صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

أداء الاقتصاد العالمي يتأرجح على تقلبات أسعار النفط

تشعل أسعار النفط المرتفعة نار القلق بشأن تأثر الاقتصاد العالمي عموما وتأرجحه بين القوة والضعف، لكن في الوقت الحالي نجد أن الانخفاض الذي شهدته أسعار النفط مؤخرا قد ولّد شعورا بالتفاؤل حسب ما ورد في تقرير مركز أبحاث ستاندارد وبور· ويُذكر أنه منذ بلوغ سعر نفط غرب تكساس الخام ذروته، 78 دولارا للبرميل في الصيف الماضي، شهدت الأسعار انخفاضا ملحوظا لدرجة بلغ فيها سعر البرميل ما يقل عن الخمسين دولارا في يناير الماضي، ومن ثم ارتفع ليصبح 61 دولارا في الثالث والعشرين من فبراير الماضي، ولا يزال هذا السعر أقل بكثير من أعلى سعر شهدته أسعار النفط في عام ،2006 وقد تمت الإشارة الى أن من بين أهم أسباب تراجع الأسعار النفطية في الأشهر الماضية، الطقس الحار غير المتوقع، وضعف الطلب، حتى في حين ارتفعت أسعار النفط، بقي الاقتصاد العالمي قويا، والتضخم- على الأقل خارج قطاع الطاقة- شهد ارتفاعا ولكن بصورة طفيفة، وهذا الأمر انطبق على جميع اقتصادات العالم بمختلف أنواعها·
أما الآن وقد اتجهت أسعار النفط للاستقرار عند 60 دولارا للبرميل، فإن الأسئلة التي تطرح نفسها هي: ''كيف يمكن لأسعار النفط المنخفضة أن تساهم في تعزيز ودعم، ودفع عجلة القوة الاقتصادية نحو الأمام؟''، و''هل سيضطرب الاقتصاد ويترنح في حال ارتفعت أسعار النفط مجددا الى 78 دولارا أميركيا؟ ''·
وللإجابة على هذه الأسئلة، فإن من المهم جدا النظر الى السبب الذي من ورائه تمكّن الاقتصاد العالمي من النجاة والاستمرار بقوة بالرغم من الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار النفط سابقا، والكيفية التي سيؤثر بها استمرار انخفاض الأسعار النفطية على النمو الاقتصادي· الجدير بالذكر ان اعتماد أسواق النفط على الاحتمالات السعرية في منطقة الشرق الأوسط يجعل من عملية توقع ارتفاع أسعار النفط أمرا مستحيلا، خصوصا على المدى القصير، لكن يمكننا على الأقل توقع مدى ارتفاع الأسعار على المدى البعيد، وقياس المخاطر على المدى القصير·
نقص المعروض
لطالما كان التنبؤ بأسعار النفط من الأمور الصعبة، على المدى الطويل والقصير أيضا، ومن بين العوامل المتقلبة التي تؤثر على أسعار النفط في المدى القصير نذكر الأحداث السياسية وأحوال الطقس، وعلى المدى الطويل يذكر أن الإمدادات النفطية تكون محدودة، ويتزايد الطلب على النفط، مما يساهم في تكوين ضغوط متصاعدة· كم من الوقت نحتاج حتى ينفد الإمداد النفطي المحدود، وكيف ستتمكن الدول الصناعية من التحوّل الى المصادر البديلة عن النفط، وتحديدا فيما إذا كانت بانتظارها أزمة نفطية جديدة، وبالرغم من كثرة الحديث عن احتمالات نقص مصادر الطاقة، إلا أن هناك فائضا كبيرا من مصادر الطاقة على وجه الأرض وفي باطنها، لكن ما ينقصنا فعلا هو النفط الخام ''الرخيص''، وحسب تقديرات وكالة معلومات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة الأميركية، فإن هنالك حوالي 6 تريليون برميل من البترول في العالم، منها حوالي خمسة تريليونات برميل متركزة في المناطق التي يصعب الوصول إليها- كالمناطق القطبية والبحرية، والمناطق المضطربة سياسيا- كالشرق الأوسط ونيجيريا، أوالمناطق الحساسة بيئيا·
ومن بين الأنواع الأخرى من الوقود الأحفوري، نذكر مصادر النفط غير التقليدية كرِمال القار أوالقطران والزيت الحجري، والتي تحوي ما يقارب 3 تريليونات برميل إضافية من النفط· أما مستويات الغاز الطبيعي، فقد تمت الإشارة الى أنها تتجاوز أوربما تفوق مستويات النفط، ووفقا لمعلومات وكالة الطاقة الدولية، فإن الاحتياطي المؤكد من الغاز الطبيعي ربما يكفي للإمداد لفترة لا تقل عن 65 عاما نظرا لمستويات الإنتاج الحالية·
الطاقة الرخيصة
ومن العوامل الأخرى المؤثرة في الأسعار النفطية، زيادة الطلب على الوقود الأحفوري، وذلك كنتيجة للنمو الاقتصادي القوي الذي تشهده دول قارة آسيا، وحسب تقديرات وكالة معلومات الطاقة الأميركية، فإن نسبة الطلب على النفط ستشهد ارتفاعا بمعدل يصل الى 40 في المائة خلال الخمس والعشرين عاما القادمة، بحيث تكون 70 في المائة من هذه الزيادة قادمة من الاقتصادات الجديدة الناشئة، 31 في المائة منها تأتي من الهند والصين، حيث لا تزال عملية التصنيع في مراحلها المبكرة، وقيد الانتشار، لكن بالرغم من ذلك فقد شهدت أسعار النفط انخفاضا بلغ حوالي 36 في المائة من إجمالي الإمداد العالمي في عام ،2003 وذلك من 44 في المائة في عام ،1971 ويذكر أن الانخفاض السعري كان ناتجا عن الاستخدام المتزايد للغاز الطبيعي، والطاقة النووية·
وبالرغم من أن الهبوط الأخير في أسعار النفط قد رفع الآمال الاقتصادية، فإن عصر الطاقة الرخيصة قد وصل الى نهايته، وشارف على الانتهاء· وبمرور الوقت، سيتعين على العالم أجمع التخلّي عن مصادر الطاقة الرخيصة والنفط الوفير، والتحوّل الى مصادر طاقة أعلى تكلفة· ويذكر أن انخفاض أسعار النفط منذ آخر أعلى سعر تم تسجيله في شهر يوليو الماضي للدليل على أن الاقتصاد العالمي يرفض السقوط أوالغرق في مستنقع الرّكود الاقتصادي· وفي حال بقيت الأوضاع هادئة في منطقة الشرق الأوسط، أوعلى الأقل لم تزدد سوءا، فإن من شأن عمليات الاستثمار في مصادر النفط التقليدية وغير التقليدية أن تحافظ على أسعار الطاقة في حدود 60 دولارا·
سيناريوهات الأسعار
ما تأثير تقلبات أسعار النفط على الاقتصاد العالمي بشكل عام؟ تفترض إحدى السيناريوهات أن أسعار النفط ستعود للنهوض والارتفاع مجددا لتصل قريبا الى ذروتها عند 78 دولارا أميركيا للبرميل، وهناك سيناريو آخر يتنبأ بأن أسعار النفط ستبقى قريبة من حدود الستين دولارا أميركيا للبرميل الواحد·
الجدير ذكره أن قفزة أسعار النفط مجددا والوصول الى 78 دولارا أميركيا من شأنها أن يخفّض من نسبة النمو الاقتصادي المتوقعة لعام ،2007 والتي تبلغ حوالي 2,6 في المائة، وهذا لن يؤدي الى فترة ركود اقتصادية، لكنه سيترك مجالا متاحا لنكسات متوقعة في حال تزايد الخلاف· وبناءً على الافتراض القائل: إن الأسعار النفطية ستنخفض مجددا بعد عام، فإن الاقتصاد العالمي سيعود الى مساره السابق·