صحيفة الاتحاد

الإمارات

العنف بين طلاب المدارس.. ظاهرة دخيلة

تحقيق- أفراح جاسم:

انتشرت ظاهرة العنف بين طلاب المدارس بشكل يستدعي الاهتمام وتوجيه كافة الأنظار إليها سواء من المدرسة أو الأسرة وغيرها من الجهات المختصة لمحاولة صدها والحيلولة دون تطورها بشكل يلحق الأذى بالآخرين سواء جسميا أو نفسيا· والأخطر من ذلك هو ظهور عصابات من المراهقين يستخدمون الأسلحة البيضاء، كما حدث منذ فترة في إمارة عجمان، عندما أمسكت الشرطة عصابة من المراهقين سموا أنفسهم ''الوهقة'' حيث تعرضوا لشخص وأحرقوا سيارته·
ورغم أن هذه السلوكيات تكون ملاحظة على الطفل في المراحل الأولى من تكوين شخصيته، إلا أن إهمال تقويم السلوك السيئ هو الذي يجعل الطفل يتمسك به ويحاول تنميته يوما بعد يوم· ''الاتحاد'' توجهت في هذا التحقيق إلى أولياء الأمور والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لمعرفة أسباب هذه الظاهرة وكيف يمكن مواجهتها وعلاجها·
ظاهرة دخيلة
ويرى عبدالله حميد أن استخدام السلاح الأبيض يشكل ظاهرة دخيلة ونحن السبب فيها أولا وأخيرا، فالأسرة هي المنطلق الأول والأخير الذي يجب عليها تهذيب السلوك لدى الطفل، لأن اكتساب السلوك العدواني أو حتى الحسن يبرز من خلال منهجية الأسرة وتصحيح المعتقدات الخاطئة بالإرشادات، وألا نكون اتكاليين على المربيات من جنسيات أخرى حتى لا يتشرب الطفل سلوكا غير سوي·
ويضيف بقوله: إن معطيات الحياة أصبحت تسبب الإحباطات النفسية للكثير من الناس خاصة إذا واجهتهم ببعض مشاكل أولادهم في المدارس والجامعات·· ولقد صدمنا حينما رأينا طفلا لا يتعدى عمره الأربع سنوات وفي جيبه سكين أحضره من مطبخ المنزل بدون علم الأسرة وعند سؤاله عن السبب قال: ''سأستخدمه في حالة حدوث مشكلة مع أصدقائي''· وهذا أحد الأمور البسيطة التي أفرزتها التغيرات النفسية والصراعات الداخلية في المجتمع الذي بات ساحة لجميع المتغيرات الثقافية الآتية عبر الفضاء الرحب والذي يحمل كل شيء بدون احترام لقدسية حياتنا ومجتمعاتنا·
مشكلة تربوية
وتوضح هدى جمعة الحوسني -موجهة تربوية بمنطقة أبوظبي التعليمية- أن العنف المدرسي مشكلة تربوية تعاني منها مدارس البنين والبنات على حد سواء ولها أسبابها ودوافعها ومبرراتها الكثيرة·· وهي قضية كانت ومازالت الشاغل الأكبر في خطط وبرامج وآليات الكثير من المؤسسات والمناطق التعليمية بل وحتى وزارة التربية والتعليم التي طرحت وتبنت العديد من المؤتمرات والملتقيات التربوية العلمية لبحث ومناقشة هذه القضية التي يحق لنا أن نسميها الحاضر الغائب·
وتتساءل الحوسني هل كل ما يبدر من الطالب من قول أو فعل يخالف به رغبة ونهج الإدارة المدرسية والمعلم هو عنف من قبلِه كطالب؟ في البداية علينا أن نعلم أن العنف لا يعني بالضرورة القتل والفتك بالأرواح وإن رافقه الشتم والضرب، ولا يمكن اتهام الطالب كعنصر رئيسي في إحداثه، ولا يمكن الإشارة إلى المعلمين بأصابع الاتهام كونهم المحركين للعنف بين الطلاب بل هي مسؤولية مشتركة ولا بد من تكاتف الجميع للتخفيف من حدتها·
ويؤكد محمود فاضل -طبيب نفسي- أن أسباب السلوك العدواني متعدد منها التغيرات الفسيولوجية والجسمية وإحساس التحول من ولد صغير إلى عالم البلوغ بتغيرات في الوجه وظهور الشعر وتغير الصوت ونمو الأجسام بالإضافة إلى التغير النفسي الجنسي الذي إن زاد عن حده انقلب إلى تعبيرات مختلفة ومتنوعة وقد يكون العنف أحد أوجهها، أي أن معظم الفئات التي تنتهج هذا السلوك هي التي تتراوح ما بين 12 و18 سنة·· وغالبا ما تقوم بذلك إذا رأت أن المدرسة لا تعتبر مثالاً للانضباط بحيث لا توجه المشاجرات الطلابية (التي من المعتاد حصولها خلال فترة المراهقة) إلى بر الأمان ولا تحاول تهذيبها في جو يقوم على التفريغ النفسي بل على العكس تقوم بكبحها وكبتها حتى يتعاظم الإحساس بالغضب عند الطالب ثم يصرف هذه الطاقة بشكل غير صحي·
وقد ينتهج أحدهم هذا السلوك بعد التأثر بالفضائيات التي تعزز العنف ويجد الشخص نفسه متأثرا ومتوحدا مع شخصية البطل·· وخاصة بعد المشاهدات المتكررة لمثل هذه النوعية من الأفلام لذا يتوجب توفير أناس مهنيين بشكل حقيقي في المدارس حتى يستطيعوا تصريف طاقة العدوان بالممارسات الرياضة والهوايات الأخرى·
فوبيا الخوف
ويقول أيمن الجندي -أخصائي اجتماعي: لقد استقبلت حالة طالب منتقل من مدرسة أخرى منذ خمس سنوات مصاب باضطراب (فوبيا الخوف) نتيجة لاعتداء طالب على زميله بالسكين أمامه·· وقد احتاج لعلاج استمر أربعة شهور داخل محيط المدرسة حتى نزيل الخوف والاضطراب منه·
ومثل هذه المدارس التي تحدث فيها هذه الأنواع من المشاكل يكون عمل الأخصائي الاجتماعي به قصور لأن الدور الحقيقي يكمن في فتح حوار مباشر مع الطلبة والعمل على اكتشاف السلوكيات العدوانية ومحاولة علاجها قبل وقوع المشاكل وأن يعمل بكافة الصور على توفير الجو النفسي الهادئ لجميع الطلاب عن طريق فرض جماعة الشرطة المدرسية (سواء ظاهرة أو سرية) لاكتشاف مثل هذا النوع من المشاكل قبل وقوعها·
كما يجب على الإدارة والأخصائي الاجتماعي مراقبة الصفوف والطلاب للتأكد من خلوهم من الأسلحة البيضاء ومحاولة إيجاد حصص توجيهية وتربوية تفيد الطلاب بالسلوكيات الصحيحة داخل المحيط المدرسي والعمل على إيجاد المثل الأعلى لهم في جميع المجالات حتى نقوي نظرتهم للمجتمع فتصبح نظرة ايجابية·
أما بالنسبة للأسرة فدورها لا يقل أهمية عن المدرسة إذ يجب زيادة التواصل مع الإدارة المدرسية فمعظم أولياء الأمور لا يتابع معنا الأحداث، وعندما نقول للأب مثلا عن إحدى هذه المشكلات نجده لا يصدق كلامنا بل يصدق ابنه· ومن الضروري أيضا منع الأبناء من مشاهدة الأفلام العنيفة والوسائل الإعلامية الحديثة غير الهادفة ومراقبة ما يصحبونه من أدوات وهم في طريقهم للمدرسة· كما أن زيادة الدافع الترفيهي من قبل الأسرة يجلب للطالب الطمأنينة والهدوء ومعرفة الخير من الشر والصح من الخطأ، وبالتالي يبتعد عن هذه السلوكيات المشينة·

تنامي السلوك العدواني

ألقت ''أم عبد الملك'' المسؤولية على الوالدين عند تنامي السلوك العدواني عند المراهق، إذ تؤكد أن العدوانية والصراخ الذي يتم بين الوالدين أو أفراد الأسرة ينعكس سلبا على الطفل فينتهج سلوكاً مشابهاً لهم·· حتى إنه إذا رأى مثلا الوالد يحمل السكين مهددا والدته تنطبع في ذهنه هذه الصورة وقد يقوم بها أمام إخوانه أو أصدقائه·
وأكدت أم عبد الملك أنه يتوجب على الوالدين الاهتمام بالطفل ورعايته ومراقبة ما يشاهده على التلفاز، مشيرة إلى أنه يأتي بعد ذلك دور المدرسة في التواصل مع الأسرة وإبلاغها بتصرفات ابنها حتى يتم إصلاحه قبل أن يقدم على أمر يندم الجميع عليه بعدها·
مظاهر العنف

من أبرز مظاهر العنف -كما تقول هدى جمعة الحوسني- إلى جانب استخدام السكاكين في هذه الأيام الاعتداء اللفظي والبدني عن قصد على الغير وإلحاق الأذى بالممتلكات وتدمير كل ما يتصل بالمرافق العامة والمنشآت· وهناك أسباب ترجع للشخصية ذاتها منها الشعور بالإحباط وضعف الثقة بالذات وطبيعة مرحلة البلوغ والمراهقة·· وعدم إشباع الطلاب لحاجاتهم الفعلية والتعليمية من قبل المعلمين والإدارة المدرسية والمبنى المدرسي الذي تفتقر إلى تحديثه العديد من مدارس الدولة·