الاتحاد

دنيا

دريسدن .. تحفة هندسية فريدة من نوعها في أوروبا تصاميمها متميزة عبر الأجيال

كان علينا أن نتوجه إلى مطار ستوكهولم المعروف باسم “أرلندا” باكرا، لكن الطريق لم يكن مزدحما، والغريب يأخذ احتياطاته دائما خوفا من فوات الوقت. في ذلك الصباح المشرق والمندى برذاذ مطر صيفي خفيف، لم يطل بنا المشوار أكثر من نصف ساعة. وفي المطار، لم تأخذ الإجراءات منا إلا دقائق معدودة، ومسافة الرحلة إلى فرانكفورت في ألمانيا لم تستغرق أكثر من ساعتين. ونظرا لأن الطيران لم يكن على ارتفاع شاهق، فإن أجمل ما في تلك الرحلة الجوية تمثل في مناظر الطبيعة الخضراء من غابات وحقول، وهي تبدو بأشكال هندسية وكأنها لوحات مرسومة مربعات ومستطيلات، ويمتد بينها حقول داكنة لم تنبت مزروعاتها بعد أو أنها ما تزال في حالة الإعداد، وكانت بيوت القرميد الأحمر أو الداكن تتلامح من بعيد وتزيد مناظر الطبيعة تلونا وجمالا. ومن المؤكد أن وفرة المصادر المائية من أمطار وأنهار، إضافة إلى التقدم العلمي والصناعي وسلامة التخطيط وحسن الإدارة والمهارة في العمل تقف وراء مظاهر الجمال في تلك الحقول التي تبدو من كوة الطائرة وكأنها لوحات فنية من إبداع رسام يعمل بصبر وهدوء.

رحلة القطار
مطار فرانكفورت أضخم مطار ألماني، وتذكر النشرات السياحية أنه ثالث مطار من حيث الأهمية وحركة النقل في أوروبا، وفيه التقينا بأستاذ ألماني تفضل مشكورا ليساعدنا بالترجمة، لكن وجهة سفره كانت مختلفة. ثم التقينا بمهندس هندي شاب يقيم في المدينة فكان لمساعدته الطيبة فضل في تسهيل الانتقال إلى محطة القطار الذي سيقلنا من هناك إلى مدينة دريسدن في الجهة الشرقية من ألمانيا. اللغة الإنجليزية في تلك البلاد لا تكفي وحدها، ولكن صعوبة أخرى واجهتنا تتمثل في الأجهزة الإلكترونية التي لا تقبل المئة يورو، بل تريد أجزاء أقل لشراء بطاقات القطار.
لم تكن رحلة القطار التي استغرقت حوالي أربع ساعات بين فرانكفورت ودريسدن أقل متعة وجمالا من رحلة الطائرة. الطبيعة بمناظرها المتجددة تجعلك تشعر بالأمل والبهجة وتجدد الحياة مع كل ربيع. لم تكن دريسدن مدينة ألمانية عادية، لكنها تحفة فنية وهندسية فريدة من نوعها في أوروبا كلها، وقد مرت صروحها العمرانية بتحولات فنية متعددة وتصاميم هندسية متميزة عبر الأجيال.
تقع المدينة في منطقة زراعية خصبة، على الضفة اليسرى من نهر إلبيه Elbe وتحتفظ ذاكرة التاريخ لهذا النهر بأهمية كبيرة كطريق للتجارة بين شرق أوروبا والمحيط الأطلسي، وكانت المدينة في الأساس قلعة بنيت على منعطف النهر، ثم تحولت إلى قصور ملكية واتسعت حركة العمران فيها لتصبح في أوائل القرن العشرين رابع مدينة في الإمبراطورية الألمانية، وسكانها في ذلك الوقت حوالي نصف مليون نسمة. وفي سنة 1918 أجبرت الثورة الملك على التنازل عن العرش، وانتهى الحكم الملكي.

مهارة المهندسين والفنانين
وقبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بأشهر قليلة، تعرضت المدينة لعدة غارات جوية تلتها عاصفة من الحرائق. وقد دمرت تلك الغارات مساحات واسعة من المباني، ولم تسلم حتى دور العلم والثقافة والكنائس التاريخية، كما أن العديد من المعالم الأثرية ذات الهندسة والزخارف الفنية الرائعة تعرضت للحرق والدمار.
العمل التطوعي علامة بارزة لدى الألمان، وخلال سنوات معدودة استطاع عشرات الألوف من المتطوعين أن يزيلوا الأنقاض، ثم بدأت حركة العمران الواسعة. والفضل في إعادة بناء ما دمرته الحرب، والمحافظة على جمال المعالم العمرانية، يرجع إلى مهارة المهندسين والفنانين الألمان، فضلا عن عشرات الألوف من العمال المهرة، ويمكن أن نضيف إليهم أفواجا من المتطوعين الشباب، وهذه المزايا من العمل التطوعي وتغليب مصلحة الوطن على المصلحة الشخصية يمتاز بها الشعب الألماني أكثر من أي شعب آخر في أوربا.
أسبوع واحد لا يكفي لزيارة جميع المواقع الجديرة بالمشاهدة والتأمل والتصوير في تلك المدينة الوديعة والمنعشة برؤية نهرها وإطلالاته وحدائقها وشوارعها الواسعة ومبانيها الأثرية التي عادت لتحتفظ بأصالة التاريخ، بفضل التجديد والترميم. وقتنا المحدود جعلنا نكتفي بزيارة أهم المعالم الحضارية والكنوز المعمارية في المدينة، ومنها قصر الثقافة، القصر الملكي، أكاديمية الفنون، حديقة الحيوان، مكتبة الجامعة، ثم دار الأوبرا وهي آية معمارية رائعة. وكانت مصادفة سارة أن نشاهد في تلك الدار عرضا إيطاليا جميلا لأوبرا عطيل، على أنغام سيمفونية مؤثرة من تأليف فيفالدي، ونص الحوار مأخوذ من مسرحية شكسبير المعروفة بما تسببه الغيرة العمياء من عواقب مأساوية.
في يوم آخر قمنا بجولة واسعة في الأسواق وما فيها من مطاعم ومقاه واستراحات، ثم توجهنا إلى التيراس الملكي الواسع والممتد أمام أكاديمية الفنون، تجولنا طويلا بين ألوف من الناس الذين يتوافدون ليتأملوا جمال المعالم العمرانية العريقة والمتجددة بأبراجها وقبابها وزخارفها ولكي يستمتعوا جميعا مثلنا بالإطلالة على النهر وما يجاوره في الضفة الأخرى. وعلى مقربة من واجهة الأكاديمية أقيم نصب فني يمثل الشمس، وقد زينت الأرض من حولها بدائرة رسمت في محيطها دوائر صغيرة تمثل الكواكب السيارة التي تدور حولها، بدءا من عطارد والزهرة إلى بلوتو، مرورا بالأرض وسائر الكواكب.
مكتبة الجامعة كانت صرحا حديث البناء، وكان مدخلها الفسيح مزينا بروائع اللوحات الفنية، وقد استغرقت جولتنا بين أجنحتها وأقسامها وطوابقها وحديقتها حوالي ثلاث ساعات، ولم تكن تحتوي على الكتب والمراجع الورقية فقط، ولكن فيها قسما لأشرطة السينما والفيديو وأقراص الكومبيوتر، وفيها قاعات متعددة للقراءة والبحث والمشاهدة والاستعارة، وكل ما يخطر في البال من وسائل العلم والمعرفة. وللمكتبة طقوسها المرعية فلم نتمكن من التصوير في داخلها، حرصا على الهدوء وراحة روادها.

الجولة الأخيرة
ثم جاءت في اليوم الأخير جولتنا في حديقة الحيوان، وكانت فرصة سارة ومفيدة، وإن بدت متعبة قليلا. كانت رحلة امتدت حوالي خمس ساعات، ونحن نتنقل بين أنواع الطيور والزواحف والحيوانات الأليفة والمفترسة، على اختلاف فصائلها وأنواعها. شاهدنا حشرات وزواحف شتى وقوارض تعيش في أنفاق معتمة وهي تتطور وتنتقل من نفق أدنى إلى آخر أعلى منه، كما رأينا النعامة وحمار الزرد والزرافة والفيل والنمر والأسد واللبوة المدللة التي لم تكلف خاطرها ولم تلتفت إلينا، بينما ظل الأسد يدور حولها وهو يترصدنا وكأنه يغار عليها من غريم منافس أو يخاف من عدو غادر. وحول جناح القردة الصغيرة كان الأطفال يتابعون حركاتها البهلوانية وهي تقفز بين الصخور وأغصان الشجر، ونهضت الغوريلا الضخمة في حظيرتها لتستعرض مهارتها الرياضية والفنية أمام الزائرين وكأنها تريد لفت أنظارهم إليها.
وبعد انتهاء جولتنا، مررنا بالقرب من البوابة بصالة مسرحية تجمع فيها عشرات الأطفال وأهاليهم ليشاهدوا عرضا فنيا لمسرح الدمى أو العرائس يروي لهم بالأسلوب التمثيلي المحبب حكايات مسلية تسرهم وتزيد من معرفتهم.
والجميل المفيد، إلى جانب هذا الاهتمام العلمي والفني بعالم الأطفال، يبدو دور العلم واضحا في إعداد البيئة الطبيعية المناسبة لكل نوع من تلك الحيوانات والطيور. وفي المدينة بشكل عام كثير من الأشياء والمرافق التي تلفت انتباه الزائر، وأولها شبكة المواصلات، على اختلاف وسائلها، ودقة تنظيمها وتوقيت حركتها بين المواقف والمحطات، إضافة إلى شدة اهتمام السائقين بالأطفال وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، هذه المزايا المدنية والإنسانية الجميلة تدعو للتأمل والإعجاب والتقدير. وإذا كنت تحب السير في المدينة فلا تزاحم راكبي الدراجات لأن لهم رصيفهم الخاص إلى جانب رصيف المشاة. وإذا نسيت ذلك، يعرف الراكب أنك زائر غريب ويشير إلى صورة الدراجة المرسومة على أرض ذلك المسار، حتى تفسح له الطريق ويواصل رياضته اليومية

اقرأ أيضا