صحيفة الاتحاد

الإمارات

رئيس أركان القوات الكويتية: لا يمكن مواجهة خلل الاستقرار دون الاهتمام بالتنمية

تغطية: علي العمودي
أمل المهيري:
تواصلت أمس فعاليات المؤتمر الثاني عشر لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، والذي يعقد تحت رعاية الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس المركز، تحت عنوان ''النظام الأمني في منطقة الخليج العربي·· التحديات الداخلية والخارجية''، والذي من المقرر أن يختتم اليوم وقد حضر جانبا من جلسات أمس معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني وسعادة الدكتور جمال سند السويدي مدير عام المركز وعدد من المسؤولين·
وفي الكلمة الرئيسية لفعاليات اليوم الثاني أكد الفريق الركن طيار فهد حمد الأمير، رئيس الأركان العامة في القوات المسلحة الكويتية، على أهمية دول الخليج العربي بالنسبة للعالم، نتيجة لموقعها الحساس وسيطرتها على ثلثي الطاقة العالمية التي تعد أساسية لاقتصادات دول العالم والتنمية العالمية·
وقال في الكلمة التي ألقاها نيابة عنه العميد الركن أحمد الرحماني مدير العمليات بالقوات المسلحة الكويتية: إننا ننظر إلى الأمن بمفهومه الشامل، فالعلاقة وثيقة بين الأمن والاستقرار من جهة والتطور والتنمية من جهة أخرى، ولا يمكن مواجهة خلل الاستقرار دون الاهتمام بالتنمية· وقال: إن دول الخليج تواجه عدداً من التحديات الداخلية، أهمها المشكلة الديموجرافية التي تمثل مشكلة رئيسية لهذه الدول، والتي تعوق التنمية، ولاسيما أن مخاطر أمنية واجتماعية واقتصادية وسياسية تترتب على العمالة الوافدة·
وأشار إلى أن التعليم وما يتصل به يعد من التحديات الهامة، فمن الملاحظ أن التطور في قطاع التعليم في منطقة الخليج كمي وليس نوعياً، والفرق شاسع بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية، مضيفاً أن دول الخليج تعاني من غياب رؤية استراتيجية للتعليم· ويرتبط بتحدي التعليم التحدي المتمثل في التأهيل والتدريب، إذ يجب أن يكون إعادة تأهيل الإنسان الخليجي من أولى أولويات التنمية في الوقت الحاضر، وخصوصاً أن دول الخليج تفتقر إلى خطة شاملة للتدريب·
أما التحدي الداخلي الآخر الذي تعانيه المنطقة، والذي سيستمر فترة غير قصيرة على حد قوله، فهو التطرف، ولابد من التفكير في أسبابه ودوافعه وسبل مكافحته، ويعد تضافر جهود الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني أساسياً في هذا المجال·
وأوضح سعادته أن منطقة الخليج من المناطق التي تأثرت بالإرهاب، وهو تحد متنام بشكل كبير، وهناك تعاون إقليمي لمكافحة الإرهاب، وتم اتخاذ عدد من الخطوات في هذا السبيل، مثل تبني دول مجلس التعاون للاستراتيجية المشتركة لمكافحة الإرهاب، وفي هذا الصدد، لابد من تبني استراتيجية مشتركة للأمن القومي الخليجي لمواجهة الإرهاب والتحديات الخارجية·
وتطرق إلى التحديات الخارجية، وقال: ''مع أن إسقاط النظام العراقي السابق أنهى تحدياً خطيراً للأمن الخليجي، فإن الوضع الأمني في العراق، والشحن والتنازع الطائفي، وعدم استقرار العملية السياسية، كلها عوامل تطال تداعياتها دول المنطقة، وتعوق اندماج العراق مع محيطه الإقليمي· كما أن الملف النووي الإيراني، يمثل تحدياً خطيراً لأمن المنطقة، وأدخلها في مرحلة أخرى من التجاذب، ونحن نؤمن بحق الدول في الحصول على مختلف أنواع التكنولوجيا ولكن وفق الضوابط الدولية''·
وأشار الأمير إلى أن هناك عددا من الخطوات يجب تبنيها لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، منها اتخاذ الدول المطلة على الخليج إجراءات لبناء الثقة بينها، والاتفاق على بروتوكول يقضي بحماية ممرات الملاحة عبر مياه الخليج، بينما يجب على دول مجلس التعاون أن تطور التكامل الاقتصادي والنقدي بينها، والاستمرار في جهود تطوير التعليم وتدريب الكوادر الوطنية، كذلك مواصلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، واستكمال بناء القوات المسلحة الخليجية، وتطوير قوة درع الجزيرة، وتبني استراتيجية عسكرية مشتركة لردع كافة التحديات المختلفة، إلى جانب الاستمرار في مساعي تقريب وجهات النظر بين ضفتي الخليج، وبين إيران والقوى الدولية فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، ودعم الاستقرار وتوطيد الأمن في العراق، ومراجعة العملية السياسية العراقية·
البعد الدولي لأمن الخليج
وبعد كلمة المسؤول العسكري الكويتي انطلقت فعاليات الجلسة الثانية للمؤتمر، وقد كانت بعنوان ''البعد الدولي لأمن منطقة الخليج''، وترأست الجلسة الدكتورة رفيعة غباش، رئيسة جامعة الخليج العربي في مملكة البحرين، حيث قدم الورقة الأولى رئيس معهد الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بالإنابة ديفيد ماك، بعنوان: ''الرؤية الأميركية لأمن منطقة الخليج''· وقال: كانت تصورات أميركا في الثمانينيات للتهديدات التي تتعرض لها منطقة الخليج مرتبطة بالنوايا المحتملة للاتحاد السوفييتي، وإن أفضل السبل لتعزيز أمن الخليج هو وضع أجندة مشتركة تستند إلى مصالح مشتركة، وأكثر هذه المصالح وضوحاً هي سلامة الإنتاج النفطي وأمنه وعمليات شحنه إلى الأسواق العالمية، فضلاً عن ما تكتسبه المبادلات الثقافية والتعليمية من أهمية·
وأكد ماك أن الهدف الأشد أهمية للاستراتيجية الأميركية ينبغي أن يكون منع هيمنة أي قوة على شبه الجزيرة العربية والخليج، وهناك تاريخ من المناورات والدمار من قبل قوى خارجية برزت في حالة العراق بشكل غزو عسكري مباشر، وفي بعض الأحيان سعت إيران أيضاً إلى تطبيق بنود أجندتها من خلال العمليات العدوانية والتخريبية· ومهما يكن، فلا ينبغي أن يكون هناك تركيز زائد عن الحد على القوة العسكرية كأداة رئيسية لتنفيذ الخطط الاستراتيجية·
وأشار إلى أن الولايات المتحدة لم تولِ ما يكفي من الاهتمام لأدوات ما يسمى بـ''القوة الناعمة''، كمحاولات إقناع عبر الجهود الدبلوماسية، والعلاقات الثقافية والتعليمية· وهنا يبدو ضرورياً جداً إجراء حوار سياسي منتظم بين الولايات المتحدة الأميركية ودول مجلس التعاون، وهو أمر حظي بالإهمال من جانب واشنطن مقابل رغبة الدول الإقليمية في تحقيقه· وينبغي على دول المجلس دراسة تطوير مبادراتها المشتركة الخاصة بها كوسيلة للتأثير في واشنطن بدلاً من انتظار خروج هذه الأخيرة بمبادرات أميركية جديدة·
وأضاف: أن الولايات المتحدة لم تولِ حتى الآن القدر الكافي من الاهتمام بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، ومن دون إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة فإن إسرائيل لن تنعم أبداً بسلام حقيقي· وقد ثبت خطأ الاعتقاد القائل بأن الإطاحة بصدام حسين ستمهد الطريق أمام تسوية نهائية· وعلى النحو نفسه، فإن الولايات المتحدة مخطئة إن هي اعتقدت أن بإمكانها تشكيل تحالف من الدول العربية الصديقة ضد إيران من غير معالجة شكاوى الفلسطينيين ومظالمهم·
وأوضح ماك أن مخططات إيران لفرض هيمنتها على منطقة الخليج ليست بالشيء الجديد، وهناك مؤشرات مشجعة على قيام واشنطن بدراسة إنشاء بنية أمنية جديدة لمنطقة الخليج، وكانت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس قد أقرت في بيان مشترك مع الحكومة الكويتية في يناير 2007 بأن تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي تعد عاملاً جوهرياً لإحلال السلام الإقليمي· كما أن مسؤولين كباراً في الخارجية الأميركية كانوا قد أشاروا أيضاً إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى سياسة أكثر دقة في الخليج، ومن الواضح أن واشنطن باتت تقلل من أهمية دور الوسائل العسكرية في سياستها الإقليمية· وأشار إلى أن هناك تحركاً لتوسيع نطاق شراكة متعددة الأطراف في حالة العراق من أجل ضمان أمن هذا البلد، ويبدو أن الحلول العسكرية أصبحت صعبة المنال، ومتى ما انفجر الوضع داخل العراق، فإن العواقب ستكون خطيرة· وعلى وجه العموم، فإن الولايات المتحدة أصبحت تتخلى في الوقت الحاضر عن السياسات التي تحفظ لها السلطة العليا في الشرق الأوسط، وهذا توجه ينبغي تشجيعه·
الرؤية الأوروبية لأمن الخليج
ثم تحدث الدكتور يوهانس رايزنر من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، وقال: يشكل الصراع الدائر في الوقت الراهن في العراق وعليه، والنزاع المتصاعد حول البرنامج النووي الإيراني، التحديين الأمنيين الوشيكين الرئيسيين في منطقة الخليج العربي، ولم يقتصر الأمر على تأزم النزاعين، بل إن طبيعتهما قد تغيرت؛ فأصبحت النزاعات اللاتماثلية بين الدول والأطراف التي لا تمثل دولاً أكثر انتشاراً، كما لعبت العوامل العرقية والطائفية دوراً أكبر، وتسهم الأساليب الأصولية المعادية للغرب بمختلف أنواعها في تعكير العلاقات بين الدولة والمجتمع·
أما على صعيد الأمن بين الدول فسوف تبقى المظلة الأمنية الأميركية لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مطلباً أساسياً، لكن اتجاه واشنطن نحو تصعيد الصراع حول برنامج إيران النووي، بما في ذلك اندلاع مواجهة عسكرية ذات نتائج لا يمكن التكهن بها، لا يصب في مصلحة دول مجلس التعاون أو الدول الأوروبية، وما دامت دول مجلس التعاون والدول الأوروبية متفقة مع الولايات المتحدة الأميركية على ضرورة منع تسلح إيران نووياً في نهاية المطاف، فإن الحاجة تدعو إلى تعاون الطرفين الخليجي والأوروبي لموازنة أسلوب الولايات المتحدة في التعامل مع إيران·
وأشار إلى أن منطقة الخليج العربي بحاجة إلى بناء الثقة وتبديد مناخ المواجهة الحالي·
وفيما يتعلق بالبعد العرقي- الطائفي للصراعات، قال: ليس بإمكان أوروبا المساعدة، لكنها ينبغي أن تنأى بنفسها عن الإسهام في تفاقم هذا النوع من الصراعات· كما ينبغي بحث ما إذا كان بإمكان أوروبا أن تلعب دوراً مفيداً في تطوير التعاون في القضايا الثنائية، وفي ظل هذه الظروف، قد تنطوي كلمة ''الاندماج'' على طموح مبالغ فيه بشأن إمكانية تحقيق المزيد من الأمن في منطقة الخليج، إلا أنه من الضروري تجنب الإقصاء سواء في العلاقات بين الدول أو بين الدولة والمجتمع، وإيجاد طرق جديدة للتعاون المفيد المتعدد الأطراف، على أن يشمل الأطراف الخارجية المؤثرة الجديدة·
دور المنظمات الدولية
من جهته قدم الدكتور نيكولاى زلوبين رئيس قسم روسيا وآسيا في معهد الأمن الدولي بأميركا الورقة الرابعة في الجلسة وكانت حول ''دور المنظمات الدولية في تعزيز الأمن الإقليمي''· وأكد فيها على أن فترة الحرب الباردة كانت مثيرة للاهتمام، حيث انتهت دون معاهدة سلام رسمية·
وقال على الصعيد الفكري يعيش العالم اليوم في حالة إفلاس· وقد بلغت الأمور مرحلة أصبح الشك فيها يحيط حتى بفكرة الدولة ذات السيادة، والقضية هي ما الذي سيحل محل الدولة ذات السيادة بوظائفها جميعاً؟ وأوضح زلوبين في ختام مداخلاته أن الطاقة النووية أصبحت أرخص مصدر للطاقة في العالم، ولذلك فإن من الممكن التنبؤ بعدد الدول التي ستقرر السعي لامتلاك هذا المصدر للطاقة بسبب عدم توافر الأموال اللازمة لشراء النفط والغاز، ولا توجد حالياً أي منظمة دولية قادرة عملياً على معالجة قضايا عدم الانتشار النووي، فمن الضروري إدراك مدى الحاجة إلى منظمات دولية ونوع الأمن المطلوب في القرن الحادي والعشرين، وقد يتم تبني مفهوم التبادل الأمني للسماح للدول الصغرى التي لا تستطيع دفع ثمن أمنها بأن تضمنه بمساعدة قوى العالم الكبرى مقابل الدعم السياسي·