صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

ثورة رقمية في التجارة العالمية

إعداد- عدنان عضيمة:

·· ونحن على أبواب إطلاق خدمات الجيل الثالث من الهاتف المتحرك ''الموبايل'' الذي يمهّد وحده لإطلاق ثورة ثالثة في عالم الاتصالات، ومع ظهور العشرات من الأجهزة الرقمية المحمولة التي تتطور بسرعة لا نظير لها، بات الخبراء يتحدثون عن أساليب جديدة تماماً لإنجاز الأعمال وممارسة النشاطات الصناعية والتجارية والإدارية لم يكن يتوقعها أحد· وكان ابتكار الكمبيوتر ذاته قد أطلق أولى هذه الثورات فيما جاءت الثورة الرقمية الثانية التي تجسدت بظهور الإنترنت والوسائط الإعلامية المتعددة لتحدث تأثيرها الهائل في طريقة البشر في العيش· وهي التي سجلت تطوراً مدهشاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة في مجال تحويلها إلى تكنولوجيا لاسلكية بحيث تتدفق معلومات وبيانات الإنترنت إلى كل أنواع الأجهزة الرقمية المحمولة بما فيها الكمبيوتر المحمول ''اللاب توب'' والهاتف المتحرك ''الموبايل'' والكاميرا الرقمية وأجهزة الاستماع الموسيقية وغيرها من أجهزة الوسائط الإعلامية المتعددة·

سمحت التكنولوجيا اللاسلكية بتحرير الموظفين والإداريين من ضرورة التواجد في المكاتب لإنجاز أعمالهم وفتحت أمامهم أبواب التواصل مع الأعمال التي يؤودونها أينما كانوا بواسطة الكمبيوتر أو الموبايل· وقبل سنوات قليلة فحسب لم يكن أحد يتصور على الإطلاق أن يكون للموبايل مثل هذا الدور الأساسي الذي يلعبه الآن في عالم التجارة لا باعتباره مجرد وسيلة اتصالات متطورة جداً بل لأنه أصبح أيضاً بيئة نشيطة للإعلان والتسوّق·
وبالرغم من أن الكثير من شعوب العالم النامي والدول الفقيرة لم تتمكن حتى الآن من قطف ثمار هذه التحولات الكبرى إلا أن كافة منظومات ومؤسسات العمل والإدارة والإنتاج في الدول المتطورة أصبحت تعلم تمام العلم أن الوسائط الإعلامية المتعددة باتت تشكل أداة لا غنى عنها لإدارة العمل وتسيير المؤسسات والتواصل مع الموظفين والعملاء والزبائن· كما وجد فيها منتجو البضائع والخدمات أداة عملية لمساعدة المستهلكين على العثور على أفضل العروض والمواصفات والأسعار للسلع التي يبحثون عنها في كافة بقاع الأرض من فوق سطوح مكاتبهم، وأصبح من السهل جداً على أي مبحر في مواقع الشبكة العالمية القفز من موقع إلى آخر وهو يزور المؤسسات والمراكز التجارية المنتشرة في العالم كله·
وكان من الطبيعي أن تؤدي هذه التطورات السريعة إلى إعادة تشكيل أساليب العمل وسلوك المستهلك· ولقد أصبح استخدام الحواسيب الشخصية وأجهزة الاتصالات المحمولة ضرورة لا غنى عنها في مكان العمل والبيوت· ويقرأ محللون آخرون هذه الظاهرة بطريقة أخرى عندما يشيرون إلى أن كل ما في الأمر هو أن الأجهزة المحمولة بدأت تسرق كافة الوظائف التي كان يحتكرها الكمبيوتر الشخصي الثابت· وتبدو القضية في نظر كل من يتمعّن ويتعمق بهذه التحولات أكثر انطواء على البساطة وحيث يمكن تفسير هذه الظواهر في أن تطور تقنيات الاتصال اللاسلكي بالإنترنت هو الذي حرّر كافة الخدمات الإلكترونية من سطح المكتب وجعلها متوفرة في جيوب الناس وضمن محافظهم·
ويقول المحلل إريك فانير في مقال نشرته صحيفة ''هيرالد تريبيون'' مؤخراً تحت عنوان: ''البيع والشراء عبر الموبايل'': (يقترب الموبايل بسرعة كبيرة من أن يصبح الأداة الأقوى للتسوق على الإطلاق من بين كافة الأدوات التي اخترعها البشر حتى الآن· ولقد أظهر هذا الجهاز الرشيق أنه طليق اللسان عندما ينقل كلامك المنطوق، وخطه جميل عندما ينقل نصوصك المكتوبة، فهل سيتمكن ذات يوم من الذهاب بك إلى السوق؟)·
''الموبايل'' والتجارة
خلال السنوات القليلة الماضية أصبح عدد أجهزة الموبايل قيد الخدمة في العالم ضعف عدد أجهزة الكمبيوتر الشخصي· وفي البلدان المتطورة، تحولت معظم الأجهزة اليدوية إلى أجهزة قادرة على الاتصال لاسلكياً مع شبكة الإنترنت· وتخلق هذه القدرة الجديدة على التواصل والاتصال بيئة خصيبة للمعلنين يمكنهم من خلالها اختراق كافة الشرائح الاجتماعية والاقتصادية من دون استثناء· ويضاف إلى ذلك أن المعلنين الذين يرغبون في تحرّي سلوكات الشرائح المختلفة من المستهلكين أصبحوا قادرين على معرفة أساليب الكثير من الناس في العيش مما يسمح لهم بابتداع وتقديم السلع والخدمات التي يبحثون عنها· ولم تعد فوائد وتطبيقات خدمة الإنترنت اللاسلكية على الموبايل تقتصر على اقتفاء السلوكات الاجتماعية للناس، بل تعدت ذلك إلى اكتشاف توجهاتهم في إنفاق الأموال·
ويلاحظ بعض الخبراء في هذا الصدد أن الإعلان على الإنترنت لم يسجل التطور المنتظر منه إلا في كوريا الجنوبية واليابان· ويعود السبب الأول لهذا القصور لكون خدمة الإنترنت اللاسلكية الخاصة بالموبايل لم تتطور للدرجة التي تجعلها بيئة ملائمة من الناحية التقنية لتناقل المواد الإعلانية الثابتة والمتحركة· ويقول المحللون أن مشغّلي خدمات الهاتف الخليوي أصبحوا مهتمين أكثر من أي وقت مضى بتطوير هذه التقنيات حتى يصبح تقديم الخدمات الإعلانية عبر الموبايل على نفس درجة المرونة التي ينطوي عليها تقديمها عن طريق التلفزيون أو مواقع الإنترنت المستظهرة على شاشة الكمبيوتر الشخصي· ولا شك أن هذا التطور المنتظر سوف يجعل الموبايل الجهاز الأكثر استخداماً وتأثيراً في قطاع التجارة الإلكترونية·
وأثبتت نتائج حملات استخدام تقنيات التراسل النصّي على الموبايل بنظام (إس إم إس) في مجال دعوة المستهلكين لطلب ما يريدونه من معلومات حول السلع المعروضة للبيع في أوروبا، أو التقدم بطلبات الشراء عن طريقها، أنها طريقة فعالة إلى أبعد الحدود· وبدأت العديد من كبريات شركات تشغيل خدمات الموبايل في أوروبا بما فيها شركة ''أورانج'' التابعة لمؤسسة الاتصالات الفرنسية ''فرانس تيليكوم'' بإطلاق حملة واسعة لبيع المساحات الإعلانية على وسائطها الإعلامية المحمولة·
ويرى إيان ليمباخ، المحلل التقني، أن الموبايل سوف يشهد تغيرات كبرى من حيث الهندسة التصميمية ونوعية الوظائف والخدمات الكثيرة التي سيتكفل بإنجازها من خلال اندماجه مع كل من الكاميرا الرقمية والكمبيوتر والتلفزيون عن طريق التكنولوجيا اللاسلكية ذات حزمة البث العريضة· ويقول ريكو ساكاجوتشي، نائب مدير المنتجات والتطبيقات التقنية في شركة سوني إريكسون: '' أتنبأ بأن يصبح الموبايل في المستقبل القريب جهازاً مخصصاً للحمل بمعصم اليد كالساعة تماماً''·
ولا شك أن هذه التطورات سوف تجعل البشر دائمي الاتصال بمصادر المعلومات المتعلقة بالأسواق والمنتجات المادية والخدمية الجديدة؛ كما سيوفر المعلومات المهمة التي تبحث عنها الشركات المنتجة ذاتها حتى تتمكن من تطوير خدماتها·
ويشير المحلل الأميركي جون ليتزينج إلى أنه مع انتقال الكثير من الأعمال الوظيفية من المكتب إلى البيت، تتزايد الحاجة إلى تعميم الأنظمة الرقمية المتخصصة بجلب المستندات والمعلومات من كمبيوتر سطح المكتب إلى الموبايل· وعمدت العديد من الشركات المتخصصة بكتابة البرامج التطبيقية للموبايل إلى استغلال الفكرة والاستثمار في هذه الخدمة المفيدة·
ويتوقع ستيفن دريك، محلل الأسواق في شركة بحوث أميركية أن يبلغ عدد الموظفين الذين سيستخدمون الموبايل في مثل هذه التطبيقات أكثر من 850 مليوناً بحلول عام ·2009 ويشمل تعريف الموظف بحسب مفهوم هذه الشركة شريحة كبيرة من العاملين تضم مندوبي المبيعات الذين يتواجدون عادة في الشوارع بالإضافة لتقنيي الخدمات الفنية وغيرهم·
وتمثل القضايا الأمنية أكبر العوائق أمام الانتشار الواسع لهذه الخدمة؛ وذلك لأن البرنامج التطبيقي الذي يجري تطويره الآن مخصص للهواتف المحمولة بشكل أساسي، وهي أجهزة كثيرة التعرض للضياع أو السرقة· وينطوي هذا على خطر وقوع المعلومات الحساسة في أيدٍ غير أمينة· ويقتضي ذلك أيضاً ضرورة حفظ المعلومات والملفات في الخادم الرقمي للشركة (السيرفير) حتى يمكن الدخول إليها دون الحاجة للاتصال بالكمبيوتر الشخصي المكتبي·
وبسبب هذه الاهتمامات الأمنية، تسارع الآن الكثير من الشركات المهتمة بالاستفادة من النظام، إلى شراء الأنظمة الأمنية الرقمية المعقدة من الشركات المتخصصة بتسويقها وخاصة منها (آي بي إم) وهي تسمح لمستخدمي الموبايل أو اللاب توب أو أي من الأجهزة المحمولة الأخرى بما فيها الهواتف المحمولة الذكية بأن تتمتع بنفس القدر من الحماية التي يتمتع بها الكمبيوتر الشخصي المتصل بالإنترنت·
وتعمل بعض الشركات على تأليف برنامج تطبيقي يسمح لمستخدم الموبايل بالدخول إلى الملفات الخاصة المحمولة على الكمبيوتر الشخصي بما فيها (الباور بوينت) والصور الرقمية· وابتكرت شركة (سون آر) SoonR برنامجاً يسمح لمستخدم الموبايل بالدخول إلى الملفات المحمولة على الكمبيوتر والقيام بتخزينها على الخادم الرقمي حتى يمكن للزبائن الدخول إليها حتى عندما يكون الكمبيوتر مغلقاً·
''جوجل'' تقود ثورة الإعلانات
وأصبحت صناعة الإعلان الرديف القوي لثورة المعلومات· وإذا كان ثمّة من شركة تكنولوجية يمكن أن يقال إنها تقود هذه الثورة فسوف تكون (جوجل) من دون شك فهي تنفرد الآن بالمقدمة من بين شركات محركات البحث الإعلانية العالمية· ويبدو أن النجاحات المتلاحقة التي حققتها في الصناعة الإعلانية تكون قد أغوتها للتطلّع إلى السيطرة على السوق الإعلانية العالمية كلها والتي قدرت عوائدها الإجمالية السنوية لعام 2006 بنحو 424 مليار دولار· وكتب ريتشارد ووترز في صحيفة الفاينانشيال تايمز مقالاً تحليلياً أشار فيه إلى أن التكنولوجيا المتقدمة التي حققت لشركة جوجل القدرة على غزو سوق الإعلان على الإنترنت قد تكون قادرة أيضاً على دفعها للسيطرة حتى على الأسواق الإعلانية للصحف والمجلات ومحطات الراديو والتلفزيون·
ويقول تيم أرمسترونج مدير قسم الإعلان في أميركا الشمالية لشركة جوجل: (لا شك أن التكنولوجيا الإعلانية التي ابتدعتها شركة جوجل ناجحة بنسبة 100% في مجال التصنيف الإعلاني المؤرشف في محرك البحث)· وتسمح الشبكة الإعلانية التي تستخدمها الشركة في الوقت الراهن للمعلنين بتقديم عروضهم الإعلانية على الخط بشكل مباشر بعد الاستفادة من البحوث الإحصائية والإعلامية التي يوفرها المحرك لهم حول أفضل المواقع للالتقاء مع الشرائح الأكثر اهتماماً بمنتجاتهم· وهذه الطريقة ذات التكلفة المنخفضة للتعريف بالمنتجات أصبحت تمثل تطوراً كبيراً في الصناعة الإعلانية، وهي تفوز بالقبول العريض من قبل الشركات الكبرى التي تبحث عن أنجع أساليب الترويج لمنتجاتها· ونجحت جوجل أيضاً باعتماد طريقة تسمح باستخدام مواقع الويب لشركات أخرى ووضعها تحت خدمة المعلنين من زبائن جوجل· ويأتي هذا التطور في إطار خطتها الهادفة للتوسع إلى ما لا نهاية· وخلال العام الماضي، بدأت جوجل باستخدام طريقة الإعلان باستخدام صور الفيديو· ولتحقيق هذا الغرض، عمدت لشراء شركة (يوتيوب) من أجل توفير مساحات كافية لإعلانات الفيديو ولأكبر عدد ممكن من زبائنها· كما تعتزم جوجل الاستحواذ على العديد من المواقع الأخرى في خطة متكاملة للسيطرة على السوق الإعلانية·
وأوحى النجاح الكبير الذي حققته جوجل في صناعة الإعلان على محركات البحث للكثير من أصحاب الأفكار العملية بإطلاق محركات بحث متخصصة بأداء خدمات إعلامية محددة من أجل استغلال المساحات الإعلانية عليها ومنها مثلاً المواقع المتخصصة بالتنبؤ بالأحوال الجوية أو التي تتابع حركة النقل الجوي أو أسعار الأسهم والسندات·
وفي الولايات المتحدة، وفيما كانت العديد من شركات تشغيل الموبايل تمنع نشر الإعلانات على الموبايل خوفاً من إزعاج المشتركين، شرعت الآن باختبار صيغ إعلانية جديدة بما فيها عرض أشرطة الفيديو الإعلانية القصيرة التي تظهر على شكل فواصل إعلانية متحركة تستمر لثوان معدودة ضمن الحدود الفاصلة بين وصلات الأغاني أو القطع الموسيقية لتشبه بذلك الفواصل الإعلانية التلفزيونية·
وفي إطار الأحاديث التي يجري تداولها الآن في أوساط مشغلي الموبايل ومبتكري البرامج التطبيقية لخدماته المختلفة، عمدت شركات أوروبية كبرى مثل ''تي-موبايل'' الألمانية و''فودافون'' الفرنسية إلى إبرام صفقات مع شركات محركات البحث الشهيرة مثل ياهو وجوجل من أجل العمل على تطوير وتوسيع خدمة الإعلان على الخط المبني على المعلومات والبيانات من أجل نقل هذه الخدمة إلى بيئة الموبايل في أقرب وقت ممكن· وبالرغم من أن محركات البحث الشهيرة انضمت مؤخراً إلى قائمة خدمات الموبايل، إلا أن الصفقات الجديدة سوف تسهم في خلق علاقة جديدة بين الشركات الأميركية والأوروبية·
ويرى المحللون أنه من المنتظر أن تتعزز خدمة إطلاق الحملات الإعلانية عن طريق الرسائل النصية· وتوقع جوناثان باس، المدير الإداري لشركة ''إنسينتفيتيد'' التي يوجد مقرها في لندن، أن تتضاعف هذه الخدمة السنة المقبلة بنحو خمسة أو ستة أمثال ما هي عليه الآن·
ويقول المحللون إن خدمة التسوق والإعلان على خط الموبايل لا زالت في بداية الطريق إلا أنه من المنتظر أن تتطور على نحو أسّي في السنوات المقبلة حتى تصل مجمل عوائدها إلى نحو 895 مليون دولار في أوروبا الغربية وحدها عام 2010 ارتفاعاً من أقل من 150 مليون دولار في عام ·2006