صحيفة الاتحاد

ألوان

?عبادة ?بن ?الصامت... أول ?قاضٍ ?في ?بيت ?المقدس

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
من المعلوم أن ديننا الإسلامي قد اهتم بالقضاء اهتماماً بالغاً، فاعتبره فريضة محكمة وسنّة متبعة، ووضع له نظاماً قويماً ومنهاجاً سليماً مستقيماً، وإظهاراً لعناية الإسلام بمنصب القضاء فقد تَصَدَّر له رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بنفسه، وجلس للحكم بين الناس في منازعاتهم وخصوماتهم، امتثالاً لقول الله عزَّ وجلَّ، وتأصيلاً لمبدأ نفاذ الأحكام، وكونها ملزمة لجميع العباد، فقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده بالطاعة والامتثال والانقياد والتسليم التام الذي لا خيرة بعده ولا تردد.
وقد جاء في السيرة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد علّم أصحابه القضاء وكلَّفهم به، وأوضح لهم منهاجه، كما جاء في الحديث عن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - قال: (بعثني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن قاضياً، فقلتُ: يا رسول الله تُرسلُني وأنا حديثُ السنِّ، ولا علمَ لي بالقضاء؟ فقال: «إِِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، فَإِذَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلا تَقْضِيَنَّ حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الآخَرِ كَمَا سَمِعْتَ مِنَ الأَوَّلِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ»، قَالَ: فَمَا زِلْتُ قَاضِيًا، أَوْ: مَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ) أخرجه أبو داود. وكذلك الخلفاء الراشدون- رضي الله عنهم أجمعين- بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- جلسوا للقضاء بين الناس والفصل في خصوماتهم ومنازعاتهم، وبينوا وجه الحق ومنهاج القضاء السليم في ذلك، ويكفي أن نذكر هنا رسالة سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- التي وجهها إلى أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عندما وَلاَّه قضاء الكوفة، ومما جاء فيها: (فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة...والصُّلْح جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ إِلاَّ صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً، أَوْ حَرَّمَ حَلاَلاً).

حياته
عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري، وكنيته أبو الوليد، أسلم في ريعان شبابه، وشهد بيعة العقبة الأولى والثانية، كما شهد بدراً والمشاهد كلها مع الرسول- صلى الله عليه وسلم -.
- أمه قرة العين بنت عُبَادة بن نَضْلة بن مالك بن العَجْلان.
- آخى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بينه وبين أبي مَرْثد الغَنَويّ المهاجري في المدينة.
- شارك عبادة- رضي الله عنه- في غزو الروم وفتح اللاذقية وجبلة، وشهد فتح مصر مع عمرو بن العاص- رضي الله عنه سنة 20هـ، وكان قائد فتح الإسكندرية سنة 25هـ.
- زوجته أم حرام بنت ملحان، خالة أنس بن مالك- رضي الله عنه-، وهي التي حدَّثت (أَنَّ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا، فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ»- يَشُكُّ أَيَّهُمَا- قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا) أخرجه مسلم.

فضائله
أول قاضٍ للإسلام في بيت المقدس
لقد فتحت فلسطين في السنة الخامسة عشرة للهجرة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب-رضي الله عنه - ومن المعلوم أن سيدنا عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي فُتِحَت في عهده مصر ودمشق وبغداد لم يذهب لاستلام مفاتيح أية عاصمة، وإنما جاء إلى القدس في إشارة منه – رضي الله عنه – إلى مكانة هذه المدينة المقدسة في عقيدة الأمة. وقد أصدر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قراراً بتعيين الصحابي الجليل عبادة بن الصامت – رضي الله عنه- قاضياً لبيت المقدس فكان عبادة – رضي الله عنه – أول قاضٍ للإسلام في بيت المقدس، وتلك إشارة واضحة إلى مكانة عبادة - رضي الله عنه- العلمية والفقهية.

رجل بألف رجل
عندما عزم المسلمون على فتح مصر التي بشرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بها، فاتجه إليها عمرو بن العاص-رضي الله عنه- بجيش كبير، ولكن عندما وصل إلى مشارف مصر رأى كثرة عدد الروم، فطلب عمرو بن العاص- رضي الله عنه- مدداً من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- واستجاب عمر- رضي الله عنه- لرأي عمرو- رضي الله عنه- وكتب له : أما بعد : فإني قد أمددتُك بأربعة آلاف رجل، على كل ألفٍ رجلٌ بمقام ألف، إشارة إلى كفاءة المقاتلين ومهارتهم وصدقهم وشجاعتهم، وهم : عبادة بن الصامت، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمرو، ومسلمة بن مَخْلَدْ- رضي الله عنهم أجمعين- ومن خلال ذلك تتجلى مكانة الصحابي الجليل عبادة بن الصامت- رضي الله عنه -.

وفاته
توفي عبادة- رضي الله عنه- سنة أربع وثلاثين للهجرة بمدينة الرملة، ونقل جثمانه إلى بيت المقدس حيث دفن في مقبرة باب الرحمة ببيت المقدس، وعمره اثنتان وسبعون سنة.

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com