صحيفة الاتحاد

ثقافة

«بُقَع» عرض طاعن في الرمزية وجدلية العتمات الذاتية

مشهد من مسرحية «بقع» (تصوير حسن الرئيسي)

مشهد من مسرحية «بقع» (تصوير حسن الرئيسي)

محمد وردي (دبي)
«بُقَع» هو العرض الثاني ضمن المسرحيات المتنافسة على جوائز «مهرجان دبي لمسرح الشباب» الذي تجري فعالياته في «ندوة الثقافة والعلوم» في الممزر بدبي. وهو من إنتاج «جمعية دبا الحصن للثقافة والتراث»، تأليف أحمد الماجد، وإخراج جمعة مرتضى، تمثيل إبراهيم أستادي، إلهام محمد، عقيل طاهر، عبدالله المهيري، وعلي الحيالي.
تحكي المسرحية قصة أربعة رجال وامرأة، لكل منهم ماضٍ يؤرقه، أو على الأقل هناك «بُقعة» أو لطخة سوداء في حياته، لا يستطيع نسيانها أو التخلص منها، فيتناوبون الحديث عنها تارة بالتمرد عليها، وأخرى بالتعايش معها والمصالحة مع الواقع الذي يصعب الفكاك منه باعتباره قدراً محتوماً، حيث تجري كل محاولات تجاوزه في إطار الكلام ليس إلا.
تنطلق أحداث العرض مع نهوض ثلاثة رجال وامرأة من قلب كومة ألبسة، في إشارة دالة على أنهم هم أنفسهم مجرد ملابس قابلة للاستخدام والبلى والقذارة، ولكن تنظيفها يستعصي على الغسيل بكل الأحوال، كون القذارة هي بمثابة أعطاب داخلية تستوطن النفس ويستحيل الخلاص منها إلا بخلاص الروح من الجسد. لذلك نجدهم يتحدثون بلسان حال الألبسة بعبثية فانتازية، مطعمة بإشارات واقعية أو منطقية، تقع في دائرة المدركات الواعية، حيث يرى أحدهم حقيقة أن «الماضي لا يعود»، وأن «كل المعارك نتنة»، فيما يصرخ آخر: «لا تتحقق المطالب إلا بالقوة»، فيتمظهر العبث بقوة من خلال شخصية «القديم» (يقوم بالدور إبراهيم أستادي)، معتبراً أن «الملابس ليست لها كرامة». فيرتد الرابع على نفسه، مؤكداً أن «الخيانة سببت لي البقع»، بينما تتوجع المرأة حيناً وتضحك بمجون أحياناً: «أنا فتاة مطعون بشرفها، ولا أحد يقترب منها (...) البقع عالقة في جسدي حية لا تبلى»، فيقاطعهم القديم مؤنباً «منذ عرفتكم تتحدثون عن بقع لا أراها». وعندما تصرخ المرأة متسائلة: «لماذا لا تتحرك الغسالة؟»، يأتي الرد: «إنها مجرد لعبة نلعبها كل يوم»، ويستسلمون لموجة من الضحك المر، على وزن «المضحك المبكي»، تؤشر استطالتها إلى مشهدية قاتمة تطغى على الصورة من كل جهاتها. وهكذا تتوالى الحوارات في سياقات تمزج الأوهام بالأحلام والواقع بالخيال إلى النهاية، حيث تبتلع الجميع مروحة الزمن بضوء ساطع يكفي لغيابهم تماماً.
يقوم النص على ما يمكن أن نسميه، محاكاة جدلية عتمات الذات الإنسانية، بشكل عام، وربما تؤشر إلى خصوصية الذات العربية، صرخة «المجد للبنادق.. المجد للبنادق، احفروا الخنادق، دقوا الطبول، جهزوا الجيوش»، كدلالة على واقع الهزيمة العربية على كل المستويات منذ ستة عقود على الأقل. ولكن الإخراج لم يتمكن من استبطان النص وكشف دلالاته وإشاراته المتعددة المستويات، فبدا العرض مغرقاً بالرمزية، ويميل إلى مسرح العبث. وهذا ما جعل الأحداث تتوالى بمشهدية أفقية، لا تخلو من الرتابة، أي أن عمارة الأحداث وبناء الشخصيات لم تكن تصاعدية، على مستوى الحشد لكشف الدلالات، في إطار «الفرجة» المسرحية.
تلا ذلك، جلسة نقاش مفتوحة حول العرض في مجلس المهرجان، بين الحضور والكاتب أحمد ماجد والمخرج مرتضى جمعة. فتنوعت الأسئلة حول كل التفاصيل في العرض، بدءاً من الإخراج، وصولاً إلى الإضاءة والموسيقى، التي اتفق الجميع، على عدم إدارتها بما يخدم العرض. فاعتبرها المخرج «مجرد وجهات نظر يقدرها ويحترمها»؟
وسبق العرض استضافة الكتاب جمال مطر وعبدالله صالح ونهى مطر في «المجلس» بمحاضرة توزعت على محورين: «المفردة الشعبية في النص المسرحي الفصيح»، و«التراث الإماراتي في النص المسرحي الفصيح». وأدارت الجلسة علياء المر المهيري مدير تعزيز اللغة العربية في هيئة دبي للثقافة.