الاتحاد

الملحق الثقافي

كاظم الصبر: السينما.. شهيدة عراقية

عُرف كاظم الصبر في الوسط الثقافي العراقي باهتماماته السينمائية، وقد انعكست على نتاجاته القصصية القليلة، التي نشر بعضها في بداية السبعينيات، حصل على زمالة، لدراسة السينما خارج العراق، وتخرج في أكاديمية الفنون السينمائية والمسرحية في بوخارست برومانيا، غادر العراق أواخر السبعينيات، وعمل أستاذاً للسينما في المعهد الملكي لتكوين الأطر التابع لوزارة الشبيبة والرياضة في المملكة المغربية، وأستاذاً لمادة السيناريو، وأخرج لحساب المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة عدداً من الأشرطة السينمائية الوثائقية وأعد لـ “شركة البيت المغربي” بعض الأشرطة السينمائية.
كما اخرج لمنظمة الطفولة العالمية (اليونيسيف) خمسة أشرطة وثائقية وسلسلة وثائقية من “10 أشرطة” عن “الحصان” لوزارة الفلاحة المغربية، واخرج ايضا شريطاً وثائقياً عن الفنان التشكيلي المغربي فؤاد بلامين، وكذلك شريطاً وثائقياً بعنوان “ارض مقدسة” عن آثار مدينة شالة المغربية، وكتب سيناريو فيلم (35 ملم) كارتون من إنتاج المركز السينمائي المغربي، وأنجز مونتاج السلسلة الرياضية “أبطال من ذهب” بُثت من تلفزيون وراديو (العرب Art).
صدرت له عن دار نشر الإمارات في أبوظبي رواية للفتيان بعنوان “ياسمينة تهزم القراصنة”، كما صدرت له عن دار نشر الحرف في القنيطرة ـ المغرب عام 2008 رواية أخرى للفتيان بعنوان “الأسيرة”.
وفي هذا الحوار يتحدث كاظم الصبر عن اهتماماته المتنوعة:
? كيف أنت بعد أكثر من ربع قرن على مغادرتك العراق؟ ماذا جرى لك بعد عودتك من رومانيا متخصصاً بالسينما؟ وما الذي تراه، في السينما الآن؟
? شكراً لهذه المبادرة، التي اعترف أنها تمثل ضغطاً نفسياً كبيراً يتمثل في الكيفية التي سأكون عليها أمام الأصدقاء بعد كل الأعوام التي فارقتهم فيها، إنه مأزق كبير لي، وربما للكثير ممن آثروا الصمت والانزواء، ولا أتحدث عمن آثروا البقاء في العراق فهم أقدر وأجدر بالدفاع عن اختيارهم.
كان المنفى بالنسبة لي مقبرة انطوت على ما بقي من أحلام واندفاعات فضاؤها الوطن. بالنسبة لي لم تكن هناك اشتراطات من أي نوع أو مواصفات لاختيار المنفى أو بقعة الأرض التي يمكنني أن اجهر فيها بإنسانيتي، لقد وجدت نفسي في آخر ارض عربية من جهة الغرب، تماماً في آخر مكان، حيث وجد “موسى بن نصير” نفسه فيه ومن فوق صخرة على ساحله مثقلاً بالأسى والإحباط لأن البحر حد من اندفاعه وانه سيتوقف مرغماً، فلا شيء بقي أمام عنفوانه سوى الماء. ضيعت وطناً وصلت الى مصب “نهر سبو” على المحيط الأطلسي في القنيطرة. لقد ألقيت بأحلامي السينمائية الجميلة من فوق جسر على (دجلة)، لا أتذكر اسمه، مباشرة بعد لقائي (مدير السينما والمسرح) حينذاك، الذي كان مرتاباً طيلة اللقاء معه، كمن يواجه معضلة، ويريد أن يزيحها بأقل الخسائر النفسية، حيث اكتشف أنني أمثل صفقة خاسرة لمؤسسته في حال موافقته على عملي كمخرج فيها. كان هذا أول لقاء لي مع السينما العراقية، وهو آخر لقاء. لست نادماً على شيء، فقط ثمة مرارة تنتابني من وقت لآخر. عزائي أني لست الوحيد الذي عانى من تلك المعاملة. ينبغي أن أقرر حقيقة أن السينما في العراق هي شهيدة عراقية بامتياز!؟. ترى هل سيعيد البكاء على أطلالها دورة الزمن الجميل إلى ما كانت عليه؟. اعتقد أن للبصرة قدراً هي تعرف، أكثر منا، كيفية التعامل معه.

العتاد السينمائي
? لو سلّطنا ضوءاً على السينما العراقية كيف تبدو صورتها لك؟
? المهتمون بالشأن السينمائي العراقي يتحدثون عن السينما العراقية وفق حيثيات محددة، أهمها الحرص على أن تكون هناك سينما وهي ضرورة بالطبع، وأنا انحاز لهذا التوجه إلى حد بعيد، لكن الأمر لا يخلو من تعقيدات على مستويات عدة، لوجستية تتعلق بالبنيات الأساسية، العتاد السينمائي، المواكبة التقنية، العنصر البشري، وهو الأهم أو ما يمكن أن نطلق عليه “الموارد البشرية”، ولكن ذلك لا يكفي لصناعة السينما إذا أهملنا شروط العمل في فضاء حر يبتعد عن منطق اللاءات أو التابوات المحددة للإبداع.
فلو قدرنا الثقل النفسي الكارثي من تسلط طال كل شيء، فقد يعفينا ذلك من المساءلة التاريخية، واضعين في الحسبان أن السينما منتوج جماعي لا يتعلق برغبة منفردة لمبدع واحد، كما أنها تكنولوجيا متطورة على الدوام، وسلسلة من العمليات التي تتعلق بالتسويق، أي محكومة بمنطق اقتصادي صارم. لهذه العوامل مجتمعة وجدت السينما العراقية نفسها في مأزق قد يستمر لدخول تعقيدات أخرى على الخط، التطرف والتشدد، وتأثيراته الطائفية وخطاباته الانعزالية الثأرية، الكل يدرك ما لوسائل الاتصال، من أهمية ودور بارز في هذا الحراك السياسي الذي يدفعه البعض بالاتجاه المذهبي.

? ما الذي قدمه السينمائيون العراقيون في منافيهم؟، وعند عودة بعضهم للعراق عملوا، بالمتاح أفلاماً.. هل اطلعت عليها؟ وما رأيك فيها؟
? لم يكن حظ من هاجر من السينمائيين العراقيين بأفضل ممن بقي منهم. ما قدمه السينمائيون في منافيهم، لم يكن بمستوى ما توافر لهم من ساحات الحرية والعمل وهو تأكيد على أن الإبداع السينمائي مرتبط بالأرض والإنسان، بالمعايشة، وبالتاريخ، قد يكون ما قدم مجرد هواجس وأوجاع مبررة يؤطرها الحنين إلى المنبع، ولكنها تبقى في النهاية تاريخاً شخصياً لمعاناة منتجيها وموضوعاً يهم نقاد السينما، لا استثني نفسي. لم يستهونِي التلفزيون مطلقاً، لكنه كان الفرصة الوحيدة أمامي، عودة بعض السينمائيين إلى العراق، بعد سقوط النظام، عودة متلهفة للتعبير عن معاناتهم، بعد إدراك حقيقي من قبلهم، بألا سينما عراقية من دون عراق، وان يعلنوا وبأصوات عالية أنهم أحياء، وأن قرائحهم لم تجف بفعل الغربة والبعد عن الوطن، فقدم البعض منهم رؤيتهم لبلدهم ممهورة بكل الشوق والحنين الذي حملوه معهم في غربتهم ومنافيهم. نجح البعض في إيصال رسالته فيما اخفق الكثير، المشكلة ليست هنا، لو أخذنا مجموع هذه المحاولات لاكتشفنا الطبيعة الانفعالية في معالجة وضع، أصبح عصياً على الفهم عندما استجدت أمور لم تكن في الحسبان، النظرة الرومانسية للواقع العراقي والتحولات المنتظرة تلاشت حين بدا أن الأفق يضيق شيئاً فشيئاً أمام الإبداع والمبدعين.

أُغلقت الدور
? كيف يمكن تصور حجم التأثير السينمائي في العراق وقد أُغلقت دور العرض خوفاً وتحريماً!؟
? هذا رهين بالحالة التي سيسلكها المسار السياسي للدولة العراقية ومدى إيلائها الاهتمام بالثقافة عموماً وحصراً بوسائل الاتصال العصرية وتقديرها لأهمية المنتوج الثقافي ـ السينمائي اجتماعياً وفنياً، لا باعتباره منتجاً اشهارياً دعائيا بمضامين سياسية وقتية، بل كعنصر ثابت من عناصر خلق الشخصية العراقية المتفاعلة مع محيطها وعالمها المتغير، وأيضاً في ترسيخ القيم الإنسانية ومبادئ الديمقراطية واحترام الآخر وخياراته الفردية والفكرية والسعي بجدية من اجل أن يأخذ المجتمع المدني دوره الفاعل في الحياة العراقية القادمة. إنها كارثة كبرى حين تكون لدينا سينما لكل طائفة وكل عشيرة أو مكون اجتماعي عراقي.
إن خلق صندوق وطني لدعم الإنتاج السينمائي تتكون مداخليه من اقتطاع جزء من الميزانية العامة للدولة يدعم المشاريع الجيدة التي يتقدم بها أصحابها، كذلك إن إنشاء مدينة للإنتاج السينمائي والتلفزيوني على غرار ما هو موجود في مصر أو الإمارات العربية خطوة على الطريق الصحيح، والتعامل رسمياً مع الفن باعتباره ضرورة وليس ترفاً، وإقامة المهرجانات السينمائية الوطنية وخلق مهرجان دولي، فهذه المهرجانات هي مدارس خبرة متنقلة.

اقرأ أيضا