صحيفة الاتحاد

دنيا

دنيا الانتقام سعاد جواد:




لم يكن ابني طفلا عاديا· كان وحشا صغيرا، تربى على الضرب والإهانة والتحقير، وكلما كبر كبرت معه وحشيته وتعمق حقده على من كان السبب في كل معاناته·
أبوك يا ابني هو السبب في كل ما نعانيه أنا وأنت· هو إنسان تافه كسول لا يستحق العيش·
بهذه الكلمات والكثير غيرها تربى ابني· كنت أرضعه الحقد على والده منذ ولادته، وكلما كبر قليلا غذيته بهذا الحقد وجعلته زادا مستمرا له ألقمه إياه في كل حين·
لم يكن سوى طفل جميل المحيا، حلو التقاطيع ترتسم على وجهه ملامح الشقاوة يداري خلفها حزنا وانكسارا رهيبا· وياليتني مت قبل أن تمتد إليه يدي بالضرب والأذى، هكذا ألعن نفسي كلما تذكرت كيف كنت أعذبه بوحشية··· وأفرغ غلي وحقدي على جسده الصغير وأنا ألعن والده الذي كان السبب في عذابي·
كنت أضربه بشدة، دون وعي، وأحيانا كثيرة بدون سبب· وكأنني بضربه أنتقم لنفسي من أبيه الذي أذاقني المر والأذى، على الرغم من كل تضحياتي له ومواجهتي لرفض أهلي لهذا الزواج·

اختيار خاطئ

تزوجت والده عن حب، وأي حب؟ كان عبثا بدأ في مرحلة المراهقة واستمر حتى أكملت الثامنة عشرة· كان يخطبني وأهلي يرفضونه، ثم يعاود الكرّة من جديد فيرفضونه، والسبب أن لا شهادة لديه ولا عمل، ''صايع'' كما كانوا يسمونه، وأنا متمسكة بهذا الصايع تمسكا جنونيا لا عقل فيه·
أرغمت أهلي في نهاية الأمر على القبول به بعد أن هددتهم بالانتحار أو الهرب معه·
كرهني أهلي واعتبروني مجنونة وغبية ثم زوجوني له وهم مرغمون، ثم قاطعوني وقالوا لي: لا تعودي من بيته إلا وأنت ميتة، لقد اخترتيه بنفسك فتحملي مسؤولية اختيارك·
بعد أن تزوجنا، انتقلت للعيش معه في غرفة صغيرة لا أثاث فيها في منزل أهله المتواضع· اضطر إخوته للتكدس مع أخواتهم ووالدتهم في الغرفة الثانية بعد إخلائهم الغرفة الأولى لنا·
منذ بداية أيامي هناك اكتشفت بأنني أكثر من غبية لأنني أوقعت نفسي في ورطة لا أول لها ولا آخر، فهذا المنزل المكتظ لا يهدأ للحظة واحدة أبدا، طوال اليوم صراخ وزعيق وكأن الجميع مصابون بالصرع· لا يعرفون الهدوء والراحة أبدا، الكل يسب ويشتم، كبارا وصغارا، أفواههم مليئة بالبذاءة والكلمات الوسخة·
يا إلهي في أي بؤرة ألقيت بنفسي؟ وكيف السبيل إلى النجاة؟
بحثت عن الحب الذي كنت أتوهمه فلم أجده في هذا الإنسان الكسول النائم طوال النهار، والذي يفيق عند المغرب فيغتسل ويأكل طعامه ويذهب إلى شلته الفاسدة حيث الخمر والمغازلة عن طريق الهاتف مع أمثالي من الساذجات·
سنة كاملة مرت علي وأنا أعيش جحيما لا يطاق، لا أستطيع أن أنسجم مع هذه المخلوقات الفظيعة· حاولت أن أعيد المياه إلى مجاريها بيني وبين أهلي ولكنهم أنكروني ولم يعطوني فرصة الشكوى فلم يكن أمامي سوى الصبر على هذا الوضع البائس ومحاولة التكيف معه·

فكرة بنّاءة

قررت أن أؤثر على زوجي وأقنعه بالعمل من أجل أن يصبح له راتب فنستطيع أن ننتقل الى بيت لوحدنا ونخفف عن عائلته الازدحام الشديد في غرفة واحدة، فهم أربعة أولاد وثلاث بنات وأمهم، يعيشون في هذا البيت الصغير المكون من غرفتين فقط، هذا ما خلفه لهم والدهم الراحل وهم يعيشون على راتب الشؤون فقط·
أمهم إنسانة ضعيفة الشخصية، لم تستطع السيطرة عليهم فانفلتوا من بين يديها انفلاتا سريعا منذ نعومة أظفارهم، وقد تربوا في الشوارع واحضروا معهم إلى بيتهم كل ما تعلموه من كلمات بذيئة وتصرفات غير لائقة·
بعد جهد جهيد اقتنع زوجي بفكرة العمل، ولكنه طلب مني مساعدته في مبلغ من المال كي يقوم بفتح محل بسيط يعمل فيه، فقمت ببيع كل ما أملك من مصوغات ذهبية وأعطيته المبلغ ليفتح المحل· فاختار محلا لبيع العطور، وصار يتناوب مع العامل الذي استخدمه في إدارة المحل·
كنت ماهرة في عمل خلطات عطرية مميزة، كما قمت بابتكار أنواع جديدة من البخور، صارت مطلوبة من قبل الزبائن في محلنا· تحسنت أمورنا المادية بعد سنة واحدة من فتح المحل واستطعنا الانتقال لمسكن مستأجر، وكأنني قد حققت انتصارا لا مثيل له· فرحت وسعدت وتصورت بأن حياتي ستكون طيبة مادامت الأمور تسير بهذا الشكل، وقد ازدادت فرحتي حين رزقني الله بهذا الطفل الجميل· لم أكن أدري بأن هذه السعادة زائفة وأن الاعتماد على مثل هذا الإنسان هو عبث حقيقي لا أمان فيه·
اكتشفت بالصدفة بأن زوجي قد حول المحل إلى مقر لعلاقات الغرام مع هذه وتلك وأنه صار يضيع إيراد المحل في منحهن الهدايا المجانية حتى غرق المحل في الدين فقام ببيعه لتسديد تلك الديون·

السكن في الصندوق

مرة أخرى عدنا لمنزل أهله بعد أن عجزنا عن دفع الإيجار، وبالطبع فإنهم رفضوا أن يخلوا لنا الغرفة، فاضطررنا للسكن في صندقة مصنوعة من الخشب المتآكل على أرض ترابية مليئة بالحشرات·
ضاقت الدنيا أمام عيني وأنا أجد نفسي سجينة أنا وطفلي في هذا القفص الفظيع، فماذا أفعل؟ ليس أمامي سوى الالتجاء لأهلي علهم يساعدوني في شيء· وكالسابق طردني والدي بعد أن أسمعني كلاما قاسيا وجارحا·
قررت الاعتماد على نفسي والبحث عن عمل، فأنا حاصلة على الشهادة الثانوية بمعدل جيد·
بعد بحث طويل حصلت على وظيفة بائعة في شركة كبرى لبيع السيارات· استلمت الراتب الأول وهو ألفان وخمسمائة درهم، فرحت به فرحا كبيرا وكأنها ثروة ضخمة، طلبت من زوجي أن يحضر بنّاء يبني لنا غرفة حقيقية نستطيع العيش فيها على أن يتم الدفع بالتقسيط·
بعد شهرين من عملي اكتمل بناء الغرفة فأثثتها بأثاث بسيط وصارت هي بيتي الذي أقضي فيه كل وقتي بعد أن أعود من عملي· أما أبني فانني كنت مضطرة لتركه عند عمتي أم زوجي أثناء ساعات العمل الطويلة·
كلما مرت السنون ازددت وجعا وألما وأنا أجد زوجي قد أصبح عالة علي· فهو ينام طوال اليوم وفي المساء يلبس ثيابه ويتعطر ويطالبني بمصروف ليقضي وقته مع أصحابه، فماذا يبقى لي أنا وأبنه؟ لاشيء· أحتاج للثياب والعباءات الجديدة أثناء العمل، وولدي يحتاج للمصاريف، ولكن زوجي لا يكترث لشيء، وإن رفضت إعطاءه المال بضربي بشراسة ويأخذ من حقيبتي كل الموجود فيها ثم يتركني نائحة وباكية حظي التعس وما أوقعت نفسي فيه·
لا شعوريا صرت اسقط تجربتي الفاشلة مع زوجي على ابني· كنت أواجه كآبتي وحالتي النفسية السيئة بضربه· أضربه وأضربه فيأكلني الندم، وأبكي حتى تتقطع أنفاسي وأتعب فأنام·
كلما كبر الولد صار يتعلم من أهله الكلام البذيء والتصرفات السيئة مما جعلني أجد مبررا جديدا لضربه للتنفيس عن معاناتي والضغوط التي تتراكم علي مع مر الأيام، وشعوري بأنني في وضع سيئ لا أستطيع التخلص منه·

جني الثمار

بلغ ابني الرابعة عشرة من عمره، عندها اكتشفت بأنني بدأت أجني ثمار تربيتي الخاطئة له· أصبح عنيفا وعدوانيا لا يمكن إيقافه عن مسالك الشر أو إبعاده عنها· يتصرف بقسوة ووحشية مع الجميع، حتى معي· بمجرد أن قوي جسمه ووجد بأنه قادر على الانتقام لنفسه بدأ بضربي بشكل لا رحمة فيه· وحين شعرت بأنني لم أعد قادرة على تحديه والوقوف بوجهه استخدمت أسلوبا جديدا معه· وجهت حقده كله على والده، ذكرته بأنه هو السبب في فقرنا وكل معاناتنا وحرماننا· صرت انفخ فتيل الحقد المكتوم بداخله نحو والده، أردت الانتقام منه لأنه السبب الأول والأخير في تعاستي·
بالتدريج تحول عنف ابني نحو والده وصارا يتعاركان طوال الوقت وكأنهما خصمان على حلبة المصارعة· وكلما تفوق على أبيه كافأته بالمال لإشباع رغبة الانتقام المتراكمة بداخلي· لم أكن أتصور بأن الأمر سيتطور إلى أكثر من صراع بالأيدي· ولكن في أحد الأيام اشتعلت حدة القتال بين الأب وولده وازداد العنف بينهما فتحولا إلى وحشين كل منهما يريد أن ينهي حياة خصمه· فزعت فزعا شديدا وحاولت أن أمنع حدوث الكارثة، دفعت ابني بعيدا عن والده، ولكن الشيطان كان قد ركب رأسه فالتقط سكينا واندفع بقوة نحو والده وقام بطعنه عدة طعنات أودت بحياته·

فصول قاسية

انتهت المسرحية الدرامية بموت زوجي ودخول ابني السجن، وبالطبع فإن أهل زوجي طردوني من بيتهم واتهموني بأنني السبب في كل ما حدث، وهم محقون طبعا·
خرجت من ذلك البيت الذي عشت فيه أتعس سنوات عمري وأنا محطمة تماما، أبدو كعجوز في الستين، لا أدري أين أذهب ومن سيستقبلني في بيته بعد كل الفضائح التي حصلت·
لجأت الى منزل صديقة تعرفت عليها أثناء عملي في شركة السيارات، وقد بقيت علاقتي بها حتى بعدما تركت العمل بالشركة ووجدت عملا آخر براتب أفضل بقليل· استقبلتني المرأة بحفاوة ووقفت إلى جانبي حتى استطعت تأجير غرفة ملحقة ببيت قريب إلى بيتهم·
إحساسي بالذنب نحو ابني كان يمزقني تمزيقا، فما ذنب هذا المخلوق الصغير حتى يدفع ثمن خطأي في الاختيار؟ صرت أتردد على زيارته في السجن، أحاول الاعتذار منه، ولكن لساني ينعقد، أجده يعتذر لي ويبكي أمامي بحرقة نادما على فعلته· أريد أن أقول له بأنني أنا السبب· أنا من علمك الحقد والعنف، أنا من استخدمك وسيلة للانتقام··· أنا التي تستحق هذا السجن بدلا منك، الدموع والعبرات تخنقني فلا أستطيع أن أنطق بكلمة·
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، هذه الآية العظيمة انعكست على وضع ابني في سجنه فقد تحول من ولد سيئ إلى إنسان متق متدين يخاف الله ويخشاه· لقد ربوه التربية الصحيحة التي كنت أنا المسؤولة عنها· لقد أصلحوا ما أفسدته، وأعادوا لنفسيته الراحة والهدوء وعلموه مهنا متعددة ليستفيد منها عند خروجه من سجنه·

طلب السماح

الآن وبعد عشرين عاما من المقاطعة والعذاب تذكرني أهلي··· أحسوا بتأنيب الضمير نحو الإنسانة التي أنجبوها وعاقبوها كل ذلك العقاب القاسي لأنها أخطأت في اختيار الزوج المناسب·
أرسلوا لي من يدعوني لزيارة أبي الممدد على فراش الموت· فهو يريدني أن أسامحه، أسامحه على ماذا؟ على مقاطعتي كل تلك السنين؟ على تركي وحيدة أتحمل مالا يتحمله بشر؟ على كل ما قاسيته وعانيته في حياتي؟ ماذا لو أنهم سامحوني وساعدوني على التخلص من تلك الحياة الزوجية التعسة؟ ماذا لو أنهم وقفوا إلى جانبي وتجاوزوا عن خطأي··· لم أكن سوى طفلة في الثامنة عشرة، ليست لي تجارب ولا أعرف الحياة جيدا·
لم أذهب إليهم ولم أقبل أن أرى والدي قبل موته، صرت قاسية مثلهم، هم علموني القسوة، الحياة التي عشتها علمتني أيضا·
بعد مدة بسيطة أخبروني بأن والدي توفى فلم أذهب للعزاء· ثم جاءني البشير أخيرا بأنني قد ورثت مالا، أسرعت لاستلام حقي الذي منعوني عنه طوال تلك السنين· كان مبلغا كبيرا، أكبر من تصوراتي، أكبر من أحلامي، أكبر من كل شيء· كم كنت بحاجة إلى جزء بسيط منه كي أعيش بشكل آدمي أنا وأبني، كي أخفف عن نفسي الضغط والمعاناة·
سامحكم الله يا أهلي· لن أفعل مثلما فعلتم وسأقف إلى جانب ولدي في جميع مراحل حياته كي أعوضه عن كل ما سببته له·