السبت 1 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

مستقبل آسيوي.. العالم يتجه شرقاً

مستقبل آسيوي.. العالم يتجه شرقاً
16 فبراير 2019 00:54

الحالة التي يمر بها الغرب اليوم، من النزعات القومية التي تعصف بأوروبا إلى إعادة الولايات المتحدة التفكير في التحالفات القائمة منذ فترة طويلة، إضافة إلى الالتزامات الأخرى للولايات المتحدة تجاه قضايا عالمية مختلفة، قد تجعل البعض يتساءل أمام كل هذا عما إذا كان النظام العالمي الغربي على حافة الانهيار. وإذا كان كذلك، فما الذي سيحل محله؟
باراج كانا، خبير استراتيجي عالمي يقيم في سنغافورة، لديه إجابة واحدة عن هذا التساؤل، جعلها عنوان كتابه الصادر مؤخراً «المستقبل آسيوي». ويشير كانا في كتابه بوضوح إلى أن أكبر قارة في العالم أو ما يطلق عليها «المنطقة العملاقة»، تتحول بشكل متزايد إلى وحدة سياسية وثقافية واقتصادية واحدة، قادرة على تجاوز الغرب المتضائل حالياً.
إن آسيا، كما يعرّفها كانا، هائلة في المساحة وتعداد السكان كما هي أيضاً متنوعة من حيث الثقافات ومصادر الطاقة، فقارة آسيا تمتد من البحر الأحمر إلى بحر اليابان وما تنتجه دول القارة مجتمعة يمثل 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا الاتساع وحده يجعل جزءاً من أطروحاته تبدو وكأنها شبه مؤكدة. ففي القارة الصفراء يعيش 5 مليارات شخص يشكلون قوة اقتصادية عملاقة. ونصيب الهند والصين من هذه الكتلة البشرية الهائلة يتجاوز بالفعل ملياري شخص، فكل منهما نحو مليار نسمة، ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن عدد السكان في إندونيسيا وباكستان سيرتفع إلى أكثر من 300 مليون شخص بحلول 2050. ووفقاً لذلك، يصبح الرهان على استمرار آسيا كقوة عالمية اقتصادية مستمر، بل يتزايد قوة، لأن نتائج الاستثمارات في دول القارة شبه مضمونة.
وفي الكتاب، تبدأ القصة الأكثر إثارة للاهتمام، حيث قامت الحضارة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين في غرب آسيا، حيث تتبّع كانا العلاقات بين إمبراطوريات آسيا العظمى في العصور القديمة، في الهند وإيران والصين، ويميّز نمطاً معيناً. ويقول كانا في كتابه إنه في التاريخ الأوروبي، كانت الحرب تندلع في الغالب عندما تهدد قوة صاعدة بأن تحل محل قوة قائمة، أو ما يطلق عليه فخ ثوسيديديس. لكن في آسيا، رصد كانا أن الحروب كانت تنشأ «عندما يكون هناك تصور لميزة كبيرة على المنافسين». لذلك، فإن احتمالات السلام الإقليمي لن تتحسن في آسيا إلا عندما تقوى الهند واليابان وروسيا إلى جانب الصين على كل الصعد، خاصة الاقتصادية والسياسية. إنها وجهة نظر مفيدة لمن يركزون بشكل كبير على سوابق الغرب تجاه آسيا.
ويتخذ كانا اتجاهاً نفعياً أكثر منه أيديولوجياً في مؤلفه، فهو يمتدح الحكومات الآسيوية على خدماتها القوية والملموسة التي تقدمها لشعوبها، وبالتالي، فإن تقبله قليل بالنسبة للمثقفين الغربيين الذين يرون أن الليبرالية بعيدة عن اللوم. والفائزون في المستقبل في آسيا، حسب ما يقول في كتابه، هي الدول التي ستقدم «أفضل في نشر أحدث التقنيات والنماذج التجارية على أوسع نطاق». ويبالغ كانا أيضاً في مديح الحكومات التكنوقراطية، في سنغافورة والصين على سبيل المثال التي تهتم أكثر بالحكم شديد الإحكام على الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان. ويقول إن أكبر ديمقراطيات آسيا، مثل الهند وإندونيسيا والفلبين، لا تحتاج إلى أن تكون أكثر ديمقراطية بل أكثر تكنوقراطية، للتركيز على الحلول التي تستند إلى البيانات التي تقلل الفساد وتحسن بيئة الأعمال وتزيد المساءلة في المناصب العامة.
وهو أيضاً الأكثر تفاؤلاً بحرية التجارة التي تنتهجها الصين، خاصة مبادرة الحزام والطريق، الخطة الاستثمارية في البنى التحتية التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ بقيمة تريليون دولار لإعادة إحياء طريق الحرير، وطرق التجارة البحرية، بقيمة تريليون دولار. وتحاول بكين تنفيذ هذه المبادرة من خلال مزيج من القروض والاستثمار في مشروعات بناء، تتضمن العديد منها، شركات صينية.
وبالنسبة إلى كانا، فإن أهمية هذا المشروع العملاق غير مبالغ فيها، ويقول في كتابه «عندما ننظر إلى الوراء في عام 2100 إلى التاريخ الذي يعتبر حجر الأساس لبداية نظام عالمي جديد تقوده آسيا، سنجد أنه قد وضع في عام 2017»، في إشارة إلى قمة الحزام والطريق الأولى التي عقدت في شهر مايو من ذلك العام. ويشبه ذلك بقوله «إن مبادرة الحزام والطريق تعادل في أهميتها إنشاء الأمم المتحدة في منتصف القرن العشرين، والبنك الدولي، إضافة إلى خطة مارشال، كلها مجتمعة».
إلا أن عام 2018 يدعم بالكاد هذا الوصف، لأن بعض الدول مثل ماليزيا وجزر المالديف، تعيد تقييم مشاركتها في هذه المبادرة وترتيباتها مع البنوك الصينية، بسبب الظروف الاقتصادية العالمية الحالية. كما أن بعض الدول الأخرى لديها التزامات قروض تعيق التزامها مع الصين، التي أقرضت فنزويلا على سبيل المثال، 62 مليار دولار، إلا أن كراكاس تواجه مشاكل سياسية واقتصادية تهدد بانهيارها. وتهدد هذه الحلقات من المشاكل التي تمنع بعض الدول في مسار الحزام والطريق من الاقتراض، بإحباط مشاركة الشركات الخاصة التي تحتاج إليها المبادرة للنجاح.
ويدعي كانا أيضاً أن مبادرة الحزام والطريق «تستند إلى قوى السوق» ولا تدفعها الأيديولوجيا. ثم يقر هو نفسه بأن شركاء مثل لاوس وكمبوديا «قد قاموا بالفعل بمبادلة استقلالهم الاستراتيجي من أجل الأموال الصينية». فكيف تكون هذه التحولات الاستراتيجية اقتصاديات سوق؟
في الوقت نفسه، فإن كانا على حق في أن خيارات السياسة الأميركية دفعت العديد من الشركاء التجاريين للابتعاد عن الولايات المتحدة والبحث عن شركاء تجاريين جدد. وأفضل مثال على ذلك هو انسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ. رغم ذلك، سيكون من السابق لأوانه تفسير التحركات الأخيرة للدول الحليفة في الاتفاقية كدليل على حدوث تحول دائم في الاستراتيجيات التجارية لها. كما أن السياسة الشعبوية «أميركا أولاً» التي تنتهجها حكومة الرئيس دونالد ترامب لا يمكن اعتبارها بلورة سحرية لاستقراء القرن الحالي.
ويحاول كانا تصوير المخاوف الأميركية من الحزام والطريق «هوساً أميركياً فريداً»، مستشهدا بتشكك أوروبا في الانتقادات الأميركية للصين، إلا أنه نسي أن أوروبا أيضاً ملت من الوعود الصينية بفتح أسواقها للشركات الأوروبية، في الوقت الذي تشعر فيه شركات الاتصالات الأوروبية بالضيق من شركة «هواوي» ومنافستها الشرسة لهم على أرضهم.
في النهاية، يقدم كتاب «المستقبل آسيوي» تحليلاً قيماً وبحثاً شاملاً لمسار قد تأخذه المنطقة. في وصفه لمجتمعات آسيا الأقل ليبرالية، يلاحظ كانا أن «الرغبة في الاستقرار والنظام الاجتماعي أمر طبيعي بالنسبة للبشر مثل الرغبة في الحرية». لكنّ الآسيويين الذين يذعنون للسياسة الخاضعة لسيطرة صارمة الآن قد يريدون المزيد من الحرية في المستقبل. من أجل ذلك، ربما تتعلم آسيا أهم دروسها من الغرب.

بقلم: جيرارد غايو

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©