الاتحاد

دنيا

قصر «رياس البحر» يشهد على هيمنة البحرية الجزائرية على البحر المتوسط

مشهد عام للقصر

مشهد عام للقصر

قد لا يلفت «قصر رياس البحر» بالجزائر العاصمة انتباه زائري المدينة الذين لا يعرفونه، فالقصور والمباني العصرية الفخمة المحاذية له كثيرة، وهو لا يبدو شيئاً مذكوراً أمام المعهد العالي للموسيقى، المبنى الزجاجي الفخم الذي يزهو في الجانب المقابل له، ولكن من ينتبه إلى هوية هذا القصر ويدفعه فضوله لدخوله والتجول في أرجائه، سيغيِّر تماماً نظرته إليه ويدرك انه أمام أحد أجمل القصور في الجزائر؛ الأثرية والعصرية معاً.

يقع قصر رياس البحر في أسفل بلدية القصبة، ولا يبعد عن البحر سوى بأمتار قليلة، ويفصله عنه جدارٌ منيع من الحجارة الضخمة، ويعود تاريخ بنائه إلى سنة 1576 ميلادية، وبناه الحاكم العثماني بالجزائر رمضان باشا ليكون مقرا لقادته البحريين، فهو بمثابة قيادة القوات البحرية الآن، وكان العثمانيون يركزون بشكل مفرط على سلاح البحرية قصد التصدي للغارات الأوروبية وهذا منذ ضمهم الجزائر إلى الخلافة العثمانية في عام 1518م بناءً على طلب السكان الذين عانوا الأمرِّين من الحملات الإسبانية والبرتغالية المكثفة على المدن الساحلية وعلى رأسها الجزائر العاصمة لملاحقة الآلاف من سكان الأندلس الذين لم يتوانوا عن اللجوء إليها منذ سقوط غرناطة في 1492م.
صمود وانكسار
استطاع البحارة العثمانيون وفي مقدمتهم الأخوان عروج وخير الدين بربروس صدَّ الحملات البحرية الإسبانية والبرتغالية وكذا الفرنسية والإنجليزية الضارية على الشواطئ الجزائرية بفضل التركيز على تطوير الأسطول والدفاعات البحرية، وكانت شواطئ القصبة عاصمة الحكام العثمانيين بالجزائر، إحدى القِلاع التي تصدت للغزاة بكثافة مدافعها. ولاحقاً شعر الحاكم رمضان باشا الذي حكم الجزائر بين بين 1576 و1577 م بضرورة تأسيس قيادة للقوات البحرية فأنشأ «قصر رياس البحر» وكان لهذه القيادة دورٌ فاعل في بناء أسطول قوي ودفاعات بحرية متينة على مختلف الشواطئ الجزائرية والتصدي للأساطيل الأوربية في عرض البحر المتوسط، ولاحقاً هيمن الأسطول الجزائري على البحر المتوسط وأصبحت مختلف سفن وأساطيل العالم تهاب جانبه وتتفادى الصدام معه.
وفي عام 1827 أنهى الأوروبيون تفوق الأسطول الجزائري في معركة «نافارين» الشهيرة في بحر البلقان حيث ذهب لنجدة الأسطول العثماني أمام مجموعة الأساطيل الأوروبية التي استفادت من التكنولوجيا الحديثة، ولم تتمكن سوى 23 سفينة من العودة إلى الجزائر من مجموع 450 سفينة يضمها الأسطول، وتمكنت فرنسا أخيراً من احتلال الجزائر دون مقاومة تُذكر في عام 1830، لاسيما وأن الحكام العثمانيين للجزائر اعتمدوا فقط على تطوير السلاح البحري وأهملوا تماماً القوات البرية. وقامت فرنسا بعزل قصر «رياس البحر» عن بقية القصبة منها هدمت الجزء السفلي من عاصمة العثمانيين لتبني بدلها منشآت معمارية فرنسية الطراز، وبالتالي يعدُّ هذا القصر الشاهد الوحيد على امتداد قصبة العثمانيين إلى البحر، وأصبح بدوره مقرا لإقامة الضباط السامين لأسطول البحرية الفرنسية.
وبعد استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962 تعرض القصرُ للإهمال فاستغلته عائلاتٌ جزائرية للإقامة إلى غاية عام 1980 حيث قامت السلطات بترحيلها إلى سكنات جديدة وأغلقته تمهيداً لترميمه. وزاره خبراء آثار من اليونسكو بين 1980 و1986 لدراسة مشروع الترميم، وانطلق المشروع فعلاً في 1986 وانتهى في 1992 وبعدها صنفته اليونسكو تراثاً عالمياً وهي التجربة الأولى في مجال استعادة القصور التاريخية وترميمها وفتحها للزوار.
تصميمٌ بديع
حرص المهندسون العثمانيون على تصميم قصر «رياس البحر» في أبهى حلة، ولاسيما في جانبه الداخلي الذي يتميز بقدر عال من الجاذبية. وتبلغ مساحة هذا القصر وساحته 3469 متراً ويتكون في الواقع من ثلاث قصور كبيرة فخمة وهي «قصر 17، قصر 18، وقصر 23» إضافة إلى ستة بيوت صغيرة لإقامة العائلات وتمسى «بيوت الصيادين» أو «بيوت رياس البحر» ومكتبة وإدارة. وقد تمَّ فتح «قصر 23» أو «حِصن 23» أمام الزوار وكذا أمام النشاطات الثقافية المختلفة وفي مقدمتها المعارض المتعلقة بكل ما هو تراثي، وصنّف كمتحف وطني.
وتتميز هذه القصور أو «الحصون» بهندسة معمارية بديعة تدل على مدى الأهمية القصوى التي كان يوليها العثمانيون للجانب المعماري الجمالي، وهذه الهندسة لا نراها إلا في البنايات العثمانية بأجزائها المعروفة وأشهرها «السقيفة» وهي فضاء أو ممرّ مغطى يربط الداخل بالخارج، و«وسط الدار» وهو مركز القصر ووسطه وتحيط به غرفه من كل جانب بشكل تقابلي، و«الصحين» وهي أروقة مربعة تحيط بـ«وسط الدار» على شكل شرفات داخلية وتضمن الانتقال بسلاسة من غرفة إلى أخرى، فضلاً عن «بيت الصابون» و«الخيامة» أو المطبخ والأعمدة اللولبية المصنوعة من الرخام الأبيض والأبواب ذات الأقواس والنوافذ الصغيرة العالية التي تضمن دخول الضوء والهواء، وغيرها من مكوِّنات القصور ذات الطابع المعماري العثماني.
واهتم العثمانيون بالزخرفة اهتماماً كبيراً بشكل يظهر على كل جزء من القصور سواءً على الجدران أو الأعمدة المرمرية أو الأقواس أو الأرضيات. وتأخذ الأقواس أشكالاً متجاورة منكسرة في القمة أما التيجان فهي من الحجر الكلسي أو المرمر بينما تزخرف الأسقف بأشكال هندسية ونباتية ملونة بألوان عديدة زاهية، مرسومة أو منحوتة، وتم تزيين الجدران والأرضية ببلاطات خزفية جميلة.


محيط رائع لقصر أروع

محيط «قصر الرياس» فهو لا يقل روعة عن داخله، حيث يقع بجوار شاطئ جميل يفصل بينه وبين البر جدارٌ عال عادة ما يستند إليه الزوار بمرافقهم وهم يتأملون البحر، بينما يقابل القصر حديقة صغيرة مزدانة بالأشجار لعل أجمل ما فيها مجموعة من التماثيل الرخامية لفرس البحر وسط نافورة مياه، ويحلو للجزائريين التقاطُ صور لهم أمام هذه التماثيل الجميلة وخلفهم قصر رياس البحر، حيث تبدو التماثيل وكأنها تسبح داخل حوض من المياه.

اقرأ أيضا