صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

التعليم الديني والنسق العلماني للجمهورية الكمالية

أنقرة ـ سيد عبد المجيد:

صحيفة ''زمان''، بالرغم من أنها حديثة العهد إلا أن توزيعها كما يقال فاق توزيع صحف راسخة مثل ( ميلليت، صباح، حريت ) بالرغم من أنه لا توجد أرقام تؤكد ما قالته الصحيفة عن نفسها، فالثابت أن توزيع الجريدة يلقى صدى كبيراً وسط الأناضول المحافظ، فيمكن ألا تجدها منتصف النهار، في حين تتكدس أكوام من صحف مشهورة تتصدرها صور فتيات شبه عاريات· الصحيفة -التي يفتخر بعض العاملين بها بأنهم تخرجوا في المدارس الدينية المعروفة باسم ''إمام خطيب''- كانت قبل عشر سنوات محور صخب وهجومٍ ضارٍ من قبل المؤسسة العسكرية والقوى العلمانية في إطار حملة مكافحة التيارات الرجعية، ولأن الصحيفة كان يقف خلفها رجل الأعمال البارز ''فتح الله جولين'' فقد وصمت بدافعها عن مدارس ''إمام خطيب'' وبقية المدارس الدينية التي يملكها ''جولين''· في هذا السياق قد يتصور كثيرون خصوصا خارج تركيا أن هناك حالة عداء مستحكمة وصراع لا يهدأ بين المؤسسة العسكرية والعلمانية برموزها من جانب ومدارس ''إمام خطيب'' وخريجي التعليم الديني بوجه عام من جانب آخر، وقد يكون هذا صحيحاً بشكل ما، بيد أننا سنجده قاصراً على جوانب بعينها، بعبارة أخرى يمكن للمراقب أن يجد في أكثر من حدث ومناسبة، منذ ميلاد الجمهورية قبل ما يزيد على ثمانية عقود وحتى الآن- كم تلاقت الرؤى بين هؤلاء المتعارضين المتنافرين، وعلى مستوى التوظيف السياسي لم تخل العلاقة من تلاق أملته مصالح البلاد، ومعطيات الحفاظ على الهوية الطورانية والقومية التركية العتيدة، والأمثلة في هذا الصدد عديدة يصعب سردها، ولكن سنتوقف عند بعض منها، لما تحمله من دلالات تصب في موضوعنا·
الأزهر في البرلمان التركي
في عام 1999 قررت ''مؤسسة الشؤون الدينية'' التابعة للحكومة التركية والتي كان يرأسها آنذاك ''بولنت إجيفيت'' عدم الاعتراف بشهادات ''جامعة الأزهر'' المصرية، والتي يحصل عليها الطلاب الأتراك، وذلك لشبهة فساد في تلك الشهادات، وهي القضية التي أثارتها الصحافة التركية بما فيها تلك المصنفة في خانة الصحف الإسلامية، وقيل إن بعض الطلاب الأتراك يحصلون على الشهادات دون أن يذهبوا إلى الجامعة، ولم يعترض البرلمان والذي يضم 67 نائباً من أصل 550 من خريجي مدارس ''إمام خطيب'' بل العكس طالب العديد من النواب بوضع قيود على تلقي التعليم الديني من الخارج، خاصة أن الكليات الدينية التي تشرف عليها الدولة منتشرة في أنحاء البلاد وبالتخصصات نفسها فلماذا الإصرار على جامعة الأزهر أو غيرها· الغريب في الأمر أن ''حزب العدالة والتنمية'' وعد ناخبيه في حال وصوله للحكم أن يجد حلاً لتلك الأزمة، وها هي الحكومة بزعامة الطيب ''رجب أردوجان'' خريج مدارس إمام خطيب على مشارف عامها الخامس ولا يوجد في الأفق أي حل·
قبل ست سنوات وتحديداً في نوفمبر ،2000 قام البروفسير ''فاتح شولاك'' العضو في هيئة تدريس بكلية ''الشريعة'' في جامعة ''مرمرة'' بتلاوة آيات من القرآن الكريم على روح الشهداء، خلال احتفال من احتفالات تأبينهم والذي نظم في قبر الشهداء العسكري بمدينة اسطنبول، وشارك فيه الجنرال ''أرغين جيلاسين'' قائد القوات الجوية آنذاك، إلى جانب عدد كبير من قادة الجيش والضباط وأقارب الشهداء، الجديد هو أن التلاوة كانت بـ''اللغة التركية'' بعد أن قام ''البروفسير'' نفسه بترجمتها، ومن جانبه عبر الجنرال ''جيلاسين'' عن ترحيبه الكبير بتلاوة القرآن الكريم بـ ''اللغة التركي'' قائلاً ما نصه: ''لقد سعدت كثيراً بهذا الأمر، فعلى الأقل نستطيع أن نفهم ما نسمعه ونقرأه من الآيات البينات وهذا أمر مهم بالنسبة لنا جميعاً''·
قرآن وأذان بالتركية
المثير في الأمر أن قطاعاً من خطباء المساجد، وهم بدورهم من خريجي التعليم الديني، أيدوا ما ذهب إليه القائد العسكري التركي، بالرغم من رفض المتخصصين والأكاديميين في الكليات الدينية، وجزء كبير منهم أيضاً من خريجي ''إمام خطيب'' مبدأ ترجمة النص القرآني· هذا الانقسام لم يكن هو الأول، وقد لن يكون الأخير، فقبل ما يزيد على خمسة عقود انقسم المجتمع التركي حول الأذان هل يكون بالتركية أم بالعربية؟ فلم يكن صحيحاً أن ''الكماليين العسكريين'' قد فرضوا الأذان باللغة التركية، ولكن الدقيق أنه تم التغاضي عن ''الأذان'' بلغة الوطن الأم اتساقاً مع رغبة شرائح المجتمع التركي ذاته، وهي رغبة جاءت انطلاقاً من ''النعرة القومية'' والحفاظ على ''اللغة التركية الأم''· وعندما تصدى رئيس الحكومة ''عدنان مندرس'' في مستهل الخمسينيات من القرن الماضي للقضية، تركها اختيارية حتى لا يثور فريق على آخر، وهنا لابد أن نتوقف عند نقطة مهمة ألا وهي: أن محاولات تتريك القرآن، مروراً بمفردات الاذان، وأخيراً استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني كل هذا لم يكن بدعاً كمالية، وإنما كان في الأصل دعوات النخب العثمانية طوال القرنين السابقين على سقوط الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن السابق، ويمكن القول إن تركيا الكمالية بمبادئها و خطواتها الثورية كانت في التحصيل النهائي امتداداً للحقبة العثمانية خصوصاً في شقيها الثقافي التعليمي والتحديث الديني· فالتعليم الديني -وتلك مفارقة- كان يشهد ازدهاراً وتنامياً عقب الانقلابات العسكرية خصوصاً انقلاب 12 سبتمبر عام 1980 والذي مثل منحنىً مهماً في تخفيف القيود على التعليم الديني، وكان هذا بهدف تطويق النزعات اليسارية المتنامية آنذاك خصوصاً بالمدن الكبرى، وهو أمر تطلب أيضاً غض الطرف عن ممارسات اليمين القومي المتطرف والمعنون في الحياة السياسية باسم حزب الحركة القومية والأخير معضد قوي لمدارس ''إمام خطيب''·
إلحاد أتاتورك
حتى تكتمل المفارقة سنجد أن مدارس ''إمام خطيب'' كانت تشهد طفرات مهمة في ظل الحكومات العلمانية تحديداً، ففي سبع حكومات رأسها ''سليمان ديميريل'' أنشئت 300 مدرسة، وفي عهد السيدة ''تانسو تشيللر'' (1993 ـ 1996) أنشئت 80 مدرسة، وفي حكومة واحدة لـ''مسعود يلماظ'' دشنت 23 مدرسة، وفي حكومتي ''إجيفيت'' تم بناء 33 مدرسة، في حين أنشئت 19 مدرسة فقط خلال الفترة من 1951 ـ 1959 وهي الفترة إلى حكمها ''عدنان مندريس'' والموصوف بأنه أول رئيس حكومة إسلامي في تركيا العلمانية بل وتذهب أدبيات عديدة إلى القول إن ميول الرجل الإسلامية هي التي أفضت إلى إعدامه عام 1961 وهذا غير صحيح وتلك أمور مشكوك فيها والمجال لا يتسع لتفنيدها·
لكن عندما تجد أجهزة الأمن وثائق تُدرّس للطلبة بمدارس ''إمام خطيب'' -في دولة ينص دستورها على العلمانية- تقول: ''أقسم بالله على أن أجاهد من أجل إقامة دولة على أساس الشريعة وأهب نفسي للحرب على إلحاد مصطفى كمال أتاتورك''، طبيعي أن يتم التدخل، وهذا ما حدث وهنا تم رفع السن الإلزامية للتعليم لثماني سنوات للحيلولة دون وصول الأفكار المتطرفة للشباب·
إن القضية بتركيا ليست في التعليم الديني بحد ذاته، وإنما في القيم والتقاليد ذات الطابع المحافظ السائدة بعموم الأناضول، ''سليمان ديميريل'' (مواليد 1926) الرئيس التاسع للجمهورية التركية على سبيل المثال لا الحصر معروف بعلمانيته وإيمانه بمبادئ كمال أتاتورك، بدأ أسيراً للطرق الصوفية في شبابه، وقد يكون هذا عائداً لنشأته في اسبرطة جنوب وسط الأناضول، ولم يخف الرجل أن أمه كانت محجبة وأخته أيضاً، ويقول ''ديميريل'': تلك هي عادة سكان هذا البلد، في المقابل نجده يرفض وبشدة ارتداء الحجاب في المدرسة، وقبل أسابيع فجر قضية احتمال تولي ''أردوغان'' رئاسة الجمهورية وهو ما يعني أن القصر الرئاسي سيشهد أول سيدة محجبة وهي ''أمينة'' هانم حرم رئيس الحكومة، من الجيل نفسه نجد ''نجم الدين أربكان'' (1925) الإسلامي، كما يوصف وشريك ديميريل في حكومات سابقة كنائب رئيس حكومة وعندما أتته فرصة أن يكون رئيس حكومة تغاضى عن اتهاماته بالفساد ضد السيدة ''تشللير'' زعيمة حزب الطريق القويم السيدة، ليس ذلك فحسب بل إنه أغلق كل ملفات الفساد وهو الشرط الذي وضعته ''تشيللر'' حتى توافق على تشكيل حكومة إئتلافية معه وهو ما حدث بالفعل منتصف ·1996 وهكذا لم يترك التعليم الديني في تركيا آثاراً سلبية على النظام العلماني الذي ظهر متجذراً خصوصاً في مؤسسات التعليم العالي، وهي في مجملها شديدة التمسك بمبادئ الدولة، وعبثاً حاول ''اردوغان'' اختراق هذا السياج إلا أنه لم يتمكن من ذلك حتى اللحظة الراهنة، وغالبيته البرلمانية لم تستطع إجراء تعديل جذري لقانون الجامعات بفضل تكاتف رؤساء الجامعات وأعضاء هيئات التدريس من جانب والتفاف قطاعات عريضة من الشعب التركي حولهم·