الاتحاد

دنيا

بدكرويتشنا.. مدينة القصور والكاتدرائيات ومعارك ألمانيا الكبيرة على مر القرون

لم أقم كثيرا في جنيف، فالمدينة صغيرة وبقية المدن السويسرية تحتاج الحركة إليها إلى سيارة، والى رفيق درب، وكلاهما لم يكن متوفرين عندي، فقد اعتدت السفر وحيدا، بل لقد أحببت الترحال منفردا فذلك يعطيني الحرية في التصرف وفي مواجهة المواقف المختلفة من دون أن أجد من يعترض أو لا يحتمل ما قد أتحمله. إنها حياة الصعلكة، وتجربة كل يوم شيء جديد، ثم أن الترحال منفردا يعطيك فرصة للبقاء مع الذات والتأمل بهدوء فيما يدور حولك واستكشاف المزيد، وهكذا قررت السفر مرة أخرى.
وتذكرت صديقا ألمانيا، فاتصلت به وأبلغته أن ينتظرني في محطة القطارات في فرانكفورت صباح اليوم التالي، وسافرت تلك الليلة، واستسلمت للنوم طوال الطريق.

كثافة الضباب
وصلت في السادسة صباحا من اليوم التالي، وكانت الدنيا غارقة في الضباب وفي البرد، وقد جاء صديقي “يورجن” بسيارته هو وزوجته من بلدتهما التي تبعد نحو ستين كيلو مترا عن فرانكفورت، لكن الضباب يجعل تلك الستين كلم كأنها ستمئة، والطريق خطر خصوصا في المنحنيات، والسائقون هنا مستعجلون فأمامهم يوم عمل ومواعيد.
كلما ابتعدنا عن المدينة الكبيرة كلما خفّت كثافة الضباب، واتضحت الرؤية، مع أن الشمس تتأخر في الشروق في مثل هذا الوقت من العام، الشمس هنا لا توفر سوى الضوء فهي لا تبعث على الدفء لكن النور والضوء كافيان في مثل هذه الظروف فهي تنير لنا اليوم بالكامل، فالنهار طويل جدا في مثل هذا الوقت وتغرب الشمس في التاسعة أو العاشرة مساء.
وعندما خرجنا من حدود المدينة المزدحمة بصخب، هدأ المكان وهدأ الشارع وبقيت سيارتنا وحيدة على الطريق في مثل هذا الوقت المبكر، وكل الناس يذهبون إلى فرانكفورت في الصباح وقلة منهم يخرجون منها، وعلى جانبي الطريق لا ترى شيئا غير الحقول، حقول الذرة والكروم.
وصلنا إلى منزل يورجن الصغير، وبرغم حجمه، غير أنه منظم ومرتب وبه دور علوي، ولديهم كلب حراسة من فصيلة “وولف” وطفلة جميلة، والمنزل به حديقة صغيرة، وقد الحق به ملحق خلفي واسع، تم تحويله إلى منزل مستقل وقام يورجن بتأجيره إلى الحكومة التي وضعت فيه عائلة سودانية من اللاجئين السياسيين، واستغربت لماذا هم لاجؤون سياسيون والرجل لا علاقة له بالسياسة وقرفها، بل ربما لا علاقة له بالدنيا وما فيها. فهو رجل بسيط جدا ومحدود جدا، لدرجة أنه لا يعرف أين تقع دولة الإمارات!
لجوء السياسي
لكنني اكتشفت لاحقا أن قصة اللجوء السياسي مفتعلة من أجل الحصول على ميزات في أوروبا، والأولية في الحصول على جنسية أوروبية في نهاية المطاف.. وتذكرت الممثل العالمي المبدع توم هانكس مرة أخرى وهو يجسد دور فيكتور نافورسكي الذي جاء إلى نيويورك، فعلق في مبنى المطار، بعد أن أطيح بحكومة بلاده في انقلاب عسكري وألغي جواز سفره ولم تعترف الولايات المتحدة بحكومة بلاده الجديدة، فلم يعد قادرا لا على دخول نيويورك ولا على العودة إلى مسقط رأسه، وكان لديه خيار وحيد وهو أن يدعي أن بلاده تشكل خطرا عليه إذا عاد إليها فيسمح له بالحصول على لجوء سياسي، لكنه رفض بالرغم من رغبته العارمة في دخول نيويورك ذلك أنه يحب وطنه ولا يشكل عليه أي خطر وهو ليس مستعدا لبيع وطنه ولو بكذبة من أجل دخول أميركا.
تلك العائلة السودانية “الغلبانة” تتكون من الأب والأم وولد في الثامنة وبنت في العاشرة، يقومان كذلك بالترجمة للأبوين من الألمانية إلى العربية والعكس، وأحيانا يقومان بذلك حتى معي عندما أتحدث إليهم بالعربية، فيعيدان ما قلته باللهجة السودانية على مسامع الأبوين. وتنقلت هذه العائلة السودانية مرات عدة في البلدات الألمانية وتم إيوائهم في عدة ملاجئ قبل أن يستقروا هنا في بلدة “بدكرويتشنا”. إنها صورة من صور الهجرة غير الشرعية التي تغزو أوروبا، ومن يحصل على منزل مثل هذا يكون قد حصل بالتالي على شرعية وقُبل كلاجئ سياسي.

يتحدثون الألمانية
أما يورجن فهو لا يتحدث كثيرا الانجليزية ولذلك تقوم زوجته بدور المترجم بيني وبينه وأحيانا ينسيان أنني لا أجيد الألمانية ويتحدثان بها ويفترضان أنني افهم ما يقولان.
واكتشفت مع مرور الوقت أنني قادر على فهم بعض الكلمات واستطعت تدبير نفسي وقت الحاجة، وخصوصا عندما كنا نزور أصدقاء يورجن فاغلبهم لا يتحدثون سوى الألمانية وكان علي أن أجيب على أسئلتهم أو نقاشاتهم بطريقة أو بأخرى.
واكتشفت أن الألمان طيبون هنا في مثل هذه البلدات والقرى التي تحيط بها حقول الكروم والجبال الخضراء، ولديهم عادات طيبة وبما أنني ضيف على يورجن فإن أصدقاءه كانوا يدعونني إلى الغداء أو العشاء وكأننا في بلد عربي، وقيل لي أن النازيين الجدد يتواجدون في برلين وميونخ وحمدت الله إنني بعيدا جدا عنهم.
كل شيء منظم في البلدة، الناس وسيارات التاكسي ومواعيد الباص دقيقة ولذلك فان استخدام الباص أمر شائع جدا، وقريبا من هذه البلدة توجد قاعدة عسكرية أميركية، تمكنت من الدخول إليها بمساعدة زوجة يورجن التي تعمل هناك في محل لخياطة ملابس العسكر.
يوجد في هذه القاعدة العسكرية كل شيء من أجل راحة الجنود وعائلاتهم، وتمكنت من الحصول على وظيفة بدوام جزئي في محل الخياطة، أقوم فيه بتدوين الطلبات ومساعدة مدير المحل في الأمور المكتبية، لكنني حصلت لاحقا على وظيفة أفضل عند تاجر سيارات من الشام، فكل ما كان علي القيام به هو الحصول على زبون محتمل في أي مكان من العالم، وهكذا تمكنت من تدبير بيع بعض السيارات لأصدقاء في الإمارات وحصلت على عمولة مجزية في وقت كنت في أمس الحاجة إلى المال بعد أن نفذت كل مواردي المالية، وبطبيعة الحال فإنني لا أحب استجداء المساعدة المالية من أحد، فكان العمل هو الخيار الأفضل، ولحسن الحظ أنني أجيد القيام ببعض الأشياء، فقد انتقلت بعدها للعمل مترجما في مصحة علاجية، أترجم من العربية إلى الانجليزية والعكس، وخصوصا أن كثيرا من المرضى العرب هنا من كبار السن الذين لا يجيدون أي لغات سوى العربية، الترجمة هنا تدر دخلا جيدا يحتسب بالساعة غير أنني لم أكن أجيد الألمانية فكانت الترجمة من العربية إلى الانجليزية تحتاج إلى مترجم آخر ليترجم من الإنجليزية إلى الألمانية، ولذلك لم يكن عملي في هذا المجال ليطول، لكنه منحني حفنة من النقود تكفي لتصريف أموري إلى أن يشاء الله.

الطبيعة هي العلاج
لا يوجد الكثير مما يمكن أن تقوم به هنا في بدكرويتشنا أو في مثلها من ضواحي فرانكفورت، إنها بلدة هادئة، تماما كما هي الأرياف في أي مكان في العالم، الوقت هنا يمضي بشكل بطيء، لكن الهواء نقي واللون الأخضر يسيطر على معظم المساحات الخالية من المنازل، وأشجار الجوز العملاقة تقف شاهدة على قدم المكان، وثمة منازل لا تزال قائمة منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي أماكن أخرى قريبة توجد قصور وكاتدرائيات تعود لعصور مختلفة، كما توجد عدة مناطق كانت مواقع لمعارك في الحروب التي خاضتها ألمانيا على مر القرون.
ويوجد أيضا في بدكرويتشنا مرفأ للسفن السياحية على نهر الراين، وفندق ومنتجع علاجي حيث تكون الطبيعة هي العلاج، إما باستخدام المياه الساخنة أو باستخدام الهواء النقي والطبيعة الخلابة، والواقع أنني بعد كل هذا السفر وكل تلك المغامرات والتجوال في المدن الأوروبية، كنت محتاجا إلى نوع من الهدوء والراحة في مكان مثل هذا المكان..

عاصمة البلاد الاقتصادية
وكان يمكنني دائما العودة إلى فرانكفورت المدينة الصاخبة المزدحمة، فمعرض السيارات الذي عملت به كان قريبا من هذه المدينة، وكان علي أن انزل في محطة الحافلات الرئيسية من أجل ركوب أخرى إلى موقع المعرض، كنت اذهب يوميا إلى فرانكفورت خلال فترة عملي القصيرة في بيع السيارات، وكان ذلك يمنحني فرصة لاستكشاف المدينة الصاخبة، والتسوق وزيارة المتاحف أو دور السينما، فلها دور ثقافي ريادي، وتحتضن العديد من المتاحف يتجمع أغلبها في المنطقة التي يطلق عليها “رصيف المتاحف”، وهو مشروع معماري كبير أنشئ على امتداد النهر. الواقع أن المدينة تمتد على ضفتي هذا النهر، وكأن النهر حاجز طبيعي بين جزئي المدينة القديم والجديد، في الجزء القديم ترى بعض المعالم الشاهدة على عمارة القرون الوسطى،
ويسكن هذا الجزء التجار والحرفيون، أما في الجزء المقابل الجديد فتتخذ المؤسسات الكبيرة مقرا لها في حي الأعمال الشهير في المدينة الجديدة، وتشتهر هذه بمبانيها الكبيرة والحديثة. وذلك ما يجعلها عاصمة البلاد الاقتصادية وفيها توجد مقار العديد من الشركات و البنوك و بورصة الأوراق المالية الألمانية، و مقر البنك المركزي الأوروبي بالإضافة إلى المعارض الكثيرة التي تقام فيها سنويا، تكثر بها الأبنية العالية و بسبب موقعها على نهر الماين.

أهم الأبنية الدينية
وتعتبر كاتدرائية القديس بارثولوميوس من أهم الأبنية الدينية الموجدة بالمدينة. وقد شيدت في القرن الثالث عشر الميلادي، على أنقاض كنيسة قديمة تعود للقرن التاسع للميلاد، كان يجتمع فيها الأمراء من أنحاء البلاد الألمانية ويقومون بانتخاب إمبراطور جديد من بينهم، ثم ومنذ عام 1562 ميلادية أصبحت تلك الكنيسة المكان الذي تتم فيه مراسيم تتويج الأباطرة الجرمانيين. وللمدينة تاريخ طويل يعود إلى العصر الحجري حسب ما تشير الآثار، واكتشف موقعها الأصلي الرومان في القرن الأول الميلادي، وقد وردت أول إشارة إلى هذا المكان في زمن الإمبراطور شارلمان أو شارل العظيم والذي يعود إلى القرن الـ8 للميلاد، والذي ذكرناه سابقا في دوره في تأسيس فرنسا، وهو من أطلق على هذه المدينة اسم “فرانكونوفورد”، وتم اختيارها في ذلك الزمان عاصمة لمنطقة فرنكونيا .
ومن أهم وأشهر أبنائها الفيلسوف يوهان فولفجانج غوته الذي يعد من أشهر وأهم الشخصيات الأدبية في تاريخ الأدب الألماني والأدب العالمي.
ويسكنها عدد كبير من العرب وغالبيتهم يعملون في تجارة السيارات وخصوصا المرسيدس ويمتلكون معارض سيارات ومحال ومطاعم، وليس غريبا أن تشاهد لافتات إعلانية كتب عليها بالعربية، تعود لصيدليات أو معارض سيارات أو مطاعم. وكذلك تجد الرموز الإسلامية بسبب الوجود التركي الكبير في هذه المدينة، بل وفي بقية المدن الألمانية.

اقرأ أيضا