صحيفة الاتحاد

الإمارات

أفلام تسجيلية وروائية تعبر عن مواقف مخرجيها



د· سلمان كاصد:

من فيلم (اختلال) الى فيلم (الديمقراطية) مروراً بـ (أنفاس محارب) و (آخر بحريني) و (القاهرة - دبي - القاهرة -) ترى التنوع والإمكانات المختلفة متجسدة في صناعة هذه الأفلام·· لكن من الصعب جداً أن تضع معايير ثابتة لتحكم بها على ما قدم من إنجاز فيها جميعاً·· انها مختلفة في المسميات التصنيفية أولاً بين ما قدم من (طلبة) وما قدم (عاماً)· وبين عناوين انتمائها الى ما هو (تسجيلي) وما هو (روائي)· كذلك تحتار بين ما تم التعاطف جماهيرياً معه وبين ما أخذ جماهيرياً أيضاً بحذر شديد· أول هذه الأفلام كان (اختلال) تسجيلي بطول 10,2 دقيقة وهو ضمن المسابقة الإماراتية الخليجية (طلبة) قدمه المخرجان معاذ بن حافظ ومنير محمد، يتحدث بل يستطلع آراء فتيان وفتيات في لغتهم العربية وتغريبهم عنها الى اللغة الإنجليزية بفعل انفتاح أسرهم ومجتمعهم على عالم الغرب والتكنولوجيا·
مؤيد ومعارض
فتيات عربيات يعللن تمسكهن باللغة الإنجليزية بأنها لغة العصر وفتيان لا يجدون غير الإنجليزية لغة للتفاهم بل يعدونها لغة لا تضاهيها أخرى، وآخرون يجدون أن العربية أنقى وأجمل وأكثر موسيقية وجمالاً· موضوع مثير وانتقالات سريعة ومواقف محرجة واستنكاف من الجمهور لمن يحاول أن يلغي اللغة العربية·· انه فيلم يعبر عن موقف لا يفصح عنه بل يضع المشاهد في بؤرة هذا الموقف وكأنه جزء من الفيلم بل ومن الشخوص بدون أن يدري·
أما (أنفاس محارب) للمخرج العماني يوسف بن محمد البلوشي وهو عمل روائي بطول 12,29 دقيقة من المسابقة الخليجية (عام) فقد ظل متابعاً الموجة الأميركية في تصوير مشاهد الحرب تقطعه بعض الاستذكارات والفلاش باك الى الطفولة عبر التذكرات التي رصدها المخرج (بالأبيض والأسود) بينما نقل واقع لحظة ما تجري من أحداث بالملون· انه تساؤلات ضد الحرب، الموت في حال قدرتها على أن تخلق وتؤصل الانفصام والشوزفرينيا في شخصية المحارب· الموسيقى جنائزية والموقف يتجسد رافضاً لأدوات الحرب ولمعناها عبر كلمته الأخيرة (الى متى)·· مع حلول بارعة طرحها البلوشي في هذا الاغتسال النهائي تحت شلال من الماء، لا ليغسل المحارب جسده تحته ولكن ليغسل أدران الحرب من الذات، إنه حل جميل وموفق مصحوباً بموقف كان المفروض أن يخبأ كي لا يبدو مباشراً·
آخر بحريني
(آخر بحريني) فيلم إشكالي من إخراج فريد الخاجة وهو روائي من المسابقة الخليجية (طلبة) بطول 6,30 دقيقة· تأتي إشكاليته عبر دلالاته المتعددة والتي تتنوع في ذهن المشاهد الواحد ابتداء من العنوان حتى الدلالات الغائمة والتي تجمع بحرينياً ركب مع سائق هندي·· يبتدئ الفيلم عند محل يحمل لافتة بعنوان (الوكاس) وينتهي بذات المكان نفسه·· انه يقفل الدائرة عند نفس المكان وبنفس اللقطة وكأنه يوظف المكان كي يخدم دلالات نصه القصصي· بعد أن يدور (البحريني) في الشوارع هائماً، يبحث عن شيء ما يركب سيارة للأجرة ويشاهد هندياً، يحاول أن يسرق منه ساعته فيدور بينهما حوار طريف حول ساعة الهندي الذي يصفها بالرائعة والغالية الثمن غير أن الغرابة الأولى عندما يسأله البحريني من أين أنت، فيرد الهندي بأنه مواطن ويخرج جوازاً بحرينياً بلون أحمر، وينتقم البحريني منه بأن يسرق منه جوازه ونقوده إلا أنه يستكبر على ذاته ذلك فيردها إليه غاضباً ليلقيها في وجهه مستنكراً ليدور البحريني في الشوارع ثانية بانكسار· إنه يحمل دلالات متعددة كما قلت، يحمل تساؤلات غريبة، ولا يفصح عن الكثير ليدعو المشاهد كي يحلل ويستنتج ويقارب ويستنكر لأنه قد يتساءل لماذا كان عنوان الفيلم (آخر بحريني)·
القاهرة - دبي - القاهرة
فيلم(القاهرة - دبي - القاهرة - دبي) للمخرج مصطفى زكريا وهو روائي بطول 29,17 دقيقة من المسابقة الإماراتية (طلبة)· يبدأ ببكاء (جمعة) عند قبر أبيه· بعد أسبوع تموت أمه حزناً على أبيه، غير أنه يكتشف عبر محام أن أمه تركت له ولأخيه (تميم) 15 مليون دولار إرثاً فيقرر الهرب بهذا المبلغ خوفاً من أن يتقاسمه مع أخيه المتدين والذي يؤدي في تلك اللحظة مراسم الحج· ويختار (دبي) ليهرب إليها (جمعة) وحينها يرجع الأخ (تميم)، يفاجأ بموت أمه وأبيه وبسرقة أخيه (جمعة) ذهب أمه الذي حسبه يقدر بـ (50 ألف جنيه) فيقرر (تميم) البحث عنه فيذهب خلفه الى (دبي)· انها رحلة مكوكية تجسدها صورة الطائرة الذاهبة من والى دبي والقاهرة وليس أمام (تميم) إلا أن يحلق لحيته ويلبس ملابس غربية ليبحث عن أخيه (جمعة) الذي سرق ذهب أمه، وبعد أن يدخل حانة تتعلق به فتيات الليل لينادينه باسم أخيه (جمعة) الذي يشبهه ويذهب إليه ليقف (تميم) المتدين أمام (جمعة) السارق ويكتشف أن الأخير قد اشترى (بيتاً وسيارة وصديقة أجنبية من فتيات الليل)· يلتقي الأخوان وجهاً لوجه· المتدين (تميم) يقف محاكماً أخاه بسلطة القيم الدينية وجمعة يجلس منكسراً، بفعل الذنوب الكثيرة، إلا أن غلطة (تميم) أنه وقع في وهم أن ما سرق من أمه لا يتعدى 50 ألف جنيه فيطالب بها جمعة الذي أعطاه هذا المبلغ مختالاً· يرجع (تميم) ويبني نفسه في القاهرة ويخسر (جمعة) كل نقوده مع بنات الليل ويرجع مهزوماً·· إلا أن مكالمة هاتفية من مصلحة الضرائب في القاهرة تنهي الحكاية حين تطلب المصلحة من (تميم) ضرائب تقدر بمليون ونصف المليون من الدولارات فيتساءل لماذا لتخبره أن إرث أمه الذي استلمه (جمعة) كان خمسة عشر مليون دولار، حينها يقع في الصدمة·
فيلم بقصة طويلة وبزمن مستعرض قصير· هي ذات الإشكالية التي تختصر الحكاية عبر شفرات واختصارات سريعة لم يكن أمام المخرج مصطفى زكريا إلا أن يقدم الحكاية فلم يلتفت الى التقنية التي يجب أن تمتد لتوازي النص الحكائي·· تلك إشكالية أخرى لم تسعف المخرج أولاً وثانياً طبيعة الحكاية المهزوزة والنموذجين المتنافرين اللذين يذكراننا بقصص (ألف ليلة وليلة) التقليدية·
الديمقراطية
للمخرج مشعل محمد العنزي قدم فيلم (الديمقراطية) وهو روائي بطول 5,30 من المسابقة الخليجية (عام)· يروي حكاية أطفال من مختلف الجنسيات العربية يذهبون الى المدرسة، وفي الصف الدراسي يقف معلم يلبس قبعة (تغريب· بريختي مقبول)· المشاهد صامتة تماماً يحسب للمخرج العنزي حيث ينعدم الحوار الى الصفر ليدخل طالب أجنبي فيزيح طفلاً، ويلقيه أرضاً مع كتبه ليجلس مكانه على (الرحلة - الكرسي)·· تسود الشاشة تماماً وتتفجر أصوات لإطلاقات نار ومدافع·· الرمزية هنا متحققة وناجحة تماماً· إلا أن المشهد المكمل للنص يزيح كل ذلك عندما يظهر صبي - الطالب نفسه يرتدي علم العراق وهو مطروح أرضاً وبجانبه طالب يرتدي علم السعودية وآخر يرتدي علم الإمارات ليساعداه على النهوض، تصاحب ذلك موسيقى لأغنية (فوق النخل لناظم الغزالي) لينتهي العرض المسرحي الذي كان يقدمه هؤلاء الطلبة في المدرسة· هنا ينتهي الفيلم أيضاً بمشهدين، الأول كان يحمل دلالات تتيح للمشاهد تفسيرها· انها إشارات نصية لا تعطي المشاهد إلا أن يكون مشاهداً إيجابياً يشترك في صياغة الدلالة غير أن المخرج لم يبق عند هذا المستوى من الغموض الشفاف ليدخل في دائرة الوضوح المكشوف ليقدم المعلومة كاملة للمشاهد بموقفه الشخصي (المخرج) من القضية السياسية حتى أنه يحول فيلمه الى بوستر سياسي مفضوح تماماً ليقتل جمالية غموض قسمه الأول، ولو بقي عليه لكان قدم لوحة سينمائية رائعة، فقد حول المشاهد من مشاهد إيجابي الى مشاهد سلبي وألغى البنية العميقة في القسم الأول الى بنى سطحية في القسم الثاني، أي حول فيلمه السينمائي من لوحة تشكيلية الى بوستر سياسي وهذا ما كان ليحصل لولا الإغراق في المباشرة في الرمز·