صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

البنوك الصغيرة تستعد لمرحلة اللعب مع الكبار


تحقيق -
مصطفى عبدالعظيم:

بعد الإعلان عن ميلاد أول عملاق مصرفي إماراتي ناتج دمج بنكي دبي الوطني والإمارات الدولي، إثر مخاض دام نحو عشر سنوات، ليشكلان معا أكبر كيان مصرفي في المنطقة تزيد أصوله على 165 مليار درهم، ثارت كثير من التكهنات حول مستقبل البنوك الوطنية الصغيرة وقدرتها على البقاء في الساحة المصرفية، التي يتوقع أن تشهد تغيرات واسعة على صعيد المنافسة· في الوقت الذي يرى فيه خبراء مصرفيون أن صغر حجم البنوك لا يعني بالضرورة عدم قدرتها على المنافسة أو يحتم عليها اللجوء للاندماج، وذلك استنادا إلى قاعدة ''الصغير يكبر ولو بعد حين''، يرى آخرون أنه ليس هناك خيار للكيانات المصرفية الصغيرة سوى الاندماج فيما بينها لتشكل كيان قوي يستطيع المنافسة في المرحلة المقبلة بكل تحدياتها الخارجية والمحلية·
ويتوسط آراء الجانبين رأي آخر يتمثل في عدم اعتبار الاندماج في حد ذاته هدفا من قبل المصارف الصغيرة من أجل أن لا يحد ذلك من طموحاتها المستقبلة، وأن تخطط لذلك في إطار استراتيجياتها للمدى البعيد· ويؤكد الخبراء أن إطلاق دبي شرارة الاندماجات البنكية مرة أخرى وخلق كيان مصرفي عملاء لن يقتصر تأثيره على البنوك المحلية فقط، بل سيمتد أيضا إلى القطاع المصرفي الإقليمي والعربي كذلك، حيث سيفتح الباب أمام نوع جديد من المنافسة ودخول ساحة أخرى من الخدمات المصرفية العالمية كانت مقصورة فقط على البنوك الغربية والمتمثلة في تقديم منتجات جديدة تتلاءم وطبيعة النمو والتطور الاقتصادي الذي تشهده المنطقة بشكل عام ودولة الإمارات على وجه الخصوص· وعند الحديث عن الاندماج يفضل سعادة عبد العزيز الغرير رئيس المجلس الوطني الاتحادي الرئيس التنفيذي لبنك المشرق أن يتم ذلك وفقا لاستراتيجية كل بنك وخططه المستقبلية، قائلا: ''كل بنك يضع الاستراتيجية التي يتبعها وفقا لظروف محددة، ومع تغيير هذه الظروف يغير البنك استراتيجيته في ظل المعطيات الجديدة وفرص الاستفادة، وليس بالضرورة أن يسعى بنك صغير للاندماج لأنه سوف يكبر في يوم ما، ويمكن أن يكون مصرفا كبيرا''·
وفيما يتعلق بدخول مصارف جديدة للقطاع المصرفي، ومدى استفادة القطاع المصرفي من قرار تجميد منح التراخيص خلال السنوات الماضية، أكد الغرير أن دخول بنوك جديدة للقطاع لا شك في أن ذلك سيزيد من الأفكار الابتكارية، ويشعل المنافسة لنصل في النهاية إلى تحقيق الفائدة وهي استفادة الاقتصاد بشكل عام، وذلك خلافا لسياسة الاحتكار التي لن تفيد في تطور القطاع·
قرار استراتيجي
أما خميس بوهارون الرئيس التنفيذي للبنك التجاري الدولي فبرغم تشجيعه الشخصي لفكرة الاندماج، فإنه يؤكد أن قرارات مثل هذه متروكة لمجلس إدارة البنك والجمعية العمومية لإقرار ذلك وفقا للاستراتيجية المستقبلية للبنك· وكشف بوهارون عن تلقي البنك التجاري الدولي في مرحلة ما عروضا للاندماج وقيام عدد من الشركاء الاستراتيجيين بإبداء رغبتهم في المشاركة في زيادة رأس المال، وقال'' لا توجد نية أو خطة حاليا نحو هذا الاتجاه، حيث نعتقد أن رأس المال الحالي كاف لتمويل خطة التطور قيد التنفيذ''·
ولفت بوهارون إلى أن عدد البنوك في الدولة كبير نوعاً ما مع دول شقيقة مجاورة مثل السعودية والكويت، ويرى أن الاستحقاقات القادمة ستفرض على البنوك المحلية الدمج فيما بينها لتكون هياكل مالية صلبة تستطيع منافسة الكيانات العملاقة الكبرى·
وأعرب عن اعتقاده في أن المصرف المركزي سيبارك أي عملية دمج تحدث بين بنكين وسيوفر حلولاً جيدة لهذه العملية·
أما محمد الشروقي الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للشرق الأوسط في سيتي جروب فيرى أنه ليس أمام البنوك الصغيرة في المستقبل خيار سوى الاندماج مع بنوك أخرى لتشكيل كيانات مصرفية كبيرة تقوى على المنافسة في جميع المجالات المصرفية، وخاصة عمليات التمويل، إلى جانب تمتعها بكفاءة في رأس المال ومواكبتها لمعايير بازل 2 التي تعيد تحديد متطلبات الكفاية الرأسمالية ومعايير مخاطر الائتمان بطريقة تعزز الموقع المالي لأي مؤسسة مالية· وهذا يعني بالتالي أن على المؤسسة المالية أن تعيد النظر في تقييمها للمستوى الائتماني للعميل على أسس متعددة، منها مدة الإقراض والقوة المالية وغيرها· كما يتطلب ذلك من المؤسسة المالية أن تكون مجهزة بأحدث الأدوات التقيمية لقياس مخاطر الائتمان بشكل دقيق·
قطاعات أخرى
ويرى عيسى الأنصاري نائب رئيس ''الأنصاري للصرافة'' في الاندماج بين المصارف أو في أي قطاع آخر علامة إيجابية لأن خلق كيان مالي قوي يستطيع أن يخرج عن نطاق المنافسة المحلية، وأن يصل إلى الساحة العالمية هو أمر مهم تفرضه متطلبات العولمة التي نتأثر بها شئنا أم أبينا·
ويعتبر أن الحكم على مدى نجاح خطوة اندماج بنكيْ دبي الوطني والإمارات الدولي ما زال مبكرا؛ لأن ذلك سيعتمد على مدى تمكن الكيان الجديد من تحقيق الغايات المرجوة والتي ستتضح بعد مرور فترة من الوقت·
وتوقع الأنصاري أن تمتد موجة الاندماجات إلى قطاعات أخرى بعد نجاح هذه التجربة، مشيرا إلى أنه لا يستبعد أن يحدث ذلك في قطاع الصرافة، حيث يوجد فرص قوية لتحقيق ذلك، لاسيما أنه يرى أن سوق الصرافة أصبح متشبعا إلى حد بعيد· وأكد أنه عند التفكير في الاندماج لا يهم النظر إلى حجم الكيانات الراغبة في الاندماج بقدر ضرورة النظر إلى ملاءمة أطراف الاندماج بعضها البعض من ناحية الرؤية والاستراتيجية·
المصارف التقليدية
أما سميح مسعود الباحث الاقتصادي في المركز الكندي لدراسات الشرق الأوسط، فيرى أنه خلال العقدين الماضيين اهتمت المصارف العربية بتطوير أعمالها، وتمكنت قلة منها من إعادة تحديث أطرها المؤسسية والتقنية، ما ساعد على تحسين أعمالها وجودة أصولها، ورفع إجمالي موجوداتها وودائعها، فيما بقيت غالبية المصارف العربية بعيدة من هذه التحولات، تعتمد على الأعمال المصرفية التقليدية من دون مواكبة التقنية الحديثة والخدمات والأدوات العصرية مع استمرار دعم الحكومات لها، وارتفاع نسبة الودائع المجردة من الفائدة، وسيطرة ذوي النفوذ عليها·
ولفت إلى تقرير أعدته مؤسسة ستاندرد أند بورز مؤخرا، حول تقويم مجموعة من أهم المصارف العربية، وصفتها بأنها مصارف تقليدية جداً، وغير راشدة كفاية لمواجهة المنافسة الأجنبية ، وأنها ملكيات محتكرة من الحكومات وبعض العائلات البارزة، إضافة إلى معاناتها من التشرذم، وعجزها عن توفير احتياجات تمويل المشاريع العملاقة والصفقات الضخمة، وأنها مرشحة لمواجهة مصاعب جمة مع انفتاح الأسواق العربية عاجلاً أم آجلاً ·
وأضاف أن أعمال المصارف العربية بشكل عام تتسم بمحدودية تنوعها، واستحواذ الخدمات ومنتجات الائتمان الأساسية على الجزء الأكبر من أعمالها، مع تركيز رئيس على الأسواق المحلية وعلى القروض القصيرة الأجل، وانحصار عملها الاستثماري في السندات، والأذونات الحكومية، إضافة إلى الأسهم الاستثمارية في الأسواق العالمية· وقلة من هذه المصارف ما زالت في بداية عملها في مجال الخدمات الاستشارية، وإدارة الأصول والصناديق، وأعمال الوساطة المالية وإصدارات الدين· وأكد أن اقتصار معظم التسهيلات التي تقدمها المصارف العربية على العمليات الجارية القصيرة الأجل، أو تمويل العقارات وعمليات المضاربة، على حساب التمويل المتوسط الأجل لقطاعات الإنتاج والخدمات، يدل بوضوح على محدودية دورها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية·
وأشار إلى أن المصارف العربية، في ضوء أوضاعها الحالية، تتسم بسلبيات كثيرة تضعف دورها وأهمية أعمالها الإنمائية، أولها··أن شدة التركز المصرفي في غالبية الدول العربية، ما يطلق عليه البعض التخمة المصرفية ، أي وجود عدد كبير من المصارف، لا يتناسب مع حجم الاقتصاد أو عدد السكان، فيزيد حدة المنافسة على جذب الودائع ومنح التمويل في أسواق صغيرة نسبياً، وسيطرة عدد قليل من المصارف الكبيرة على حصة واسعة من هذه الأسواق، الأمر الذي يبرر الحاجة الملحة إلى عمليات اندماج واسعة بين المصارف العربية، لقيام مصارف كبيرة قادرة على تطوير الصناعة المصرفية، أسوة بما قامت به المصارف في الدول الغربية· إذ مكنتها عمليات الدمج من تأسيس مصارف عملاقة، ذات كفاءة عالية وقدرة تنافسية لا تضاهى، وشبكات من الفروع المتكاملة تغطي بأعمالها أسواقاً مالية عدة على مستوى العالم كله، تمكنها من توسيع حجم أعمالها·
ولفت مسعود إلى ضآلة حجم المصارف العربية بالمعايير العالمية، حيث تشير البيانات المتاحة إلى أنه باستثناء عدد محدود جداً منها، فإن معظمها عبارة عن وحدات صغيرة الحجم، ومحدودية رؤوس الموال· ولهذا لا يحتل أي مصرف عربي مكانة بين المصارف المئة الأولى في العالم سواء من حيث الموجودات أو من حيث رأس المال، وذلك على رغم أن عدد المصارف العربية التجارية يبلغ 267 مصرفاً وإجمالي موجوداتها المبينة في موازناتها المجمعة بحسب بيانات اتحاد المصارف العربية تجاوز تريليون دولار في عام ،2005 فإنها مبالغ ضئيلة، مقارنة بالمصارف العالمية، أو حتى بمصرف عالمي واحد· فهي على سبيل المثال بالكاد تقترب من إجمالي موجودات دويتشه بنك الألماني في السنة نفسها، الذي يبلغ عدد العاملين فيه 66 ألفاً يعملون في 73 دولة· كما أنها تمثل نحو 70 في المئة فقط من إجمالي موجودات بنك يو بي إس و سيتي بنك معاً·
ويشير مسعود إلى عدم قدرة المصارف العربية ذات الكفاءة المتدنية، والتكاليف التشغيلية العالية، على منافسة المصارف الأجنبية في الأسواق المصرفية المحلية، لاستخدام هذه المصارف الأساليب الجديدة القائمة على التقنية العالية، ورؤوس الأموال الكبيرة والخدمات المستحدثة، والكفاءات البشرية المميزة، متوقعا أن تزداد حدة هذه المنافسة مستقبلاً، مع توسع انضمام الدول العربية إلى منظمة التجارة العالمية التي ترعى عملية التحرير المالي عالمياً، وتعمل على زيادة انفتاح الأسواق العربية أمام المصارف العالمية· وطبيعي في ظل الإمكانيات المتواضعة للمصارف العربية، أن تكون الغلبة للمصارف الأجنبية، ما سيقلل من فرص عمل المصارف العربية، ومن هوامش أرباحها· ويؤكد أن تطوير المصارف العربية يستوجب بداية تكيفها مع مستجدات الأسواق المالية الدولية، والخدمات المالية الشاملة، والتقنية المصرفية الحديثة، التي تنوع من خلالها خدماتها، وتزيد قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية·