الاتحاد

تقارير

أسلوب أوباما... ملاحظات على العام الأول

روبرت ليبر
أستاذ إدارة الحكم والشؤون الدولية بجامعة جورج تاون


بالنسبة لرئيس لديه أجندة داخلية ملأى بالتحديات وتجربة محدودة في السياسة الخارجية، فيمكن القول إن أوباما قام بدور عالمي نشط على نحو غير عادي. فقد عرض مبادرات سياسية مهمة للانفتاح على خصوم أميركا، وألقى خطابات تاريخية في القاهرة وبراج وموسكو والأمم المتحدة، وحطم رقماً قياسياً بزيارات إلى أكثر من عشرين بلداً خلال عامه الأول في البيت الأبيض. غير أننا بالمقابل لن نستطيع معرفة ما إن كانت زيادة عديد الجنود في أفغانستان قد أتت بالنتائج المرجوة إلا بعد عام على الأقل. كما أن إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا وكوبا فشلت في قبول يد أوباما الممدودة. أما روسيا، فإنها مترددة في دعمها لسياسةٍ أكثر فعالية تجاه برنامج إيران النووي، شأنها في ذلك شأن الصين التي لم تبدِ أي مؤشر على السماح لقيمة عملتها بالارتفاع مقابل الدولار.
أما بين الحلفاء، فلم يُظهر الأوروبيون سوى استعداد محدود لتوفير مزيد من الجنود لأفغانستان، كما رفض معظمهم استقبال معتقلي جوانتانامو على أراضيهم، في وقت تثير فيه كوريا الجنوبية وكولومبيا قلقاً لأميركا حول السياسة التجارية. وعلاوة على ذلك، فإن مبادرات أوباما القوية في الشرق الأوسط جعلت عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية أسوأ حالاً من ذي قبل، حيث فشلت في كسب دعم الدول العربية وخسرت دعم الجمهور الإسرائيلي.
صحيح أن التقييمات الأولى تركز على تفاصيل سياسات محددة وخطوات خاطئة ليست غريبة عن أي رئيس جديد؛ ولكن التفسير الأساسي يتعلق ربما بأسلوب عمل الرئيس أوباما الفريد من نوعه.
فأولا، هناك نزعة أوباما اللافتة إلى تقديم نفسه على أنه تجسيد للسياسة الأميركية. صحيح أن الجاذبية الشخصية تمثل وسيلة سياسية ودبلوماسية مفيدة، حيث تؤكد استطلاعات الرأي في أوروبا، وبدرجة أقل في آسيا والشرق الأوسط، أن الأجانب يفضلونه على سلفه كثيراً؛ غير أن التركيز على شخص الرئيس أخذ يتضاءل ويتلاشى بسرعة.
لقد سلطت الكلمة التي ألقاها أوباما أمام اللجنة الأولمبية في كوبنهاجن الضوء على جذوره المنحدرة من شيكاجو، ولكنه مني بفشل ذريع. وفي الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، قال أوباما "إنني أدرك جيداً التوقعات التي ترافق رئاستي عبر العالم"، ولكنه لم يحقق أي نتائج ملموسة تقريباً. ثم في رسالة الفيديو التي بعث بها إلى ألمانيا بمناسبة الذكرى العشرين لسقوط جدار برلين، وأغفلت الأدوار التي لعبها ميخائيل جورباتشوف، ورونالد ريجان، وفاكلاف هافل، وآخرون، قال إن "القليلين كانوا يتوقعون أن يقود الحليفَ الأميركي (لألمانيا) رجل ينحدر من أصول أفريقية"، تاركا جمهوره مستاء من عدم حضوره شخصياً. وكل هذه الأمثلة تترك انطباعاً متنامياً حول اعتمادٍ مبالغ فيه على قدرات أوباما على التفسير ومخاطبة الجمهور وطمأنته.
ثانياً، يبالغ أوباما في تقدير إلى أي حد يحدد خصوم أميركا سياساتهم كرد فعل على خطاب وسياسة الولايات المتحدة، بدلاً من كونها تعبيراً عن قيمهم وتاريخهم ومصالحهم الخاصة. ذلك أن التركيز على الاعتماد المتبادل، والنوايا الحسنة، والفكرة التي مؤداها أن "مصالح الدول والشعوب مشتركة" قاصرة عن تفسير دوافع فلاديمير بوتين، وهوجو شافيز. والرسالة التي تُفهم هي أنه لو أنه يستطيع طمأنة الخصوم أو الحلفاء بأن نيته– وبالتالي نية أميركا - حسنة، فإن التهديدات أو المشاكل يمكن أن تخف أو يتم التغلب عليها تماما.
وفي سعيه إلى جسر الاختلافات، يعمد الرئيس أحياناً إلى التقليل من شأن الفرق بين الحلفاء والخصوم، والسعي إلى المساواة بين أنواع مختلفة من المسؤولية. فعلى سبيل المثال، أشار أوباما في الخطاب الذي ألقاه في القاهرة إلى المصادر الغربية لمشاكل المنطقة، ولكنه قلل بالمقابل من شأن الأسباب المحلية مثل السلطوية والفساد والعراقيل الداخلية التي تحول دون تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي.
ثالثاً، تظل هناك مشكلة افتقار الرئيس للتجربة. فقد وصل أوباما إلى السلطة وفي جعبته تجربة تشريعية محدودة جداً ومن دون أن تكون لديه تجربة إدارة أي مؤسسة كبيرة، عامة أو خاصة. والنتيجة خطوات خاطئة تنم في أعين الزعماء الأجانب عن الارتباك والتردد وعدم اليقين. صحيح أن بعضها كانت هفوات صغيرة، مثلما رأينا في تقديم هدية بسيطة هي مجموعة من أقراص الـ"دي. في. دي" لأفلام أميركية إلى رئيس الوزراء البريطاني، والانحناء للامبراطور الياباني، وتضمن خطاباته لمعلومات غير دقيقة أحياناً. غير أن أخطاء أخرى كانت أهم وأثقل وطأة، ومن ذلك تسريبات محرجة حول السياسة الأميركية تجاه أفغانستان، في الوقت الذي كان يبحث فيه الرئيس طلب الزيادة في عديد القوات وماطل في دراسة ما وصفه في أغسطس الماضي بأنه حرب ضرورية. كما بدأ زعماء بلدان حليفة بالجهر بتشككهم على نحو صريح، حيث عبَّر الزعيمان البولندي والتشيكي، مثلًا، عن استيائهما من إلغاء قرار نشر نظام مضاد للصواريخ في بلديهما. وبعد إلقاء خطاب أمام الأمم المتحدة، لفت الرئيس الفرنسي إلى أن "أوباما يحلم بعالم من دون أسلحة... والحال أنه أمام أعيننا يقوم بلدان بعكس ذلك تماماً... فأي فائدة جلبتها الدعوات إلى الحوار للمجتمع الدولي؟ مزيد من عمليات تخصيب اليورانيوم وتصريحات زعماء إيران بمحو إسرائيل من على الخريطة". مما لا شك فيه أن الرؤساء يواجهون عادة منعطفاً صعباً يشكل بالنسبة لهم فرصة للتعلم خلال عامهم الأول. ونظرا لمهاراته السياسية، فيمكن القول إن إدارة أوباما للسياسة الخارجية ستتحسن؛ غير أن تأثير أسلوب عمله على السياسة يظل معتبراً، وغير مناسب لإدارة حربين والتعاطي مع تصلب إيران، ناهيك عن أزمة كبيرة في السياسة الخارجية من النوع الذي من شبه المؤكد أن يظهر في مرحلة ما من ولايته الرئاسية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز"

اقرأ أيضا