الاتحاد

عربي ودولي

انقلاب الابن وضع توجو أمام أبواب الانفجار


توجو - الاتحاد - خاص :
هي لحظة الملاريا في التراجيديا الافريقية الطويلة: 38 عاماً من الحكم المغلق لـ اتيان اياديما في توجو· لا يكفي ان يكون الناس فقراء، بل وفقراء جداً، يفترض ان يكونوا معذبين أيضاً، والدليل انه ما ان ذهب اياديما الى القبر حتى ترك ظله على العرش، وبانقلاب عسكري بارد· الوريث ابنه فور غاسينغبي الذي يحمل شهادة عليا من جامعة جورجتاون الأميركية، لكن صاحب السلطة الذي زرعه فيه الأب جعله يبدو وكأنه يحمل شهادة عليا من·· الأدغال·
واشنطن تعترض· باريس تتابع· الاخوة الأفارقة يلوحون بعقوبات· يعاقبون من؟ الناس بطبيعة الحال··
سنوات أخرى من الديكتاتورية·· قد تكون الديكتاتورية الضاحكة الآن· ولكن ألا تدل مؤشرات كثيرة على ان توغو التي تضم 37 اتينة مختلفة على أبواب الانفجار؟ لتتابع التفصيلات في التحقيق:
·· لكنه كان قد تناول أقراصاً مضادة للموت· لا بد ان خطأ قد حدث والا كيف يموت اتيان غناسينغبي اياديما على متن طائرة البوينج التي تقله من باريس الى لومي؟ لم تسقط الطائرة، ولكن ألم تسقط الطائرة التي كان في داخلها في العام 1974؟ تحطمت في شمال البلاد وبقي على قيد الحياة· استقل سيارة جيب· لم يجلس بل ظل واقفاً يستعرض جراحه التي أصيب بها جراء الحادث في كل قرية يمر بها·
عملياً، كان يمتلك جسماً مصفحاً، اذ كان يحترف المصارعة ولا يقبل بالانتصار السهل، بل كان يتمتع ويطلق القهقهات وهو يسمع عظام الخصم تتحطم· كل دماغه كان في قبضته القوية التي يقال انها كانت تسحق حتى الهواء··
قريته بيافي شمال البلاد باتت تُعرف به انه المصارع الذي كان يقصده المصارعون من سائر البلدان الافريقية· المؤكد انه لم يأكل اياً منهم، لكنه كان يضغط على أسنانه بصورة توحي بأنه على وشك ان يفترس المصارع الذي يقف أمامه·
الأسطورة ولدت في الجزائر
قيافته الجسدية جعلت الفريق الفرنسي الذي يبحث عن مجندين لسوقهم الى الجيش يتوقفون عنده· كان في الثامنة عشرة 1953 وذهب به الفرنسيون الى الهند الصينية حيث قاتل في فيتنام، ثم الى النيجر وبنين، والجزائر حيث ولدت اسطورة اياديما تحديداً في جبال الاوراس حيث نجا بأعجوبة من قذائف مقاتلي جبهة التحرير الوطني الجزائري· وحين نالت الجزائر استقلالها العام ،1960 كان برتبة رقيب أول، حتى اذا ما عاد الى بلاده رفع الى رتبة ضابط وظل يتسلق النجوم حتى أصبح جنرالاً··
دائماً الحظ كان يضحك لهذا الرجل الذي كان يقول انه صنع بطريقة خاصة جعله لا يموت مثلما يموت الآخرون، فذات مرة، وخلال استعراض عسكري، أطلق عليه جندي النار من مسافة قريبة لكنه نجا· ويقول رئيس وزرائه كوفي يامغنان انه أطلعه على مفكرته التي مزقها الرصاص في جيبه·
رجل يعرف كيف يقف على المسرح· هذا يتطلب مستوى معيناً من البراعة والكاريزما· والواقع ان الرئيس التوغولي الذي توفي في الخامس من فبراير 2005 كان يمتلك حساً سياسياً مذهلاً· وكان يتصرف بطريقة غريبة، فالجندي الذي أطلق عليه النار حكم عليه بالإعدام لكنه استدعاه الى مكتبه واصدر عفواً خاصاً أنقذه من الموت ولكن مع البقاء وراء القضبان ثم قدم له كأساً من الشامبانيا وهذا المشهد ظل يتكرر سنوياً، وفي الوقت نفسه الى ان قضى نحبه·
انه الرجل الأوحد الذي يستمد قوته من عدم وجود شبه له· القوة الجسدية والتوقد الذهني، وان قيل ان مستشاريه الفرنسيين ومن أبرزهم شارل ديباش العميد السابق لكلية اكس - ان بروفانس والبروفيسور برنار دوبريه هم الذين كانوا يفكرون عنه· بالطبع لم يلجأوا ولا مرة الى رينيه ديكارت لكنهم كانوا ينفخون في الجنرال نابليون بونابرت ·
الحيوانات تقترع له
فعلاً، حاول ان يعرف الكثير عن حياة الامبراطور جحظت عيناه عندما عرف ما حلّ به في واترلو، لا، لا، ليس هذا النموذج المناسب له أخذ مثالاً له أحد شيوخ القبيلة القدامى التي تقول الخرافة انه عندما كان ينظر بعينيه الى الوحوش كانت تتهاوى·هذا يجعلنا نستذكر رواية التوجولي أحمد كوروما وعنوانها بانتظار تصويت الحيوانات المتوحشة · انها هجائية مرة للحياة السياسية في القارة السمراء والحقيقة ان كوروما استوحى العنوان من كلام للطباخ الذي يعمل لدى غاسينغبي : إذا رفض الناس التصويت له، فإن الحيوانات ستخرج من الأدغال وتقترع له ·
كل السلطات في يده انه شيخ القبيلة الذي يمتلك قوى سحرية والذي ينبغي ان يطاع وكان يعتقد ان اقامة الديموقراطية في البلاد تعني ان الناس سيأكلون بعضهم لأن الغرائز هي التي تتولى إدارتهم· فقر مدقع، وأمية مستشرية، والأجيال تعاني من التيه·
قذائف على رئيس الوزراء
ولكن في العام ،1991 وبفعل الضغوط الفرنسية والأوروبية قبل باجراء انتخابات تشريعية على أساس التعددية الحزبية، وكان ان صناديق الاقتراع اتت برئيس حكومة من المعارضة ولكن لينتهي بتلك الطريقة الوحشية حين أطلق الجيش القذائف المدفعية على مكتبه· اختفت المعارضة المبعثرة أساساً والتي تعاني من انعدام التنظيم·
لكن أبرز خصومه يظل جيلكريست أوليمبيو ابن الرئيس السابق سيلفانوس أوليمبيو الذي اعترف اياديما بأنه هو الذي قتله في انقلاب العام 1963 الذي مكنه من التفرد في السلطة في العام 1967 ليبقى فيها لمدة 38 عاماً· جيلكريست يتمتع بشعبية خصوصاً في الجنوب، لكنه لم يعرف كيف يصل الى السلطة، حتى انه في العام 2003 لم يتمكن من خوض الانتخابات لتوجيه تهمة غريبة اليه هي التهرب الضريبي هذه، عادة، ليست بالتهمة في العالم الثالث الذي يعجب بهذا الطراز من الناس، ولكن هكذا سارت الأمور في توغو فالرئيس الراحل كان لاعباً تكتيكياً بارعاً يعرف كيف يفرق الصفوف وكيف يجمعها حتى دون استخدام الخيوط· وفي احدى المرات كتبت صحيفة لوفيغارو الفرنسية عن شخصية تصنع الدم بالضحك ووجدت فيه ملامح شكسبيرية·
قيل ان سبب عدم موته هو ان عرّافة من قبيلته كانت عجوزاً وعمياء زودته بتعويذة تحميه من الأعداء وتضمن الزعامة لسلالته· التعويذة تجعله محبوباً !! من الناس الذين كانوا يطلقون عليه ألقاباً مثل الجنرال و العجوز و المعلم ·
من يتجرأ ان يفكر بترشيح نفسه ضده؟ في العام 2003 أعيد انتخابه مجدداً بعد تعديل الدستور الذي كان يمنعه من ترشيح نفسه لولاية جديدة وبعدما كان قد أقسم أمام صديقه الرئيس الفرنسي جاك شيراك بأنه لن يرتكب تلك الغلطة مع انه كان جاهزاً لارتكاب ما هو أسوأ منها بكثير·
30 زوجة··
حالة غريبة، وبكل معنى الكلمة هناك 30 اتنية مختلفة في توجو ويقال 37 ، وكان غناسينغبي قد تزوج امرأة من كل من هذا الاتنيات وأنجب منها ولداً ليضمن ولاء مختلف الفئات في البلاد· يعلق كوروما بمرارة وبفظاظة ايضاً: غريب انه لم يفكر بالزواج من أقاربنا القردة ·
المثير ان الرئيس الفرنسي ظل يحترم الرئيس التوجولي الراحل حتى لفظ أنفاسه الأخيرة· قال معه غاب صديق لفرنسا، كان بالنسبة إليّ صديقاً شخصياً ، كيف تمكن المواءمة بين الرهافة السياسية في فرنسا وذلك الالتباس الذي يحكم الرئيس التوغولي وسلوكه والذي حمل مؤسسات انسانية دولية مثل الفيدرالية الدولية لحقوق الانسان و امنيستي انترناسيونال على التنديد بسياساته الفظة ففي العام 1998 عثر ممثلون لـ امنيستي على مئات، ويقال عشرات الجثث التي ألقي أصحابها في البحر ولفظتها الأمواج عند شواطئ بنين المجاورة·
لماذا لم يعد رئيس البرلمان؟
التنفيذ المجاني لعمليات القتل أو الإعدام ، فالمهم هو البقاء في السلطة قيل انه سيحارب السلطة وهو في القبر· يعين خليفة هو ظل له· العسكر مع اياديما والذي حدث هو انقلاب عسكري أتى بأحد أبناء الرئيس الراحل فور غناسينغبي وهو في التاسعة والثلاثين من العمر·
السيناريو أعد بدقة، الرئيس توفي في الطائرة وقبل وصولها بنحو عشرين دقيقة، تم تحويل مسارها نحو كوتونو، عاصمة بنين، وكان ان فامباري ناتشابا قطارة رئيس الجمعية الوطنية البرلمان الذي يفترض ان يتولى الرئاسة بالوكالة تبعاً لأحكام الدستور والذي كان على متن الطائرة لم يعد الى توغو·
المستشار الفرنسي ديباش والذي يعرف بأنه رجل قانون براغماتي هو من صنع النص المحكم المتعلق بتعديل الدستور والذي يمكن فور غناسينغبي من الامساك بالسلطة·
خريج جورجتاون
الابن على خطى أبيه، ولكن مع اختلاف جذري بين الاثنين فالابن يحمل شهادة ح من جامعة جورجتاون الأميركية، اضافة الى ذلك فهو تكنوقراط بارع ويفكر بسرعة كما يقول رئيس مؤسسة أوروبي، لكنه مثل ناتشابا قطارة معاد للأوروبيين· اضافة الى ذلك فإن أمه تنتمي الى قبائل الجنوب فيما والده من الشمال· هذا فأل حسن اذا ما أخذنا بالاعتبار ان خط الشمال - الجنوب هو خط سياسي· ولكن ألا يقول الخبراء الأوروبيون بالقارة السمراء ان توغو التي ضغطت على مدى 38 عاماً باتت جاهزة كلياً للانفجار·
الأب كان يمدد حياته وسلطته بصورة غريبة في سبتمبر الفائت سرت اشاعة بأنه مات، لكنه نجا من هذه الاشاعة وقال: مؤسف جداً ان يتدنى مستوى العمل السياسي لدى البعض الى هذه الدرجة، لقد سعى عدد من المعارضين الى تحويل رغباتهم الى وقائع، ولأنهم يتمنون لي الموت اطلقوا شائعات وفاتي· لكنني أطمئنهم الى انني ما زلت هنا، وبالتأكيد لن أتمنى لهم ما تمنوه لي ·
حدث هذا بعدما غاب خمسة أسابيع في ايطاليا لمعالجة التهابات رئوية هي التي أجهزت عليه· كان الموت يتشكّل في الداخل اذاً· هكذا حدث الاغتيال، ومع ذلك كان يقاوم ويعتمد على بعض السحرة في معالجة تلك الالتهابات، وكان يستخدم أدوية محلية تصنعها المسنات في القبائل· ولم يذهب الى المستشفى إلا رغماً عنه، وفي احدى المرات فيما كان يفترض ان يذهب الى باريس للمعالجة، انحرف نحو اسرائيل لأنه كان يعاني من مشكلات في عينيه·
عودة من·· العالم الآخر
كثيرون يخشون الآن ان يعود اتيان غناسينغبي من العالم الآخر· ما الذي يمنعه من ان يفعل ذلك؟ هناك قصص كثيرة في توغو حول موتى عادوا او عادت أرواحهم التي تتقمص مخلوقات مختلفة، الخفاش أو الغزال، الأفعى أو النمر، الإنسان الطيب أو الانسان الرديء· التوغوليون لا يريدون لروحه ان تعود ابداً· ثمة تعاويذ تمنع ذلك ولكن ألا يقال ان تنصيب ابنه بقرار من الجيش يعني انه هو لا يزال موجوداً وان كان فور يقرّ بأن البلاد تعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية وانمائية، انه يفكر مثل الاميركيين ولا يمكنه ان يغدق الوعود لأنه يرفض ما يدعوه بـ منطق الضفادع ·
لا بد للابن ان يكون مختلفاً عن الأب· هذه جدلية الأجيال لكن فور لم يأت عبر صناديق الاقتراع وانما عبر ابراج الدبابات· الأميركيون قلقون الفرنسيون نددوا، العواصم الافريقية لوّحت بعقوبات لأن ما حصل كان انتهاكاً صارخاً للديموقراطية هذه فرصة للمعارضة ان تنظم صفوفها ولو تحت الأرض، ولكن خذوا علماً بأن هناك 30 اتنية· بانوراما فسيفسائية بما تعنيه الكلمة، لكن الفقر المدقع يجعل الكل في لحظة ما متساوين·
جمهوريات العصر الحجري
ماذا تعني العملية الديموقراطية لهؤلاء الناس؟ أمية وفساد وفقر واقتصاد ضائع بما تعنيه الكلمة، وجالية عربية مؤلفة، بشكل رئيسي، من اللبنانيين الذين يتاجرون بالسيارات والذين أحدثوا ديناميكية في الحياة اليومية في لومي· هذا لا يؤثر شيئاً في الإيقاع البطيء للحياة بشكل عام ولكن كان بإمكان الديموقراطية ان تحدث حيوية ما· حتى الآن تبدو افريقيا وحدها هي التي تحدث فيها الانقلابات العسكرية التي أضحت موضة قديمة في أميركا اللاتينية كما في العالم العربي· هذه المرة، الانقلابات تحدث لمصلحة الابناء· جمهوريات سريالية على امتداد العالم الثالث، من الكونغو زائير سابقاً حيث حلّ جوزف كابيلا محل أبيه لوران ديزيريه الى أذربيجان التي اذ تخلصت من الشيوعية لم تتخلص من آثارها الخشبية، فها ان الهام علييف وتحت شعار الديموقراطية المتلألئة يحل محل والده السوفييتي العتيق حيدر علييف ·
جمهوريات صُنعت في العصر الحجري، والطريف انها تجد من يدعمها، ففرنسا التي هي بلد الثورة الكبرى والشفافية الكبرى دأبت على مساندة اياديما خشية ان تسقط توغو في أيدي الاميركيين، ولكن ماذا تراها تستفيد واشنطن من تلك الجمهورية التي تنتج الذرة والدجاج وبعض الفوسفات؟ المهم هو الحفاظ على الوضع القديم في زمن نفاث· ولكن في افريقيا، يكتب وول سوينكا النيجيري الحائز على جائزة نوبل في الآداب، عن لحظة الملاريا في هذه التراجيديا الافريقية الطويلة·
قارة من دون زمن، هذا ما يخلص اليه سوينكا وهو يلاحظ كيف ان العالم يقف لا مبالياً حيال الايدز الذي يستشري على نحو مدمر· ثمة طراز آخر من الايدز: الانقلابات العسكرية التي توقظ كل النيران القبلية والاتنية والسياسية· يقول سوينكا ايضاً: أولئك الذين جعلوا منّا حجارة ميتة ، ليكتشف ان الحجارة لا تصلح حتي ان تكون وقوداً للثقافة الأخرى ·
تمشي في الأحياء الفقيرة في لومي· طرقات غير معبّدة، وأناس يستخدمون وسائل بدائية للإضاءة، ورائحة جثث ظلت، عنوة، على قيد الحياة· الآن، انقلاب عسكري لمن يريد أن يلهو أكثر فأكثر في تلك العظام البشرية· القادة الأفارقة، وعبر منظمة الوحدة الافريقية يأمرون هذا هو التعبير الذي استخدم السلطة الجديدة في توغو بالانصياع لـ قرارهم تأمين انتقال ديموقراطي للسلطة·
الشاب الآتي من جورجتاون والذي لا ريب انه درس أفكار جيمس ماديسون و توماس جيفرسون و بنيامين فرنكلين و ودرو ويلسون هو بطل الانقلاب· لم يأت من الأدغال التي يبدو انها تجلس القرفصاء في اللاوعي· وكان ان فور غناسينغبي لا يعنيه ما يقوله الأفارقة· يدرك جيداً ما هي حدود تأثيرهم· ماذا فعلوا في ساحل العاج؟ ماذا فعلوا في الكونغو· كتب سوينكا عن دومينو الأنين · الدبابات تمشي··
أورينت برس

اقرأ أيضا

تشيلي تعلن اختفاء طائرة على متنها 38 شخصاً