الاتحاد

تقارير

بلد يحتاج التنمية لا البنادق

مايكل هورتون
صنعاء


في خضم الجهود الأميركية المكثفة الرامية للحد من نشاط تنظيم "القاعدة" في اليمن، يعرب سكان هذا البلد الفقير عن قلقهم من أن يؤدي التركيز على المساعدات العسكرية وحدها إلى إخفاق هذه الجهود، وإلى تفريخ حركة مسلحة أكثر قوة، بل وربما جر الولايات المتحدة ذاتها إلى حرب أشبه بتلك التي تخوضها الآن في أفغانستان.
في قاعة بالعاصمة صنعاء، كان معظم الحديث يدور عن تنظيم"القاعدة" والنوايا الأميركية في اليمن. يقول "محمد الجافي" الشاب الذي فر من منطقة "أرحاب" الجبلية الواقعة بالقرب من صنعاء ناحية الشمال الشرقي، بعد الهجوم الأخير الذي تعرض له مخبأ مشتبه به لـ"القاعدة" في المنطقة، والذي أعلنت السلطات اليمنية في أعقابه أنها قد قتلت اثنين من أعضائها:"أقسم بالله، أنهم يريدون أن يحولوا هذه الدولة إلى أفغانستان أخرى". ويضيف الجافي"نحن لسنا متشددين كما يزعمون".
ويصيح" الجافي" وقد رفع بيده حزمة من أوراق القات:" انظروا إلى هذه الأوراق... نحن جميعا نلوكها هنا... أما في أفغانستان، فسوف يقتلوننا إذا فعلنا ذلك".
لكن من الواضح أن الدبلوماسيين الأميركيين وغيرهم من الدبلوماسيين الأجانب في صنعاء يشعرون بالقلق. الدليل على ذلك أن فرنسا، وألمانيا، واليابان قامت بإغلاق سفاراتها يوم الاثنين الماضي وذلك بعد أن كانت الولايات المتحدة وبريطانيا قد أغلقتا سفارتيهما في اليوم السابق، بعد الأنباء التي تحدثت عن فقدان كميات كبيرة من الذخائر من مخازن الجيش اليمني.
ومع التقارير التي نشرت عن تزايد نشاط "القاعدة" في اليمن، أكدت إدارة أوباما مجددا على"شراكتها" مع الرئيس علي عبدالله صالح، الذي يواجه تمرداً حوثياً في الشمال، وحراكاً انفصالياً في الجنوب. ويشار إلى أن الجنرال "ديفيد بترايوس" قائد المنطقة المركزية الأميركية، والذي يشرف على إدارة حربي العراق وأفغانستان، كان قد أعلن في الأول من يناير أن الولايات المتحدة ستضاعف مساعداتها العسكرية إلى اليمن بعد أن كانت قد خصصت لها 70 مليون دولار عام 2009.
ويتداول على نطاق واسع أن الولايات المتحدة تزود الحكومة اليمنية بدعم استخباراتي ومدربين عسكريين، كما أعلنت بريطانيا في هذا السياق أيضاً أنها سوف تمول قوة شرطة متخصصة في مكافحة الإرهاب في اليمن.
وهذا التركيز على مكافحة الإرهاب بوسائل القوة العسكرية يمثل خطأ جسيما في نظر الكثير من الخبراء والسكان المحليين.
يقول "جريجوري جونسين" طالب الدكتوراة بجامعة "برينستون" والموجود حالياً في اليمن لاستكمال الأبحاث التي يجريها عن تنظيم "القاعدة" في شبه الجزيرة العربية:"اعتقد أن التركيز على القاعدة حصراً، واستبعاد كافة التهديدات الموجودة في اليمن يمثل خطأً، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج من النوع الذي تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى تجنبها".
وسكان المحافظتين اللتين كثيرا ما يذكر اسميهما باعتبارهما معقلين للإرهاب وهما" الجوف" و"مأرب" أكثر اهتماماً بالفقر الشديد التي لم تفعل الحكومة المركزية - في رأيهم - سوى القليل من أجل التخفيف من وطأته.
يقول رجل اسمه"أحمد الناصري": هذه الحكومة لا تهتم بنا. وأي شيء نريده علينا أن نقاتل من أجله. فللحصول على مال لبناء مدارس أو مصحات علاجية لا يكون أمامنا من وسيلة لذلك سوى الخروج وقطع الطريق، وعندها تبدأ الحكومة في الاستماع إلينا"، ويضيف" أقسم أن القبيلة هي أعز ما نملك وهي التي تحمينا".
يرى "جونسين" أن المساعدات التنموية في غاية الأهمية بالنسبة لمحافظتي مأرب والجوف، ولكنه يختلف مع الرأي الذي يصور اليمن على أنه مكان توجد به مناطق شاسعة غير قابلة للحكم ويقول"إن تصوير اليمن على أنه شيء شبيه بالغرب الأميركي المتوحش ليس دقيقاً بالضرورة".
من ضمن الأشياء التي يحتمل أن يكون لها تأثير مزعزع للاستقرار يفوق العمل المسلح، ذلك النقص الشديد في المياه في مختلف مناطق اليمن، والذي يعتبر السبب الرئيسي لنسبة كبيرة من النزاعات والصراعات بين القبائل التي تدور في هذا البلد.
وقد صنفت الأمم المتحدة اليمن ضمن أكثر البلاد معاناة من شُح المياه في العالم، كما قدر أحد أساتذة الجيولوجيا المحليين أن آبار المياه الموجودة في صنعاء سوف تجف قبل حلول عام 2015 إذا ما استمر الاستهلاك بمعدلاته الحالية. واليمن في حاجة ماسة للاستثمار في أنظمة الري بالتنقيط وإجراءات المحافظة على المياه.
يقول "محمد فارس" الذي يمتلك بستان فاكهة في ضواحي العاصمة صنعاء، يتعرض نصف إنتاجه للتلف بسبب نقص المياه:" نحن لسنا في حاجة إلى المزيد من البنادق في هذا البلد، وإنما نحتاج إلى مضخات مياه، وأدوات حفر للآبار، وأنواع جديدة من النباتات التي تستهلك كميات أقل من المياه"
الكثير من اليمينيين يقولون إن الحاجة الأساسية في الوقت الراهن هي للمساعدات التنموية، ولكن بعضهم يقول إنهم على استعداد للقتال إذا ما جاءت الولايات المتحدة، وهو احتمال يلوح حتى الآن أنه غير مرجح، على الرغم من أن السيناتور جوليبرمان (كونيكتيكيت) ألمح مؤخرا أنه بدون عمل استباقي فقد تحدث حرب في اليمن مستقبلا.
يقول "اسماعيل هادي" وهو أحد الرجال الكبار في قرية "حجة" التي لا تبعد كثيرا عن موقع الحرب التي تدور ضد المتمردين الحوثيين: " لقد قاتلنا كافة أنواع الغزاة عبر التاريخ ولن نتردد في مقاتلة الأميركيين إذا ما جاءوا إلى هنا". وعندما عدت إلى القاعة في صنعاء سمعت "عثمان الأنسي" وهو يردد رأيا مشابها وهو يملس بيده بطرف الخنجر المتدلي من حزام في وسطه ويطلق عليها هنا اسم" الجمبية": إذا ما أراد الأميركيون القتال فسوف ينالونه". وقال رجل آخر ادعى أنه من "مأرب" وهي إحدى المحافظتين اللتين يتردد اسماهما كثيرا كمعقلين لـ"القاعدة": إن هجمات الولايات المتحدة أو دعمها للهجمات على المسلحين المشتبه بهم، يمكن أن تزيد من عدد المتعاطفين مع القاعدة في اليمن". ويضيف:"الاميركيون لا يعرفون تقاليدنا.. فعندما هاجموا الحارثي - عضو "القاعدة" البارز الذي استهدفته طائرة بدون طيار عام 2002 ـ فإن أهله أصبحوا ضيوفنا.. فنحن شعب يتمتع بذاكرة قوية ".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا