الاتحاد

تقارير

دارفور··· واستراتيجية الأرض المحروقة

دارفور··· واستراتيجية الأرض المحروقة

دارفور··· واستراتيجية الأرض المحروقة

جاؤوا إلى هذه البلدة الواقعة في إقليم ''دارفور'' السوداني على صهوات الخيول والجمال في اليوم المخصص للسوق الأسبوعي، وكان المكان يعج بالحركة، ولكن حالما أطلقت أولى العيارات النارية، تفرق الجميع وفروا، وحسب شهادات السكان، فإن رجال المليشيا عاثوا فسادا في البلدة، فأحرقوا الأكواخ ونهبوا المتاجر وأطلقوا النار على كل من يعترض سبيلهم· وتصف ''آشا عبدالله أباكر'' -التي ترملت مرتين- كيف اختبأت في أحد الأكواخ وهي تدعو الله ألا يضرموا فيه النار إذ تقول: ''لم يسبق لي أن شعرت بخوف كالذي انتابني ذاك اليوم''·
شكلت هجمات ''الجنجويد'' -التي جاءت قبل ثلاثة أسابيع ترافقها الطائرات الحربية الحكومية ويتبعها الجيش السوداني، عودة إلى التكتيكــات التي أرعبت دارفــور في المراحل الأولى والأكثر دموية من النزاع، والواقع أنه قلما شوهدت هجمات وحشية ثلاثية من هذا الحجم-على قدر كبير من التنسيق بين القوة الجوية والقوات البرية والمليشيات في المناطق التي كانت توجد فيها قوات المتمردين- خلال السنوات القليلة الماضية التي شهدت انخفاضا لوتيرة أعمــال العنف، إلا أنها تشبــه نوع الحملات التي شدت انتباه العالم لأول مرة، ودفعت إدارة بوش إلى وصف ما يجري في ''دارفور'' بالإبادة الجماعية·
وحسب عدد من عمال الإغاثة والدبلوماسيين والمحللين، فإن عودة مثل هذه الهجمات تنذر بدخول الاقتتال في ''دارفور'' -الذي أصبح أكثر تعقيدا وتشعبا بينما يتواصل للعام الخامس، مرحلة جديدة ودموية -مرحلة تخطط فيها الحكومة لحملة الأرض المحروقة ضد المجموعات المتمردة التي تقاتل هنا، وذلك في ضوء تعثر الجهود الراميــة إلى التوصــل إلى ســلام متفاوض بشأنه·
وفي هذا الإطار، نفذت الحكومة سلسلة من الهجمات المنسقة خلال الأسابيع الأخيرة، مستعملة القوة الجوية والقوات البرية، إضافة إلى ''الجنجويد''، كما يفيد شهود وقوات حفظ السلام المرابطة في المنطقة· وتهدف هذه الهجمات إلى استعادة الأراضي التي سيطرت عليها منظمة متمردة، ''حركة العدالة والمساواة'' التي تقوت شوكتها مؤخرا وتربطها بالحكومة التشادية المجاورة علاقات وثيقة، غير أن المسؤولين الحكوميين يشددون على أن عملياتهم خُطط لها بعناية بهدف ضرب المتمردين، وليس المدنيين، وإن المليشيات العربية لا تشارك في هذه العمليات، مضيفين أن من بين الدوافع التي دفعتهم لطرد المتمردين هو قيام هؤلاء باختطاف قوافل المساعدات ومنع قوات حفظ السلام من القيام بدوريات في المنطقة، وهي أمور أكدها بعــض عـــمال الإغاثـــة وقــوات حفظ الســلام، وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم الحكومة، علي الصادق: ''إننا نحاول فقط تأمين المنطقة من قطاع الطرق الذين يزعجون المدنيين في المنطقة''، مضيفا قوله: ''وبالتالي، فليس في قيام الحكومة بهذا الأمر ما هو غريب أو غير عادي''·
بيد أن سكان البلدات، قالوا إن المتمردين رحلوا قبل وقت طويل من بدء الهجمات الحكومية، ما ترك المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة عرضة للقنابل والأسلحة، فقد تحدث بعض الناجين، عن سلسلة من الهجمات التي خلفت العشرات من القتلى، وحولت قطاعات واسعة من البلدات إلى ركام من الرماد، ودفعت عشرات الآلاف من السكان المرعوبين إلى النزوح، من بينهم مئات الأطفال الذين فروا من الأقسام الدراسية في يوم دراسي ولم يلتقوا بأسرهم بعد، وفي هذا الصدد، تقول ''عائشة'' التي كانت تنتظر كيس حبوب من الأمم المتحدة في سيربا، وهي واحدة من البلدات التي كانت هدفا للهجمات: ''لقد فر ابني أحمد، ولم أره منذ ذلك الوقت''، مضيفة: ''أدعو الله أن يكون مختبئا في الغابة وأن يعود إليّ سالما''·
تقدر الأمم المتحدة أن الاقتتال الأخير أرغم نحو 45000 شخص على الهروب من منازلهم في ''دارفور'' -تعادل مساحتها مساحة تكساس تقريبا ويبلغ عدد سكانها نحو 6 ملايين شخص، بعضهم نزح إلى تشاد- حيث لم يتمكنوا من بلوغ الأمن الذي توفره مخيمات اللاجئين بسبب تواصل القصف على طول الحدود، في حين فر آخرون إلى جبل ''مون''، وهو معقل للمتمردين في الشرق· هذا ويخشى عمال الإغاثة على سلامة نحو 20000 شخص مهددين بهجمات مقبلة في حال واصلت الحكومة هجومها وأصر المتمردون على المقاومة·
وحسب مسؤولين عسكريين من قوات حفظ السلام في ''دارفور''، فإن الجيش السوداني عزز قواته في غرب ''دارفور'' بلواء من الجنود، إضافة إلى نحو أربع وعشرين دبابة ومدرعة والعديد مــن الأسلحــــة الثقيلــــــة، وتقـــــول ''أميـــرة حــــق'' -المسؤولة الأممية عن المساعدات في السودان-: ''هناك حشد عسكري على الجانبين''، مضيفة: ''على الجانبين أن يكفا عن ذلك، فهناك سكان تعرضوا لهجمات للتو وضُربوا من كلا الجانبين''· في هذه الأثناء، تتزايد الضغوط على السودان بخصوص ''دارفور''، ففي يناير المنصرم، بدأت قوة هجين لحفظ السلام تابعة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي -والتي طال انتظارها- نشاطها في ''دارفور''، غير أن مراوغات الحكومة السودانية بخصوص البلدان المشاركة والتأخير البيروقراطي أخر نشر القوة·
أما حليف السودان وأكبر شركائه التجاريين، الصين، فمازال يتعرض لضغوط من قبل المدافعين عن حقوق الإنسان الذين ربطوا الألعاب الأولمبية في بكين هذا الصيف بالاقتتال في ''دارفور''، ونتيجة لذلك، أصبحت الصين أكثر انتقادا خلال الأسابيع الأخيرة للحكومة السودانية، كما سعت السودان أيضا إلى تحسين علاقتها بالولايات المتحدة؛ والأسبوع الماضي، زار المبعوث الخاص الجديد للرئيس ''بوش''، ''ريتشارد ويليامسون''، السودان والعاصمة الخرطوم، حيث التقى مع الرئيس ''عمر البشير''، غير أن أي تحسن في العلاقات، حسب الدبلوماسي الأميركي، هو رهين بالتحسن الملموس في الوضع الإنساني إذ قال: ''منذ بداية العام، سُجل نزوح نحو 75 ألف شخص في دارفور، أي أكثر من ألف شخص في اليوم، وبالتالي، فلن يحدث أي تغير قبل أن يتوقف هذا الأمر''·

ليديا بولجرين -السودان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا