الاتحاد

تقارير

نتائج الانتخابات الرئاسية··· واستقرار أرمينيا

أحد عشر يوماً من المظاهرات السلمية تدخلت بعدها العصي

أحد عشر يوماً من المظاهرات السلمية تدخلت بعدها العصي

لقد كانت هذه المظاهرات الشعبية هي الأكبر من نوعها التي شهدتها هذه الدولة الجبلية الصغيرة مؤخراً، حيث احتشد الأرمينيون من كافة الفئات والأعمار، وسيروا المظاهرات لمدة أحد عشر يوماً متتالية في الشوارع الرئيسية، احتجاجاً على نتائج الانتخابات الرئاسية التي يعتقدون أنها قد زورت، غير أن ما بدا مظاهرات يومية عادية، يسير فيها المشاركون إلى مبنى ما من المباني الحكومية -وهم يهتفون ببعض الشعارات المعادية للحكومة- تحول يوم السبت الماضي إلى شيء مختلف جداً، ما أن لجأت السلطات لاستخدام العصي الكهربائية والغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، وبنهاية اليوم نفسه بدأت أعمال النهب والشغب في بعض أنحاء العاصمة ''يرفان'' فسارعت الحكومة لإعلان حالة الطوارئ، وعلى حد قول ''وردان أوسكانيان'' -وزير الخارجية الأرميني- فإن المزاج الشعبي العام السائد يعبر عن عزم على المقاومة، ولذلك فإن البلاد تمر بلحظة حرجة·
كانت طوابير من قوات الشرطة والجيش قد تحركت في تمام الساعة التاسعة من مساء السبت، باتجاه المتظاهرين المحتشدين في وسط المدينة، وبدأت بقذف عبوات الغاز المسيل للدموع، في ذات الوقت الذي كانت تطلق فيه الأعيرة النارية في الهواء، ومن ناحيتهم أشعل المتظاهرون الذين كانوا يحملون الخراطيم والحجارة، النيران في عشرات السيارات القريبة من ساحة التظاهرات، إضافة إلى قذف الحجارة على نوافذ البنايات المجاورة· يذكر أن أول تجمع للمتظاهرين كان قد أعقب الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في التاسع عشر من شهر فبراير الماضي، مع العلم أنها الانتخابات الخامسة من نوعها منذ استقلال هـــذه الجمهوريـــة -الواقعة في جبال القوقاز عن الاتحاد السوفييتي السابق في عام 1991-، وكان المتنافسون الرئيسيون فيها ''سيرجي سارجيسان'' -وزير الخارجية الحالي- ضد منافسه ''ليفون تير-بتروسيان'' -أكاديمي وكان أول من تسلم مقاليد رئاسة البلاد عن طريق الانتخاب الديمقراطي-، وبسبب المدة الرئاسية التي ينص عليها الدستور الأرميني الساري، فقد أغلق طريق الترشيح أمام الرئيس الحالي ''روبرت كوشاريان''·
وفــي حيــن تبنــى السيـــد ''ليفـــون تيــر-بتروسيان'' موقفاً حقيقياً معارضاً، فقد كانت بقية العملية الانتخابية برمتها مجرد إعادة لشريط الممارسة الانتخابية الشكلية التي كانت تجرى أيام الاتحاد السوفييتي، وضمن ذلك فقد كانت التغطية التلفزيونية للحملة منحازة إلى حد محرج وفاضح، في حين تولى مهمة فرز أصوات الناخبين، عدد من البدينين من أصحاب ''الكروش'' والسيارات الفارهة، الذين لا ينم مظهرهم العام عن أي صلـــة لهم بالشعــــب المغلوب المطحون، وعليه فقــد كان طبيعياً أن يبقى الحزب الحاكم حاكمـــاً، سواء أجريت الانتخابات أم لم تجر، بحصاده لنسبة 52 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين·
لكن وعلى رغم ما حدث، إلا أن جمهورية ''أرمينيا'' لا تزال مثالاً أفضل من غيرها من حيث الممارسة الديمقراطية، قياساً إلى الكثير من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، فحكومتها تفوق نظيراتها في تلك الجمهوريات من ناحية تسامحها إزاء المعارضة، بينما لم يحدث أن اختفى صحفيوها فجأة في ظروف غامضة، ليكشف النقاب عن موتهم لاحقاً، ولهذا السبب فقد كان سلوك قوات الشرطة والجيش -على النحو الذي وصف به آنفاً يوم السبت الماضي- غريباً في وسائل وأسلوب تصديه للمتظاهرين، خاصة وأن النتائج النهائية المعلنة لانتخابات الشهر الماضي، لم تحظ بالاعتراف الكامل بها بعد، تعليقاً منها على تلك الأحداث، بررت السلطات سلوكها العدواني تجاه المتظاهرين بالقول: إن شكوكاً قد شاعت حول تدبير انقلاب عسكري وشيك، ولذلك فقد اتخذت أساليب مغايرة في مواجهة المتظاهرين، وقال شهـــود عيان إنهم رأوا بعض أفراد القوات النظامية وهم يضعون البنادق والقنابل اليدوية قرب المتظاهرين النائمين، وعليه فقد بدأت المواجهـــات في صباح اليوم التالي، وأطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، ووفقاً للمعلومات الرسمية المعلنة من قبل السلطات، فقد بلغت الإصابات 31 حالة بين المتظاهرين، أحيلـــت من بينهــا 10 حـــالات إلى المستشفـــى، حيـــث تم الحجز عليها بسبب خطورة الإصابات·
إلا أن ''بوريس نافاسارديان''- رئيس نادي ''يرفان الصحفي''- وصف تلك التبريرات والحجج الحكومية بأنها واهية وغير مقنعة، لأن للحكومة خططاً مبيتة أصلاً لمواجهة المتظاهرين وتفريقهم على ذلك النحو، لكن وبحلول ظهر اليوم نفسه تجمع المتظاهرون تارة أخرى واحتلوا مواقعهم، بينما اتسمت مظاهراتهم بالعنف بحلول المساء، وفي سبيل إغلاق الطرق الرئيسية وإعاقة حركة المرور، استخدم المتظاهرون السيارات المحروقة والحافلات المحطمة، بل ألقى بعضهم الحجارة والطوب على ضباط شرطة مكافحة الشغب·
يذكر أن هذه الانتخابات كانت منذرة بانفجار الوضع الأمني منذ بدايتها، وليس أدل على ذلك من النتيجة التي توصلت إليها ''منظمة الأمن والتعاون الأوروبية'' ؟التي بعثت 333 مراقباً لهذه الانتخابات- بقولها: إن فرز نسبة لا تقل عن 16 في المائة من مجموع أصوات الناخبين كان سيئاً للغاية، ففي مركز واحد فحسب من المراكز الانتخابية، أعلن عن إلغاء ربع أصوات الناخبين، أما في مركز آخر فلم يكن هناك سوى صوت واحد معارض، بينما أحصيت جميع الأصوات الأخرى البالغة 1449 صوتاً لصالح السيد ''سارجسيان''، وتعليقاً على ذلك أكد ''جيرت أهرينز'' -رئيس المنظمة الأوروبية المذكورة- أنه أخطر الحكومة قائلاً لها:'' إن هذه النتيجة مبالغٌ فيها وهي أشبه بولادة كلب بخمس أرجل''·

سابرينا تافيرنيز- أرمينيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا