الاتحاد

دنيا

جسر المقطع .. إنجاز يعيد إلى الأذهان ذكرى البدايات

جسر المقطع

جسر المقطع

خورشيد حرفوش (أبوظبي) - ما من عابر قادم أو مغادر لمدينة أبوظبي عبر منفذها الشهير «جسر المقطع» الذي يمتد عمره إلى ما قبل عام 1968، إلا ويتذكر مرحلة البدايات العظيمة العملاقة لبناء دولة الاتحاد الحديثة، ويستغرق بذاكرته متأملاً لاستعادة الحالة التي كان عليها جسر المقطع بحالته البدائية قبل هذا التاريخ.
يقع الجزء الأهم من مدينة أبوظبي على جزيرة أبوظبي التي هي أكبر جزر الإمارات، وترتبط باليابسة عن طريق جسرين يسميان جسر المقطع، وجسر المصفح، ورغم قصر الجسرين إلا أن وجودهما يحافظ على استمرار أبوظبي كجزيرة منفصلة، تحدها مياه البحر من كافة الجهات، ولذلك فقد كثرت فيها الشواطئ والمتنزهات المطلة على البحر.
لم تكن الطريق الرئيسية التي تربط بين أبوظبي ودبي والعين معبدة، بل كانت الرحلة إلى دبي عبر الطريق الصحراوية القديمة من أكبر المغامرات التي يمكن أن يقدم عليها مغامر شاب، ربما كانت بعض الطرق معبدة بشكل بدائي، ومن يغادر أبوظبي إلى العين عبر هذا الجسر، كان عليه أن يضع في حساباته أنه يسير عبر طرق شبه مقطوعة، فنادراً ما يصادف سيارات أو قرى أو حتى بيوت أو محطات بترول أواستراحات، أو أي نوع من خدمات الطرق.
محطة مراقبة
جسر المقطع كان عـبارة عن مجرد معبر رملي يمـر عليه الناس والسيارات، يحرسه معلمه الشهير «برج المقطع»، الذي يعد أحد أبرز معالم إمارة أبوظبي، فلا يمكن الحديث أو الكتابة عن تاريخ أبوظبي الاجتماعي والاقتصادي، دون التطرق إلى تاريخ منطقة المقطع التي تعد بوابة أبوظبي الرئيسية نحو حدودها الجنوبية. فهذه البوابة الجنوبية تمثل جزءاً أصيلاً من جغرافية واستراتيجية المكان وأصل تسميته، فمنطقة المقطع تشكل جزءاً رئيسياً من منظومة الحراك الاجتماعي التاريخي لإمارة أبوظبي خاصة في النصف الأول من القرن العشرين، وقبل أن يشيد الجسر في هذا المكان، وحيث كانت قوافل الإبل سواء تلك القادمة إلى أبوظبي أو تلك المغادرة منها تتوقف عنده.
من الآثار التاريخية الخالدة حتى اليوم في مدينة أبوظبي، حصن جسر المقطع الرابض منذ أكثر من مائتي عام وسط الماء.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن عمليات بنائه قد تزامنت مع بناء قصر الحصن في مدينة أبوظبي. وقد بنى الحصن في تلك المنطقة لاستخدامه كمحطة أو كجهاز للمراقبة لرصد أي تحركات معادية ضد السكان في ذلك الوقت، وإبلاغهم بالاستعداد لمواجهة أي أخطار تهددهم، وذلك لأنه من المعروف أن عمليات المد والجزر لعبت دوراً كبيراً في فصل جزيرة أبوظبي عن البر الرئيسي للإمارة مما كان يؤدي إلى وجود مسافة كبيرة بين الماء واليابسة، وكان لا بد من وجود نقطة إنذار أو مراقبة تنبه السكان إلى وجود خطر يتربص بهم من ناحية البر ومن أجل ذلك تم إنشاء هذا البرج ليؤدي هذه المهمة، وكانت توجد بجواره قلعة صغيرة لحمايته ولكنها تهدمت بفعل الزمن، لكن نظراً لقيم الحصن التراثية والتاريخية في تاريخ إمارة أبوظبي، ودولة الاتحاد، فقد خضع لعمليات ترميم مهمة في السنوات الماضية، كما هو الحال بالنسبة لمعظم الحصون الموجودة في الدولة.
جسر المقطع
بعد تولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، مقاليد الحكم عام 1966 في إمارة أبوظبي، كان تحسين شبكة المواصلات بين جزيرة أبوظبي والمناطق الداخلية من الإمارة، يشكل إحدى أولويات برنامج عمل الحكومة، وتمت بالفعل عملية التشييد عام 1968، ليحافظ الجسر بصورته الحالية على مكانته الحيوية كعقدة مواصلات رئيسية بين جزيرة أبوظبي والمناطق البرية من الإمارة، وترافقت عملية التشييد بالإعلان الرسمي بأن البريطانيين سوف ينسحبون من المنطقة في نهاية عام 1971، ليواكب أيضاً حركة بناء المجتمع الجديد مع المباشرة ببدء تصدير النفط من الحقول البحرية في أبوظبي الذي بدأ عام 1962.
وما يلزم ذلك من بناء شبكة طرق ومواصلات تتناسب والحالة الجديدة من البناء والنهضة والتنمية، وتنفيذ برنامج تطوير يوفر للناس المرافق الخدمية الحديثة التي كانوا يتطلعون إليها، ومن ثم لعب جسر المقطع دوراً حيوياً مهماً في تيسير الانتقال، وتذليل حركة الشركات العاملة في عمق الصحراء، مما أتاح زيادة الإنتاج اليومي من النفط بشكل كبير.
وساهم هذا الإنتاج، كما هو عليه الحال اليوم، في تغذية آليات التطوير، وتحقيق حياة أفضل لسكان أبوظبي، وأصبح هذا الجسر جسداً خالداً وشامخاً، وشاهداً على مسيرة أربعة عقود من التطور والتقدم والازدهار.

اقرأ أيضا