صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

بعد المرارة والأسى··· على الرأس أن يعمل أخلاقياً




نيويورك - الاتحاد:

قصة امرأة في القصر الزجاجي في نيويورك···
''ميشيل مونتا'' من هايتي ناطقة باسم الأمم المتحدة· ذكيّة، ومثقّفة، ومناضلة، وأرملة في الثالثة والستين، قُتِل زوجها الصحفي لأنه كان يدافع عن الفقراء· ليس من أجل الخبز فقط، وإنما أيضاً من أجل الحرية··
عاشت أياماً مرَّة، وأخرى حالمة في بلادها التي قالت: إنها موجودة في عظامها، لكن الرحيل كان خياراً مأسوياً ما دام هناك مَن يتربّص لقتلها أيضاً·
لا ببغاء ولا كاميرا
هل يكفي أن يعمل رأس هذه المرأة··· الكترونياً؟ أو بالأحرى، هل يكفي أن يعمل رأس هذه المرأة أخلاقياً؟ ''ميشيل مونتا''، الناطقة الجديدة باسم منظمة الأمم المتحدة، هي من هايتي: ''العذاب أن يكون الجدار بينك وبين الطفولة هو الموت''· إنها من بلد يتعذّب· تستغرب كيف وصلت الضباع إلى هناك: ''حين أتأمل في تلك الطبيعة الساحرة، أسأل: مَن يصنع أسناناً لأزهار الاوركيديا''؟·
في الصحافة لا بد من ذلك الظل الرومانسي· لا يستطيع الصحفي أن يكون ببغاء، أو كاميرا· إنه إنسان بالدرجة الأولى، ترتعش أصابعه، تأخذ عيناه شكلاً معيناً أمام حدث معين· وكان واضحاً منذ البداية أنّ ''ميشيل'' ستغدو، ذات يوم، إعلامية لامعة لأنها كانت تبني التصوّرات، وتحاول إعادة بناء التفاصيل، وكانت تتقن الفرنسية منذ الصغر· تقرأ ''فيكتور هوغو'' و''ديكارت''، وكانت تسأل نفسها: هل العالم بائس ومعقّد ومبرمج إلى ذلك الحد؟
لكنها تشير إلى أن القراءة أعطتها ذلك الثراء الداخلي الضروري دائماً لتطوير نظرتها إلى الأمور: ''كنت أعلم أن الرأس الممتلئ لا يسقط بسرعة''· في هايتي من الممكن أن يسقط بسرعة· لا، لا، بسرعة فائقة· أليس هذا ما حدث لزوجها الصحفي ''جان دومينيك''؟·
كرة أرضية ضاحكة
إذاً، إنها ليست ببغاء على باب أو على أحد أبواب القصر الزجاجي الذي تدرك ''ميشيل'' أنه بحاجة إلى عملية ترميم شاملة· كان الأمين العام السابق ''كوفي أنان'' يقول أيضاً بـ''الترميم الفلسفي''· هناك داخل المبنى إشكالية حول المفاهيم، وحول النظرة إلى العلاقات الدولية· تتشكّل رؤية مشتركة تتيح التكيّف مع سؤال ''توماس فريدمان'': ''لماذا لا تكون الكرة الأرضية ضاحكة؟''·
تلك التي ترونها، في بعض الأحيان، هي ضحكة صفراء· لا تملك ''ميشيل مونتا'' كل ذلك التفاؤل لتقدِّم صورة ورديّة عن الوضع العالمي· عليها، وهي تتحدث، أن تكون مهنيّة بالدرجة الأولى، ولكن أبداً لن تكون فظة أو لا مبالية· لقد عملت في راديو الأمم المتحدة وتعرف كيف تلعب الأشباح داخل الردهات المقفلة· أجل، كما قال الأمين العام الأسبق: ''إن وليم شكسبير يتجوّل خفية في الأروقة''·
''ميشيل'' التي وُلدت عام 1946 في العاصمة بور- أو- برنس، فوجئت يوم الأحد الحادي والثلاثين من ديسمبر من العام الماضي باتصال هاتفي أربكها للوهلة الأولى على الأقل: ''هل تريدين أن تكوني الناطقة باسم الأمين العام الجديد؟''، و''هل تستطيعين مباشرة عملك في الحال؟''·
روح للبشر
المهمّة جذّابة دون شك· ''ميشيل'' وحيدة وتحمل قضية· إنها تعشق السياسة وتجد نفسها هناك، ثم إنها في المنصب الجديد يمكن أن تضطلع بدور مَّا يعيد إليها التوازن الداخلي، على المستوى الأخلاقي على الأقل· ردّت بالموافقة· في اليوم نفسه أصبحت جزءاً من جهاز ''بان كي- مون'' الامين العام الجديد· الوجه رصين، جادّ، وهادئ· عميق أيضاً، فهي ابنة جامعيَّين يتحدّران من البرجوازية القديمة في ''بور- او- برنس''· الأبوان جعلاها تتقن الفرنسية، اللغة الأصلية (الكريول) كانت من حصة أشقائها والحاضنة التي علمتها أن ثمّة روحاً للحجارة· في وقت لاحق تساءلت ما إذا كانت ثمّة روح للبشر··
الكتب كانت مهمّة جداً بالنسبة إليها· هذا ما تقوله لتضيف ''المبادئ أيضاً''· وكانت أمّها تعلمها أن الشخص يتألق فقط حينما يدرك أن لديه واجباته وعليه إنجازها، ربما كان أول واجباتها أن تتمرّد، كانت الراهبات في المدرسة التي انتسبت إليها من دون أفق تقريباً، وراحت تقرأ الكتب الفلسفية الفرنسية، لتقول: ''لم يكن باستطاعتي أن أبقى مجرّد دمية، كان هناك صراخ داخلي بأن أفعل شيئاً لكي لا تبقى المفاهيم مغلقة، أوصدئة، إلى ذلك الحدّ''·
لغة وحرية مختلفة
درست الفلسفة، لكنها لم تستطع التقدّم إلى الامتحان لأن عمّتها وأربعة من أبناء عمومتها أُوقفوا من قِبَل نظام ''فرنسوا دوفالييه'' الذي كان يعرف باسم ''بابا دوك'' اكونه كان طبيبا· الجميع سِيقوا إلى ''قلعة الأحد'' الذي كان يُطلَق عليها اسم ''قلعة الموت''، لأن كل مَن يذهب إلى هناك كان ينتقل، حتماً، إلى العالم الآخر·
''ميشيل'' كانت في السابعة عشرة واختبأت عند أقرباء لها، قبل أن يبعث بها ذووها إلى الولايات المتحدة ''نيو انجلاند'' التي اكتشفت فيها بعض الحرّية، وثقافة ولغة، تقول: ''حُرِمت من البوظة على الفريز، لأنني لم أكن أستطيع أن ألفظ كلمة سترووبيري''· بيد أنها كانت طالبة لامعة وتخصّصت في السياسة الدولية وفي الصحافة، كما أنها حصلت على منحة لإكمال تحصيلها العلمي في جامعة ''كولومبيا''·
في عام ،1971 مات الديكتاتور ''فرنسوا دوفالييه'' دقّ جرس العودة، وهذا كان ضدّ رأي أبيها الذي قال لها: إن هايتي أرض خطرة، لكن بلادها كانت في عظامها، المهم أنها عادت· ولكونها امرأة عهدت إليها الصفحة الثقافية في صحيفة هايتية، الشيء الوحيد في هذه المهمة هو أنها التقت في صالة للسينما رجلاً يدخّن الغليون ويدعى ''جان دومينيك'' الذي يكبرها بستة عشر عاما، الرجل ''شغل بالها''، وهو كذلك، تزوَّجا، وكانت المصلحة مشتركة، إذ كان ''دومينيك'' بصدد إطلاق ''راديو هايتي''، وطلب منها تشكيل فريق العمل·
''وبيبي دوك''
إبان عهد الرئيس ''جيمي كارتر''، كان هناك ضغط على الرئيس الهايتي ''جان كلود دوفالييه'' الذي ورث أباه في المنصب ليطلق عليه لقب ''بيبي دوك''، من أجل إظهار شيء من المرونة في ممارسة السلطة· وكان على الإذاعة المستحدثة أن تختبر حدود تلك المرونة بمضاعفة التحقيقات· ورغم معارضة الأب، كانت ''ميشيل'' تعيش في ظل ''دومينيك'' الذي كان رجلاً ''يغلي'' ويكتب مقالات ملتهبة· أما هي فهادئة، متعقلة ومن المدرسة الانجلو ساكسونية·
وفي 28 نوفمبر ،1980 اقتحم البوليس السياسي محطة الإذاعة، فلجأ ''جان'' إلى سفارة فنزويلا، لكن إدارة الرئيس ''كارتر'' تدخّلت، وبعد خمسة أيام هبط الزوجان في ميامي وأقاما في نيويورك حيث عملت في إذاعة الأمم المتحدة· ومع رحيل ''بيبي دوك'' في عام 1986 وسقوط الديكتاتورية، شهدت هايتي ما يمكن أن يسمّى بـ''ربيع براغ''، وإن كانت الجزيرة لا تعرف تنوّع الفصول، وعاد الزوجان إلى ''بور- أو- برنس'' عودة المنتصرين ليفتتحا الإذاعة من جديد·
''جان دومينيك'' الذي كان يدافع عن الفقراء تحمّس لـ''جان برتران اريستيد''، وهو ما كان يقلق الزوجة· وكاهن مدن الصفيح انتُخب رئيساً في ديسمبر ،1990 ثم أطاح به الجيش في العام التالي ليعود ''جان دومينيك'' و''ميشيل'' إلى المنفى، ولكن مرّة أخرى الرجوع إلى هايتي على خطى الرئيس ''اريستيد'' في عام ·1994 وطوال 6 سنوات لم يكن ''دومينيك'' بالنموذج الذي يستسيغه أهل النظام إلى أن حدثت المأساة ''صاعقة في سماء صافية''·
إنهم قطّاع طرق
في الثالث والعشرين من ابريل عام 2000 توقفت نشرة الأخبار في الإذاعة، وانطلق صوت مذعور يصرخ بأن قطّاع طرق داخل الاستديو· بعد دقائق كانت ''ميشيل'' تشق طريقها بين رجال الشرطة لتجد زوجها ممدداً على الأرض، حاولت أن تتكلم معه، لم تصدر أي ردّة فعل، كانت هناك رصاصتان في القلب ورصاصتان أخريان في الشرايين، كان واضحاً أنّ الجريمة من صنع محترفين·· الجنازة تحوّلت إلى حدث وطني، ولكن لم يعد ''جان دومينيك'' هناك، عادت إلى الإذاعة وأطلقت حملة لمعرفة مَن يقف وراء مصرع زوجها، ليتبين لها تورّط رؤوس كبيرة في السلطة، وتحديداً من حزب الرئيس ''اريستيد''· لم يكن بالإمكان سَوْق هؤلاء إلى ما وراء القضبان، ولكن ليتبيّن لها أن خطة وُضعت لقتلها هي وزوجها في مقابل دفع مبلغ 60 ألف دولار للجناة، تبتسم بأسى: ''السعر زهيد دون شك، لقد شعرت بالإهانة''· في الخامس والعشرين من ديسمبر عام ،2002 كانت عائدة من عشاء، أجهز قتلة على حارسها الشخصي بعشر رصاصات· اختبأت ''ميشيل'' في منزلها وأحكمت إقفال الباب· ولم يكن أمامها سوى خيار وحيد: أن ترحل إلى الولايات المتحدة، وهذا ما حصل في 23 فبراير ·2003 وسكتت إذاعة ''هايتي انتر''·· أين تضع ''ميشيل مونتا'' كل تلك الذاكرة؟ أمامهــــا مهمّـــة معقّـــدة وتتطلب الكثير من الصفـــاء الذهني· تصحّح: ''الكثير من الصفاء الأخلاقي، والمهني، وهذا ما أعطتني إياه التجربة''·

''أورينت برس''