الاقتصادي

الاتحاد

"عطسة التنين" تصيب أسواق المال العالمية بـ "الزكام"

دبي - عاطف فتحي:

تكرر كثيراً استخدام التعبير التقليدي القائل إنه ''إذا ما عطس جرينسبان (أو بالأحرى برنانكي حالياً) تصاب أسواق العالم بالزكام''·· ومغزى ذلك التعبير الساخر يتعلق بالأثر الهائل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على أسواق العالم، لكن فيما يبدو حان الدور على التنين الصيني ليعطس فيصاب العالم بأسره بالبرد أو الزكام، وما حدث يوم الثلاثاء الماضي في بورصة شنغهاي خير دليل على ذلك·
ومن الممكن أن تمثل أحداث الثلاثاء الماضي بداية حقبة جديدة في تاريخ أسواق المال العالمية فقد جرت العادة أن تبدأ الشرارة من سوق عالمية وخاصة من الولايات المتحدة ومن ثم تتدحرج الكرة بقوة لتأخذ في طريقها بقية الأسواق، أو في نطاق أضيق أن تتأثر سوق ناشئة ما مثل البرازيل أو الأرجنتين أو الهند ومن ثم تتأثر أسواق ناشئة أخرى دون أن يمتد ذلك إلى الأسواق الرائدة والكبيرة·
لكن السيناريو اختلف هذه المرة، فلا الشرارة الأولى جاءت من سوق عالمية رائدة، ولا التأثير اقتصر على الأسواق الناشئة فحسب، بل غطى غالبية أسواق العالم وألحق أضراراً بالغة بالبورصة الأميركية ومثيلاتها الأوروبية وبعدد من الأسواق الناشئة أيضاً، نتيجة لخسائر بورصة شنغهاي والتي بلغت 9% يوم الثلاثاء، وهو أكبر تراجع في سوق الأسهم الصينية على مدى 10 سنوات، مما أدى إلى تلاشي ما يزيد على 140 مليار دولار من قيمة الأسهم·
وعلى الفور بدأ نزيف الخسائر وسيطر اللون الأحمر على المؤشرات الرئيسية في أسواق العالم مثل ''اس آند بي'' و''داو جونز'' في الولايات المتحدة حيث هوى مؤشر داو جونز بنسبة 4,3%، وهو أكبر تراجع يشهده المؤشر منذ هجمات 11 سبتمبر، كما تأثرت مؤشرات نيكاي الياباني وفوتسي البريطاني وكاك الفرنسي وداكس الألماني وغيرها من المؤشرات الرئيسية·
وجاء هذا الانهيار الحاد في البورصة الصينية بعدما كان مؤشر بورصة شنغهاي قد ارتفع بما يزيد على 130% العام الماضي، وسط مخاوف على خلفية تكهنات بأن الحكومة الصينية ستطبق إجراءات لمحاربة المعاملات غير المشروعة في الأسهم، ناهيك عن فرض ضرائب على أرباح الاستثمار في الأسهم·
وكانت السوق الصينية هي الأفضل أداءً في العام 2006 كما أن مؤشر شنغهاي المجمع ارتفع إلى أعلى مستوياته على الإطلاق ليصل معدل نموه منذ بداية العام الحالي إلى 14% قبل الهزة الأخيرة· وتراجع المؤشر المجمع لبورصة شنغهاي 3,3% لدى بدء المعاملات الخميس الماضي علماً بأنه كان قد تعافى بنسبة 3,9% يوم الأربعاء·
ومما لاشك فيه فإن من الخطأ الاعتقاد فقط أن تكهنات حول قرارات وإجراءات حكومية هي السبب الوحيد أو المحفز لموجة بيع من هذا النوع، وأزمة الثلاثاء ما هي إلا النهاية المنطقية لفورة صعود انطوت على الكثير من المبالغات في القيم السعرية الأمر الذي يذكرنا بما حدث في الإمارات وأسواق الخليج، حيث تمددت القيم السعرية إلى مستويات غير منطقية على الإطلاق ومن ثم جاء التصحيح الحاد الذي أعاد الأسهم في منطقتنا إلى مستويات ما قبل العام ·2004
وفي ضوء ذلك ينتظر أن تستمر موجة التصحيح في الأسواق العالمية خلال المرحلة المقبلة خاصة وأن المؤشرات الاقتصادية القادمة من الولايات المتحدة لا تبشر وتعكس تباطؤاً في النمو·
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ''لماذا امتد تأثير أزمة الأسهم الصينية ليغطي غالبية أرجاء المعمورة ؟·· ولماذا أيضاً لم تتأثر أسواقنا بينما تأثرت أسواق أخرى مجاورة ومنها مصر على سبيل المثال ؟''·
في واقع الأمر فإن ارتباط الأسواق الإقليمية بمثيلاتها العالمية مازال محدوداً وفي أضيق نطاق، وإذا ما كانت عمليات بيع محدودة قد حدثت في بعض الأسواق الإقليمية فإنها جاءت نتيجة أمور نفسية لا أكثر ولا أقل ربما باستثناء البورصة المصرية وبدرجة ما البورصة المغربية حيث إن حضور صناديق الاستثمار في الأسواق العالمية الناشئة أكثر وضوحاً وبالتالي فهي الأكثر تأثراً بما يحدث في أسواق عالمية أخرى قياساً إلى أسواق الخليج مثلاً، دون أن ينفي ذلك الارتباط المتزايد بين أسواق المنطقة بعضها البعض، وكذلك الضوء البعيد في نهاية النفق بشأن حماس ''وليد'' من جانب مؤسسات استثمار عالمية للدخول إلى أسواق الخليج مدفوعة بقيم سعرية جذابة في الآونة الأخيرة·
والحال كذلك من الطبيعي أن يبدأ أي مستثمر يومه بمطالعة مؤشر شنغهاي المجمع، لا ''داو جونز'' أو ''فوتسي''، ومن حسن الحظ أن الصين تسبقنا زمنياً، وفي أشياء أخرى كثيرة أيضاً، بما يعني أننا سنعرف ما يحدث هناك قبل أن يبدأ مستثمرونا يومهم وبالتالي يتخذون القرارات تبعاً لذلك!·

اقرأ أيضا