صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

روزالين هيجنز صفحة في ضمير مطوي




السعد عمر المنهالي:

آلاف الهياكل العظمية التي تحمل جماجمها واقفة بغير ترتيب، وعلى الطرف الآخر تقف أشلاء في أكفان بِيضٍ متراصة وكأنها في معرض تشكيلي، جميعهم ينحنون إجلالا وتقديرا لقرار المحكمة الدولية التي وبعد سنوات طويلة منت عليهم بحكم أكدت فيه أنهم كانوا ضحايا إبادة جماعية ارتكبت في غفلة الضمير الإنساني· الحقيقة أن الضمير لم يكن في غفلة، بل إن الإنسان أصلا لم يكن موجودا، بينما كان هناك وحشُ لعب دوره في ملحمة انتصر فيها الشر وقواه·
تمثلت هذه اللوحة في قرار محكمة العدل الدولية الذي صدر في السادس والعشرين من فبراير الماضي والذي قرأته القاضية البريطانية ''روزالين هيجنز'' رئيسة المحكمة القاضية للعالم، عندما أعلنت أن الدلائل المتوفرة غير كافية لتحميل صربيا مسؤولية الإبادة الجماعية في ''سريبرنيتشا'' والتي قام بها صرب البوسنة في يوليو عام 1995 وراح ضحيتها ثمانية آلاف مسلم بوسني، وأن ما قامت به صربيا من دفع رواتب القيادات العسكرية لصرب البوسنة لا يحمل ''بلجراد'' -العاصمة الصربية- المسؤولية عن الإبادة الجماعية· وبالقول: ''لم تخطط للإبادة ولكنها لم تحاول منعها''··· جاء رأي المحكمة الدولية في صربيا الذي أكدته القاضية ''روزالين'' التي قررت بحكمها تبرأة أطراف أخرى ظل الرأي العام الدولي خلال السنوات الست عشرة الماضية على قناعة تامة ليس بتقصيرها فقط بل بأكثر من ذلك·
القاضية المتألقة
ولدت ''روزالين هيجنز'' في الثاني من يونيو عام 1937 لإحدى الأسر اليهودية في العاصمة البريطانية لندن، ورغم أنه لم يكن في عائلتها أحد قد التحق بالدراسة الجامعية، استطاعت ''روزالين'' أن تنهي دراستها في جامعة ''كامبردج'' وتحصل على درجة البكالوريوس عام 1959 والماجستير عام 1962 من نفس الجامعة، ومن جامعة ''يايل'' حصلت على درجة الدكتوراة· عملت مباشرة في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية عام ،1963 عملت كأستاذة للقانون الدولي في جامعة ''كنت'' منذ عام 1978 حتى عام ·1981
وخلال تلك المسيرة حصلت على عدد من الأوسمة التقديرية من جامعات وكليات الحقوق البريطانية والدولية، كمعهد الدراسات الدولية ومدرسة لندن الاقتصادية، والمعهد الدولي للشؤون الدولية، وفي عام 1986 استطاعت ''روزالين هينجر'' أن تشغل منصب مستشارة لملكة بريطانيا، وأن تأخذ مكانها في المحاكم الإنجليزية، ثم الدولية كمحكمة حقوق الإنسان، والمحكمة الأوروبية، ومحكمة الجاليات الأوروبية·
عندما رشحت وزارة الخارجية البريطانية القاضية ''روزالين هيجنز'' لعضوية محكمة العدل الدولية في لاهاي، كان هناك تخوف من أن يرفض التصويت عليها بعض أعضاء الأمم المتحدة، غير أن هذا لم يحدث، ولذلك أصبحت ''روزالين'' أول امرأة تصبح في الثاني عشر يوليو عام 1995 عضواً في محكمة العدل الدولية، ومنذ تلك الفترة شاركت بالنظر في العديد من القضايا الدولية مثل: النزاع الإقليمي بين ليبيا وتشاد، والنزاع حول تيمور الشرقية، وقضية ''لوكيربي''، وغيرها من القضايا الدولية·
ساهمت ''روزالين'' بإضافات أكاديمية ثرية في القانون الدولي بنشرها عددا من الكتب والمقالات المتخصصة عن الأمم المتحدة واستخدام القوة والحصانات الدبلوماسية وحقوق الإنسان، تحولت في بعض منها إلى مراجع أصيلة في القانون الدولي·
جاء إنجازها الأكاديمي هذا ليضيف لحضورها المتميز وعملها الدؤوب في لجنة حقوق الإنسان تألقا آخر، فقد عرف عن ''روزالين'' آراؤها القانونية ذات التحليل المنطقي العميق، وهو الأمر الذي لا يبدو أنها نجحت فيه أثناء نطقها بالحكم في قضية مذبحة ''سريبرنيتشا''، فقرأت حكمها في السادس والعشرين من فبراير الماضي أثناء ترأسها للمحكمة الدولية في لاهاي، بتحليل غير مقنع وبعيد عن المنطق!!

تهمة غير مسبوقة

عندما لجأت ''البوسنة والهرسك'' إلى محكمة العدل الدولية على جمهورية صربيا والجبل الأسود لإثبات تهمة الإبادة الجماعية، سعت بذلك أولا إلى إثبات أن ما تعرض له ''البوسنيون'' عمل همجي مؤدلج على يد صرب البوسنة بمساندة ''يوغسلافيا'' بقوميتها المتطرفة والراغبة في إنشاء صربيا الكبرى على حساب المسلمين سواء بقتلهم أو تهجيرهم، كما رغبت ثانيا في وضع حد لتطلعات صربيا وتعويض المتضررين من مسلمي البوسنة الذين تعرضوا لهذا العمل الوحشي· غير أنه رغم الدلالات العديدة المتوفرة، لم يكن لمسلمين البوسنة والهرسك الذين انتظروا عقدا كاملا سوى الاعتراف بأن ما تعرضوا له بين الحادي عشر والتاسع عشر من يوليو عام 1995 -وحسب القانون الدولي- يعد جريمة ''إبادة جماعية''، خاصة أنه ارتكب بهدف ''القضاء كليا أو جزئيا على مجموعة قومية أوأثنية وعرقية أودينية''، وهو ما تأكد من تعمد قتل مسلمين بلغ عددهم أكثر من عشرة آلاف في مدينة ''سريبرنيتشا'' وحدها، وذلك أثناء الحرب التي تعرضت لها البوسنة والتي خلفت مآسي راح ضحيتها أكثر من 200 ألف نسمة و150 ألف معاق، واغتصاب ما بين 30 إلى 50 ألف امرأة، وتهجير ما يزيد عن مليوني شخص وتدمير البنية التحتية للبلاد تقريبا·
مع سبق الإصرار
لم يأت هذا الدمار فجأة، فقد لجأ الصرب في الإقليم المضطرب إلى ضرب ''سريبرنيتشا'' منذ أن بدأت الحرب في أبريل عام ،1992 الأمر الذي دفع المجتمع الدولي للجوء إلى حماية المنطقة دوليا- بالإضافة إلى ثلاث مناطق أخرى- وفي سبيل ذلك نزعت سلاح سكان المدينة وحولت أمر الحماية إلى كتيبة هولندية بإشراف الأمم المتحدة بعد أن كانت القوات الأوكرانية تقوم بهذا الدور، وهي القوات التي لم تستطع حماية السكان الذين زاد قصف القوات الصربية عليهم، ففر بعضهم إلى الغابة التي كانت القوات الصربية تتربص بهم متخفية بملابس وسيارات الأمم المتحدة وكان مصيرهم القتل بالجملة والدفن الجماعي الذي لازال الستار يرفع كل يوم عن فصل من فصوله رغم مرور ما يزيد عن أحد عشر عاما على تلك الأحداث· ظلت قوات الأمم المتحدة المتمثلة بالكتيبة الهولندية وحتى الناتو نفسه- الذي تحجج ببروتوكول يمنعه من التحرك دون إذن الأمم المتحدة- محط اتهام الكثيرين الذين رأوا أن الأمر برمته كان مؤامرة دولية ضد مسلمي البوسنة كانت تدار في بلجراد العاصمة اليوغسلافية وبإشراف مباشر منها وبعلم وصمت اميركي- خاصة أن أقمارهم الصناعية على علم بكافة التحركات الصربية-، وهو ما تأكد بعد ظهور العديد من الدلالات خلال السنوات الماضية، زاد من تأكدها قرار محكمة العدل الدولية الذي قرر طي صفحة الماضي، لاسيما أن هناك أكثر من عاصمة في العالم ذكر اسمها في هذه الصفحة البشعة من التاريخ الإنساني·
شارك في هذا الحكم إلى جانب القاضية ''روزالن هيجنز'' ثلاثة عشر قاضيا آخر من أصل ستة عشر قاضيا، اعتبروا قرارهم هذا قانونيا تماما وليس هناك أي تدخل أوتسوية سياسية، معتدين في ذلك بما ورد في القانون الدولي بأنه إذا لم تتوافر ''أقوال مكتوبة أوشفهية للمتهم تدعو إلى الابادة أوتوافق عليها، من الصعب معرفة ما إذا كانت تحركه دوافع لإبادة جماعية أوغيرها''، وكان كل ما ورد من تمويل القوات الصربية سواء بالمال أوالعتاد والسكوت على تحركاتهم بل وفتح الطريق لهم كلها أمور غير كافية لإثبات مسؤولية صربيا بالمجزرة!، في الوقت الذي يعد فيه مجرد سكوت طرف ما وعدم إدانته لعمل إرهابي ما على سبيل المثال دليلا يكفي لشن حرب على هذا الطرف!!