الاتحاد

دنيا

معجم يبحث في التحولات اللغوية للمصريين ودلالاتها في السياق المجتمعي

أجرى د. محمد الجوهري، أستاذ علم الاجتماع، مع فريق من أساتذة الاجتماع والباحثين دراسة شاملة حول لغة الحياة اليومية في المجتمع المصري وعلى رأسها لغة الشباب، وخرجت الدراسة مؤخرا في شكل معجم فلكلوري لغوي ضخم ضم أكثر من 50 ألف مفردة من الحياة اليومية لقطاعات كبيرة في المجتمع المصري وأصدر المعجم مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بمكتبة الاسكندرية.


يعد معجم لغة الحياة اليومية مشروعا ضخما شارك فيه أكثر من 50 جامعة وهيئة حيث جاب باحثو المشروع وهم من أقسام الاجتماع بكليات الآداب بالجامعات المصرية ومهتمون بجمع التراث والفنون الشعبية كل محافظات مصر من سيناء لمطروح ومن الاسكندرية لأسوان على مدى خمسة أعوام ليجمعوا 50 ألف تعبير ولفظ شفاهي من السنة الناس وخاصة الشباب واحتوى المعجم على جميع البيانات التي أتيحت للباحثين المتخصصين في علوم الفلكلور والاجتماع والأنثروبولوجيا.
وواجه المعجم، وفق الجوهري، مشكلات كثيرة تتعلق بجمع وتدوين مفردات لغة الحياة اليومية لأنها لغة تنطق مصحوبة بجملة من التعبيرات والظواهر والمؤثرات الصوتية بالإضافة إلى التعبيرات والإشارات والإيماءات كحركة اليدين والوجه وهي لغة غير مدونة وبالتالي تقرأ شفاهيا في إطار موقف اجتماعي وإنساني والسياق جزء متمم للمفردة.
وأضاف أن مشروع لغة الحياة اليومية اهتم بجمع الألفاظ والتعابير الشعبية التي تتسم بالصدق وتغطي مواقف تلقائية وتستخدم في مجالات عديدة وفي مختلف المواقف المرتبطة بحياة الناس وتم التركيز على اللغة الدارجة التي تقف في مقابل لغة الكتابة، مؤكدا أن المعجم يستهدف خدمة دراسة التاريخ الثقافي لفئات اجتماعية متنوعة وبينها الشباب بهدف معرفة لغة الحياة اليومية الشائعة وما تمر به هذه اللغة من تغير وتطور وتفاعل ومحاولة فهمها خاصة أنه بسبب عدم تدوين تلك اللغة اليومية وافتقارها للنموذج المكتوب كانت تعيش وتتطور دون الخضوع لقواعد متفق عليها وهو ما جعل لتلك اللغة خصوصية في تعديل قواعدها ونموها وتوسيع مفرداتها.
انتشار سريع
قال الجوهري إن القائمين على المعجم فوجئوا بالانتشار الواسع لمفردات لغة الحياة اليومية والتغيير السريع والإيقاع المتنوع في مفرداتها ومستخدم هذه اللغة في الغالب فرد عادي وغير متخصص ولا يتوقف أمام أصول ما يستخدمه من ألفاظ ولهذا تحوي لغة الحياة اليومية أعدادا كبيرة من المفردات ذات الأصول الفرعونية والقبطية والعربية والتركية والإيطالية والانجليزية والفرنسية وكثير من هذه المفردات أو التعابير يكون تطويرا أو تحريفا لألفاظ وتعابير كانت متداولة من قبل ولكن الأصل تم تجاهله. وأضاف الجوهري إن وسائل التكنولوجيا الحديثة وأبرزها الكمبيوتر والمحمول والإنترنت ساهمت في إثراء لغة الحياة اليومية وانتشارها يليها الفضائيات والسينما والتليفزيون وقنوات الأغاني عن طريق نشر هذه المصطلحات والمفردات بشكل واسع بين فئات المجتمع وخاصة الشباب “القوة المتمردة” في أي مجتمع فيقال “فلان شحر” أي استنفد طاقته، و”أوعى تلمس السلك وهو عريان” أي ابتعد عن المشاكل، أو “جاب جاز” وتعني الشعور بالتعب أو “فلان بيلعب في عداد عمره” أي جلب على نفسه الضرر، واللافت أن الأمر لم يتوقف عند حد استخدام ما تجلبه كل وسائل الاتصال والتكنولوجيا بل بات دليلا على انفتاح المستخدم وكونه عصريا وواسع الاطلاع، وبفضل المظهرية والتباهي وجدت هذه المفردات طريقها للانتشار الواسع بين الأجيال الشابة لتكسب حياة جديدة وقوة دفع متجددة وانتشارا واسعا.
لغة الشباب
قال الجوهري إن لغة الحياة اليومية ولغة الشباب بشكل خاص تشير إلى بعض المتغيرات المؤثرة في عملية تجدد تلك اللغة مثل الرغبة في التغيير والرغبة في زيادة سخونة التفاعل وكلها عوامل تدفع الفرد إلى الخروج بالألفاظ عن مألوفها رغبة في التغيير ومخالفة الاستعمال الشائع وابتداع صياغات جديدة وتوليفات تعبيرية مختلفة يلقي بها الأفراد خاصة الشباب إلى الجماعة من الأصحاب والزملاء ويساعد على ذلك الاستخدام المتكرر لهذه المفردات لتحفز كل فرد على ممارسة هذا الابتداع، ومع كل لقاء تتعدد الإسهامات وتتعاظم لغة المجموعة لتخرج من دائرة الشلة إلى دوائر أوسع وتتكرر المسألة ونصبح بإزاء لغة يزيد من انتشارها رغبة المصريين في الدردشة والاستمتاع بالكلام لأطول فترة ممكنة.
وحول انتشار تلك اللغة لدى الشباب قال إن ثقافة الشباب المصري تتصف بأنها رافضة ومتمردة والشباب يتخذون هذه اللغة الجديدة للتعبير عن الرفض، وعدد كبير من الشباب يبدعون كلمات وتعبيرات جديدة ليتميزوا بها وهكذا تتوفر عوامل تأكيد الهوية لدى جماعة عمرية صغيرة لتتضافر في إثراء لغة الحياة اليومية بألفاظ مستحدثة بعضها جديد والبعض الآخر تحوير للقديم أو تشويه له.
وأكد الجوهري أن ذخيرة لغة الحياة اليومية من الألفاظ والتعابير والصور تكشف التحولات والتغيرات في الذوق ومعايير الجمال ومن ذلك كثرة عبارات السب والمعايرة كما تحتشد لغة الحياة اليومية بعدد كبير من الألفاظ والتعابير التي تشير إلى مظاهر الخلل الإداري ومن أبرزها الروتين والمحسوبية، والطابع الأكثر وضوحا هو ما يتصل بتفاصيل الحياة اليومية من زواج وميلاد وأعياد وتعزية وكوارث مثل جزاك الله خيرا وبارك الله فيك وتكون حلالا لك بالخير عند الزواج، وده راجل بركة عند وصف شخص بأنه طيب وأحيانا للسخرية منه.
تحوير المفردات وتحريفها
وقال الجوهري إن لغة الحياة اليومية تتصف بالتحوير والتحريف والتشويه والمفردات يتم اكتسابها شفاهة بالاستماع إلى مفرداتها من الآخرين في سياق الأحاديث اليومية العابرة، ومن تلك المفردات “سكايل” تحريفا لكلمة ستايل و”مونبايل” تحريفا لكلمة موبايل، وهذه التحريفات ليست كلها عفوية وقد تلجأ إليها الثقافة اللغوية عن وعي وإرادة، وقد يتم استبدال بعض الحروف مثل “اسوح” بدلا من أسود وهناك اللجوء إلى تعبيرات بديلة مثل “كوبيا” أي أزرق.
وهناك سمات أخرى مثل استخدام المعنى الظاهر وعكسه ويضم طائفة من الألفاظ والتعابير التي تعني معناها وعكسه فالشخص الذي يوصف بأنه “فتلة” يأتي ذلك في سياق السخرية من بدانته وكذلك تعبير “ماهو بدري” مفروض أن تقال لاستبقاء الشخص ولكنها تقصد العكس، وتعبير “دخانك عمانا” إشارة غير مباشرة لطلب سيجارة، وهناك ألفاظ تقال للسخرية ورفض ثقافة الكبار مثل “انس وخد البنسه” بمعنى اختصر أو “زق” بمعنى انصرف.

دلالات ارتباطات لغة الحياة اليومية للمصريين
أكد د. محمد الجوهري أن أغرب ما في لغة الحياة اليومية للمصريين أنها ترتبط بملامح ما بعد حداثية كأن يقال “صباحه” بدلا من صباح الخير عليك، وهناك عبارات وألفاظ المزاح والسخرية منها “المجاري اتسدت”، للسخرية ممن يذكر انه أخذ حماما، ولمن استيقظ بعد أرق طويل يقال “حمار الليل ركب دماغه” وهناك عبارات تمثل مداعبة لفظية أو سخرية فمثلا يقال لمن يراد منه السكوت والابتعاد “خليك في كوزك لما نعوزك”، وهناك ميل للتعبير والشغف بعبارات وألفاظ عبثية مثل “أوعى الجمبري يعضك” للحذر أثناء السير، أو “بنت موز” للفتاة الجميلة، وللسخرية من الشخص الأحمق يقال “إنت في الهايفة أناناس”.
ومن ملامح لغة الحياة اليومية أيضا استخدام صيغ جمع خاصة ومستحدثة وقد تكون فصيحة أو عامية أو من أصل أجنبي مثل كلمة “ماتش” بمعنى مباراة وتجمع ماتشات، وكلمة بنت جمعها بناويت، وحاسد وجمعه “حاسودية” وقد تسمع هذه الصيغ من خريج جامعة أو ذي منصب لأن المسألة ليست وليدة جهل بقدر ما هي اعتياد أصبح مألوفاً.

اقرأ أيضا