الاتحاد

تقارير

اليونان وكاليفورنيا...أوجه المقارنة

لو كنت حاكماً لولاية كاليفورنيا، ومبتلياً بأزمة ميزانية مستعصية. ولو كنت قد طلبت العون من الحكومة الفيدرالية ورفض طلبك بجفاء، ولو كنت منحدراً من أوروبا وعرفت أن الاتحاد الأوروبي قد وافق -من حيث المبدأ على الأقل- على إنقاذ اليونان من أزمتها الاقتصادية، فلربما غمغمت قائلًا: يا إلهي ما هذا الذي يحدث؟ فعندما تأتي اليونان -وهي بلاد جميلة، وإن كانت صغيرة ومغمورة نوعا ما ـ لزيارة بروكسل، فإنها تقابل بالترحاب وتقدم لها النصائح، أما عندما تأتي كاليفورنيا، وهي قوة اقتصادية كبيرة لزيارة واشنطن، فإنها تستقبل استقبالًا بارداً من قبل الجميع تقريباً.
والسبب الذي يسوقه البعض، لتبرير ما أعلنته فرنسا وغيرها من القوى الاقتصادية في أوروبا من أنها ستعمل على إنقاذ اليونان، هو أنها تقتسم مع اليونان عملة مشتركة، وبالتالي فإن عجز الحكومة اليونانية عن تسديد الديون المستحقة عليها في مواعيدها، سيترتب عليه تأثيرات ضارة للغاية على "اليورو" وعلى الاقتصاد الأوروبي كله بالتالي. حسنا لكن يجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة وكاليفورنيا يقتسمان عملة مشتركة.
وماذا عن تلك الأحاديث التي تدور حول التأثيرات المدمرة؟ ليس هناك بنود قانونية يمكن بموجبها اعتبار ولاية أميركية قاصرة عن سداد ديونها وهو ما يعني أن كاليفورنيا لا يمكن أن تتنصل من ديونها، وكل ما يمكن لها أن تفعله في حال ما إذا تراكمت عليها الديون، هو رفع الضرائب ورسوم التعليم ، والاستغناء عن المدرسين ورجال الشرطة والممرضات، واتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لتحقيق المزيد من التوازن في ميزانيتها، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى جولة جديدة كارثية من حالات الحجز على العقارات المرهونة لاستيفاء ما عليها من ديون، وحالات إفلاس البنوك.
بالإضافة لذلك، تعني كاليفورنيا للولايات المتحدة أكثر مما تعنيه اليونان لأوروبا. فكاليفورنيا هي أكبر ولاية أميركية على الإطلاق، لدرجة أن واحدا من بين كل ثمانية أميركيين ينحدر من كاليفورنيا. والناتج المحلي للولاية يمثل 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بأسرها.
قد تبدو الصورة أكثر وضوحاً عند مقارنة كاليفورنيا باليونان. فعدد سكان اليونان لا يزيد عن 2 في المئة من سكان أوروبا، كما لا يزيد ناتجها المحلي الإجمالي عن 2 في المئة عن الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من أن المشكلات التي تعاني منها كاليفورنيا قد لا تكون سبباً مباشرة في هز استقرار الدولار، فإنها يمكن أن تلعب دوراً في تعطيل التعافي الاقتصادي الأميركي لفترة أطول مما يمكن للمشكلات التي تعاني منها اليونان أن تفعله بالنسبة للاقتصاد الأوروبي.
صحيح أن" الولاية الذهبية"( كاليفورنيا) و"مهد الديمقراطية"(اليونان) يمتلكان ثقافة سياسية تعاني من خلل وظيفي فادح، إلا أن الواقع يثبت أن رئيس الوزراء اليوناني الاشتراكي" جورج باباندريو" قد أنجز إصلاحات مهمة في نظام بلاده السياسي، أكثر مما فعله حاكم كاليفورنيا للخروج من حالة الركود السياسي في ولايته.
وأي حديث عن تقديم حزمة إنقاذ لكاليفورنيا سيستثير غضباً داخل أميركا خصوصاً على ضوء أن كل ولاية تقريباً تعمل في الوقت الراهن على رفع الضرائب، وتقليص الخدمات من أجل الخروج من حالة الركود التي يمر بها اقتصادها. فمن المؤكد في وضع كهذا أن يتساءل البعض مستنكرا: ولماذا تحصل كاليفورنيا بالذات على معاملة خاصة؟ وكما تبين ردود الفعل على صفقة "الرعاية الصحية + المساعدات الفيدرالية لولاية نبراسكا"، التي قدمها السيناتور" بن نيلسون" فإن قيام السلطات الفيدرالية بمساعدة ولاية واحدة على الخروج من أزمة تواجهها الولايات التسع والأربعون الأخرى، ليس بالبداية الملائمة.
بعض "الديمقراطيين" المنتقدين لصفقة"نيلسون" لم يكونوا يريدون المس بصفقته، وإنما كانوا يريدون أن تحصل كل ولاية من الولايات الأخرى على نفس المزايا والمعاملة التي يطالب بها لنبراسكا، أي على مساعدات فيدرالية للمرضى الجدد الذين تمت تغطيتهم من خلال الإصلاحات الجديدة في نظام الرعاية الصحية. وهذا النوع من الحلول هو بالضبط ما يمكن أن يمثل جزءاً من الحلول التي يمكن بها لولاية كاليفورنيا التغلب على مشكلاتها. الفارق الذي يكتسب أهمية كبيرة للغاية خلال فترات التراجع الاقتصادي، هو أن السلطات الفيدرالية تستطيع - بل وتقوم بالفعل - بإدارة اقتصادها بالعجز حسب المفهوم "الكينزي"، في حين أن الولايات المضطرة للعمل على تحقيق التوازن في ميزانياتها لا تجد من وسائل أمامها سوى زيادة الضرائب، وتقليص عدد البرامج، أو تقليص ميزانية تلك البرامج. معنى ذلك أن ما يحدث في الولايات المتحدة خلال فترات التراجع الاقتصادي هو أن السلطات الفيدرالية تعمل على تنشيط الاقتصاد في الوقت الذي تعمل فيه الولايات على تثبيطه، وهو عكس ما يحدث في الديمقراطيات الأخرى.
استطيع أن أضمن لكم أن كاليفورنيا لن تتمكن من الحصول على حزمة إنقاذ لها، ولا يجب أن يكون هذا هو ما تطالب به. فما يجب أن تطالب به كاليفورنيا هو أن تتولى الحكومة الفيدرالية المسؤولية (كون ذلك على نحو مؤقت أو دائم، أمر يحتاج إلى مناقشات أوسع نطاقاً) عن كل وظيفة رئيسية من الوظائف التي تضطلع بها الولايات كالتعليم على سبيل المثال (حتى لا تضطر المدارس لتعيين معلم واحد للتدريس لأربعين تلميذا في الفصل انتظارا لخروج الاقتصاد من عثرته).
ما يمكن قوله في النهاية إن الاتحاد الأوروبي يثبت في الوقت الراهن أنه اتحاد أكثر عملية وفائدة من الولايات المتحدة الأميركية ذاتها. وأنت لست في حاجة لأن تكون حاكماً من أصل نمساوي لولاية كاليفورنيا كي تدرك ذلك وتقول لنفسك" ياله من أمر يدفع للجنون"!


هارولد مايرسون
محلل اقتصادي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا