الاتحاد

دنيا

مناسك الحج لم تتغير منذ وضعها نبي الله إبراهيم

(القاهرة) - منذ القدم والعرب يعرفون أنواعا مختلفة من الحج إلى جانب حجهم إلى البيت العتيق بمكة المكرمة ورغم تباين طقوسهم ومقاصدهم فإن عرب الشمال والجنوب على حد سواء كانت لديهم طقوس ذات صلة عميقة بشعائر الحج للبيت العتيق كما كانت تؤديها العرب، كما أن الشعائر لم تتغير منذ وضعها نبي الله إبراهيم.
وإذا ذهبنا لمعاجم اللغة العربية نجد أن لفظة «حج» تعني كلمة «قصد»، وقصد فهو حاج هذا أصله ثم قصر استعماله في الشرع على قصد الكعبة للحج والعمرة، فالحج القصد للنسك والحجة أيضا السنة والجمع حجج ولعل ذلك جاء اصطلاحا نتيجة لأن الحج يتم في وقت مخصوص من السنة ولمرة واحدة في كل عام.
وخلافا للحج إلى الكعبة عرف أهل اليمن في العصور القديمة شعائر للحج للوثن المعروف باسم «المقه» وكان معبده في مدينة «مأرب» التاريخية ذات الصلة بقصة سيل العرم الذي اجتاح سد مأرب وطقوس حج السبئيين لهذا الوثن تبدو مستنسخة بشكل أو بآخر من شعائر حج العرب في الجاهلية للكعبة.
وتشير النقوش السبئية القديمة إلى الحج بثلاث كلمات وهي «هوفر» و«حضر» و«حج»، أما موسم الحج فكان يعرف باسم «أبهى» ومدته تسعة أيام وكانت تجمع خلالها رسوم أو عشور من الحجاج تخصص للإنفاق على إعداد الطعام أو الولائم للحجاج تشبها بالرفادة التي كانت تصنعها قريش لحجاج البيت العتيق بمكة كما كانت هذه الرسوم تمول الأضحيات أو الذبائح والقرابين الى الوثن «ألمقه».
ويستفاد من النقوش السبئية القديمة أن «الحاج» كان يحظر عليه مجموعة من الأنشطة والتصرفات وفي حال مخالفته لتلك المحظورات كانت توجب عليه غرامات من قبيل دفع رسوم أو «عشر» للوثن أو القيام بنفقة طعام يوجه غالبا للحجاج وكان ينص على أن يحتوي الرائب والعسل ولباب نخل».
وكما في حج العرب للكعبة وكذا في شعائر الحج لدى المسلمين، كان يحظر على الحاج ممارسة «الصيد» فيمنع من مطاردة الوعول حتى يتسنى لها الحمل والإرضاع وذلك بغرض الحفاظ على الحياة البرية وتكاثر الأنعام ولذات العلة كان يحرم على الحجيج أن يسوقوا ضمن ذبائحهم أو قرابينهم ناقة حامل.وزيادة على ذلك كان يحرم على الحاج عند السبئيين مجرد نصب كمائن الصيد ويبدو أن البعض من اليمنيين كان يتحايل على تحريم الصيد أثناء فترة الحج بنصب الكمائن للانتفاع بحصيلتها بعد انقضاء فترة الحج فحرم ذلك عليهم أيضا.
وفي مقاربة واضحة لشعائر الحج كما عرفها العرب في الجاهلية والإسلام كان يحظر على الحجاج «جماع النساء» خلال فترة الأيام التسعة للحج وتذكر بعض النقوش أن امرأة «قربها» رجل في اليوم الثالث للحج وباعتبار أن ذلك يعد خطيئة وجب عليهما الاعتراف بارتكاب الجرم ودفع غرامة للمعبد. كما كان يحرم على النساء القيام بطقوس الحج في فترة الحيض أي أن الطهارة كانت بدورها من شروط الحج لدى السبئيين حتى أنهم كانوا يعتبرون عدم الاغتسال مخالفة لشرعية الحج توجب التكفير بدفع غرامة أيضا للمعبد.
ونظرا لأن فترة الحج من الأشهر الحرم تماما كما في مكة جاهلية وإسلاما، فقد كان محرما على الحجاج حمل أسلحتهم وإذا حمل أحدهم سلاحا ولوثه بنجاسة أو دم وجب عليه أداء الغرامة وفي حال عودته لهذا الفعل المؤثم صار عليه أن ينفق طعاما من الرائب وعسل النحل ولباب النخل لأنه كرر تعكير صفو المعبد.
والالتزام بالآداب العامة كان يغلف كل الأوامر للحجاج فقد كانوا يمنعون من مظاهر الكبرياء تواضعا فيجب عليهم عدم التفاخر بالآباء لأن ذلك من أسباب التشاحن والبغضاء والجدال في الحج مثلما يحظر عليهم أي نوع من التنافس وكانت عقوبة المخالفين تصل في بعض الأحيان إلى حد إلزامهم بالحج عشر مرات للتكفير عن خطيئاتهم. أما العرب القدماء في شمال الجزيرة العربية فقد عرفوا بدورهم أنماطا من الحج إلى أوثانهم المحلية من أمثال «ذي غيبت» و«خرج» وتشير بعض النصوص المنسوبة لدول اللحيانيين والثموديين والصفويين إلى بعض ملامح طقوس الحج لدى هؤلاء الأقوام.
وقد عبر عن الحج في تلك النصوص بما يطابق الاستخدام اللفظي للعرب العدنانية في مكة وجوارها إذ استخدمت كلمة «حج» و«حجج» وأيضا «حجت» بصيغة التأنيث للإشارة إلى طقس الحج أو التوجه للأوثان في مواسم بعينها وإن افتقدت النقوش الشمالية بصفة عامة لما تميزت به النقوش اليمنية القديمة من الوضوح والعناية بالتفاصيل. وتضمنت طقوس الحج لدى عرب الشمال تقديم «زكاة» أو تقدمة للوثن وكانت غالبا من «أضحيات» من الحيوانات الحية أو من تماثيل تحاكي هيئة الوثن وهو ما يشبه بشكل أو آخر «النحر» أو «الهدي» في الحج للبيت العتيق بمكة المكرمة ناهيك عن تقديم العشور في الحج عند السبئيين باليمن.

اقرأ أيضا