيزه على الحريات المدنية، وجعلها إحدى أولوياته التشريعية، فشارك في رعاية مشروع قرار لمعالجة بعض اختلالات ''قانون المواطنة'' من خلال وضع شروط على التنصت من دون إذن قضائي، ووضعه ضمن حدود ضيقة، ومع أنه نجح في استقطاب الليبراليين المدافعين عن الحقوق المدنية، بل وحتى بعض المحافظين، إلا أن جهوده هذه المرة باءت بالفشل بسبب انضمام ''هيلاري'' إلى 13 عضوا ديمقراطيا آخر تقدموا باقتراح يطلب وقف النقاش حول إصلاح ''قانون المواطنة''، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تنحاز فيها ''هيلاري'' إلى الوسط في مواقفها بشأن الحقوق المدنية، بل شاركت عام 2005 في رعاية مشروع قانون يجرم حرق العلم الأميركي، رغم أن المحكمة العليا رفضت تجريم ذلك في مناسبات سابقة، والأكثر من ذلك أن ''هيلاري'' رفضت مقترحاً معتدلا يخفف من العقوبات الصارمة والإجراءات مفرطة التشدد إزاء حيازة مخدر الكوكايين، وهو الاقتراح الذي أيده ''أوباما''، فضلا عن قضاة ليبراليين ومحافظين·
المشكلة الحقيقية بالنسبة للمرشحة ''هيلاري''، وسجلها في مجال الحقوق المدنية أن إدارتها، في حال فوزها، ستشبه كثيرا إدارة ''بيل كلينتون'' الذي وإن كان يملك العديد من الفضائل والخصال الجيدة، إلا أن الدفاع عن قضايا الحقوق المدنية لم تكن واحدة منها، فبعد تفجير مدينة ''أوكلاهوما'' عملت تلك الإدارة على توسيع صلاحيات الشرطة، وهو ما مهد الطريق لصدور ''قانون المواطنة'' في صيغته الحالية وبسلطاته الواسعة التي يخولها للأجهزة الأمنية، ولا ننسى أيضا سياسة ''كلينتون'' المتشددة تجاه الجريمة التي رفعت نسبة السجناء في الولايات المتحدة وجعلتها تحتل المرتبة الأولى عالمياً في تلك النسبة على الصعيد العالمي·
وبرجوعنا إلى موقف ''هيلاري'' خلال فترة مقاضاة زوجها على خلفية علاقاته النسائية، نجد أنها لم تبدِ أي احترام للحرية الشخصية للأفراد، فقد انتقدت ''كاثلين ويلي'' -إحدى النساء التي اتهمت ''كلينتون'' بالسعي إلى مراودتها، حملة التشهير التي شنتها عليها ''هيلاري''· وقد كشف قاض فيدرالي كيف أن إدارة الرئيس ''كلينتون'' انتهكت الحرية الشخصية للسيدة ''كاثلين'' عندما نشرت رسائلها الخاصة، ومع أنه من السابق لأوانه الحكم على المواقف التي ستتبناها إدارة ''هيلاري'' في حال دخولها البيت الأبيض، إلا أن آراءها السابقة تلقي بظلال كثيفة من الشك على مسارها في المستقبل·
لعل ما يعقد الأمر أكثر بالنسبة للمدافعين عن الحريات الشخصية، هو التأييد الهزيل للقاعدة الديمقراطية لأجندتها، بحيث لا تتعدى، حسب استطلاعات الرأي نسبة 20 بالمائة، وهو ما لا يشجع المرشحين، خصوصا ''هيلاري'' التي تسعى إلى استمالة القاعدة''، لتقديم أي تنازلات، أو تحقيق التوازن الضروري بين متطلبات الأمن والحاجة إلى احترام الحريات المدنية·

جيفري روزن
أستاذ القانون بجامعة جورج واشنطن الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا