صحيفة الاتحاد

الإمارات

ناصر العلوي: دبي من أهم موانئنا التجارية قديماً



مسقط- يوسف البلوشي:

تتمتع سلطنة عمان بتاريخ بحري مشهود في منطقة الخليج منذ زمن بعيد، ويعد البحر احد الشواهد المهمة على الملامح التجارية التي كانت تزخر بها منطقة الخليج قديما·
البحارناصر بن علي العلوي بحار من ذلك الزمن الجميل، جاب هو ورفاقة عباب المحيطات آنذاك بفضل ما تملكه عائلته في ذلك الوقت من اسطول من السفن بلغ 40 سفينة، ويتحدث البحار ناصر عن أهمية الرحلات البحرية القديمة واسهاماتها في التجارة الخليجية قديما، وقال إن سفنه جابت البحار ومخرت المحيطات إلى مختلف الدول والمدن مثل دبي والبصرة والهند والسواحل الأفريقية·
وقاد العلوي وهو من ولاية صور البحرية عدة سفن وكان ربانا و(نوخذه) لها، كان يحملها بالبضائع العمانية ويوصلها الى سواحل افريقيا والهند ودول أخرى ويعود محملا ببضائع من تلك الدول·
قال ناصر وكأنه يستعيد مجده البحري القديم: جميل أن ترى الاهتمام بالموروث البحري والعماني الذي قامت به السفن العمانية والصورية آنذاك، فقد اهتمت السلطنة بالسفن وبصناعتها وطباعة المنشورات التي تقدم المعلومات عن تلك المهنة التي كانت مصدر رزقنا الوحيد، وقد اقامت بعض المتاحف وضعت فيها سفنا كشاهد وكنماذج تحكي قصة عمان البحرية·· يعلم الجميع اليوم ان هذه السفن وصلت إلى مختلف البلاد الأفريقية والعربية والخليجية، وبالنسبة لنا فقد كنا نملك أسطولا من السفن المتوسطة لابأس بها وسفنا كبيرة كانت تجوب البلاد تحمل البضائع·· ويلتقي
بالعديد من الباحثين لأعطيهم تفاصيل عن حياة البحارة العمانيين وتفاصيل حياتهم فيما كانوا يمارسونه ويقتاتونه وطرق المعيشة على ظهر السفينة التي كانت ترتحل لمدة شهر إلى شهر ونصف لتلك البلاد وأنني أطالب جهات الاختصاص أن يكون هناك اهتمام مماثل لتقصي سيرة البحارة ودراسة أحوالهم الحالية وترجمتها لمختلف اللغات لأنها تاريخ يمثل هذا البلد العظيم·
يقول البحار ناصر واصفا اهتمام الباحثين والدارسين برحلاته البحرية: منذ فترة وجيزة قام الباحث البريطاني ديفيد ميلر بزيارة إلى ولاية صور يلتقي خلالها بالبحارة القدامي في التاريخ البحري القديم لجمع اكبر قدر من المعلومات عن حياة البحار القديم وترجمتها إلى قصص باللغات الألمانية والإنجليزية وبالتالي إعادة صياغتها لقصص تدرس إلى طلاب وأخرى إلى الأطفال بمختلف المدارس ومنها إلى مدارس في شرق آسيا· وخلال مهمة بحثه التقيت به وأعطيته شرحا كبيرا ومفصلا عن دور البحارة في التاريخ البحري القديم وكيف تطورت مهنة البحار الآن، ودور السفن قديما في الترحال ونقل البضائع ودورها الضليع سابقا في التجارة وزودته بمعلومات عن التدرج الوظيفي للبحار منذ ان ينخرط في هذه المهنة وهو صغير السن والى أن يكبر وتزداد خبرته في البحر، وماهي أعماله وممارساته اليومية على ظهر السفينة طوال فترة ترحاله إلى الجهة المقصودة، وكذلك عن مهام ربان السفينة وحياته اليومية·
ويقول العلوي عن الموانىء والمرافىء التي كانت له قصص فيها: كنت ارتحل إلى موانىء دبي وأفريقيا وزنجبار والبصرة والخليج ومنذ أن كنت صغيرا مع والدي وأجدادي كنت أتعلم منهم أصول الملاحة وكيفية الترحال حيث كنا نخرج لرحلة تستغرق الشهر ونصف إلى شهرين في البحر وكنت أيامها صغيرا وهذا الكلام في الخمسينيات حيث كنا نساعد البحارة ونتعلم القرآن وبعض العلوم البحرية على ظهر السفينة·
كنا نبدأ يومنا بصلاة الفجر بعد ان نستيقظ على صياح النهام للآذان ونصطف مع البحارة للصلاة ومن ثم تلاوة القرآن الكريم وخلالها ينشغل كل في مهامه، فالطباخ يعد الإفطار والبحارة كل في قسمة، منهم من يسحب وينزل الحبال ويرتب الأشرعة، والربان يستلم مناوبته إلى أن يحين وقت الإفطار فنجلس مع الكبار من البحارة ونتناول الطعام قبل أن ننخرط مرة أخرى في اعمالنا مع بقية البحارة لنتعلم منهم أصول الملاحة، وما أن يأتي المساء حتى نجلس للاستراحة وتبادل القصص و''القفشات'' في ''سبلة'' عمانية صغيرة على ظهر السفينة إلى أن يحين موعد النوم·· كنا نحمل غذاء لأشهر الرحلة ويخزن ضمن أحد أقسام السفينة حيث كان يخزن في مكان يدعى آنذاك ''الدبوسة'' وهو مستودع أو مخزن لحفظ الأطعمة أو ''الراشن''·
يصمت العلوي قليلا وكأنه يستذكر تلك الصور وتلك الذكريات التي يحبها والتي لا تزال تتوهج في رأسه وكأننا اعدنا اليها ذلك التوهج، قال: تستغرق رحلاتنا شهرا أو شهرين حسب طبيعة الرياح كنا نخرج من (صور) ونبحر إلى سواحل أفريقيا وزنجبار وزائير ومالاوي وسومطرة وغيرها كثير، وكذلك كنا نبحر إلى بومباي بالهند والى البصرة بالعراق والى مدن الخليج مثل البحرين والكويت، وكانت هذه الرحلات للتجارة أولا وأخيرا·· كنا نذهب محملين بالبضائع العمانية التي كانت أيامها التمر ''السح'' والعسل والسمن، وكنا نجلب ''القندلة'' وهي أعمدة شبة طينية كانت تصنع منها البيوت، والتوابل المختلفة والتمور العراقية وهكذا حسب ما تتميز به المنطقة التي كنا نذهب إليها·
لم يكن لدينا وقت فراغ، هكذا يكمل العلوي حديث ذكرياته، لم يكن لدينا وقت فراغ فنحن في عمل متواصل طوال الرحلة وكنا نتعلم كل شيء من البحارة الاقدم سنا والأكثر خبرة، وهكذا اصبحت ربانا لسفن العائلة، كنت ''النوخذة'' الذي يقود السفينة ويشرف على بقية البحارة، وكنت أوجه بخبرتي التي اكتسبتها مع الزمن ''السكوني'' وهو الرجل الذي يمسك بدفة السفينة واستخدم الادوات البحرية، الاصطرلاب والبوصلة لاوجه السفينة باتجاه الرحلة·· إيه ايام·· كنت أشرف على عمل البحارة ولم يكن هناك فرق بين النوخذة والبحار، فقد كنا في نفس القارب، كنا في غاية الانسجام فمصيرنا واحد، وهكذا يجب ان يكون القائد·
والحمد لله ان الله نجانا كثيرا من أهوال البحر وعواصفه وأمواجه العاتية·· كانت عناية الله دائما معنا واذكر مرة كنا قبالة سواحل عمان، وكنت اقود السفينة عندما ارتطمت بصخرة فكسر هيكلها وتسرب اليها الماء·· كان يوجد نحو مائة راكب بينهم طاقم بحارة السفينة، وكان علي ان اتصرف وبسرعة فالمياه تتسرب بسرعة وغزارة واذا زاد وزن السفينة وامتلأت فراغاتها بالماء فستغرق لا محالة، قفزت من أمام الدفة بخفة الشباب لاجد نفسي في المكان الذي تتسرب إليه المياه ولم اجد غير عمامتي ''مصرّي'' لاسد بها الفتحة قبل أن يحضر لي البحارة بعض الاخشاب التي سنصلح بها العطب·· والحمدلله نجانا الله، وهناك مواقف كثيرة غير هذه لم تكن بتلك الخطورة
تلك أيام أما اليوم فقد اختلف الحال وأصبحت علاقتنا مع البحر مختلفة لأن الدنيا الآن غير واندثرت تلك السفن ولكني قمت بإنشاء شركة تحمل نفس الطابع البحري وهي شركة صور للسياحة والخدمات البحرية تنفذ رحلات سياحية بحرية على مدار الأسبوع للسواح الاجانب والمواطنين في ولاية صور وخارجها للتعريف بهذا الموروث وتعزيز دور السياحة كقطاع هام وحيوي ونظام الرحلات عبارة عن رحلات يومية وأسبوعية فالرحلات اليومية على مدار الاسبوع للفترتين الصباحية والمسائية ماعدا يوم الخميس تشمل رحلة بحرية حول ولاية صور والذهاب الى برج مدخل مدينة صور البحري وخور البطح والعيجة وشاطئها وشاطيء شياع وشواطيء الولاية وتتوفر في هذه الرحلة تقديم المرطبات والمياه المعدنية اما الرحلات الاسبوعية والتى تبدأ من صباح يوم الخميس من صور الى رأس الحد والاقامة في منتجع شاطئ السلاحف برأس الحد المزود بكافة سبل الراحة وتوفير الوجبات الثلاث ويشمل البرنامج على جولة بحرية في رأس الحد وخور جراما وشواطئ صور ثم الرجوع يوم الجمعة وتقوم الشركة بتسيير رحلات بحرية من صور الى مسقط والعكس تشمل جولة بحرية داخلية في شواطئ مسقط والاماكن السياحية فيها وأسعارها في متناول الجميع فبالنسبة للرحلات اليومية 3 ريالات للشخص الواحد وريال ونصف للاطفال من 12 ـ 18 سنة اما الاطفال الاقل من 12 سنة مجانا اما الرحلات الاسبوعية تكون 20 ريالا للشخص الواحد و30 ريالا للشخصين ومجانا للاطفال اقل من 12 سنة وتوجد لدي أربع سفن مجهزة بكامل لوازم الراحة حيث توجد ثلاث سفن في مسقط وواحدة في صور وتتسع السفينة الكبيرة 85 شخصا والسفن الصغيرة 25 شخصا بالاضافة الى وجود مطعم عائم في رأس الحد وإن شاء الله سوف تتواصل الرحلات البحرية طوال هذا العام والأعوام القادمة واستمدت هذه الفكرة من التاريخ الكبير لنا في هذا المجال واستخدمت السفن لهذا القطاع الحيوي وتعريف روادنا بماضينا العماني البحري التليد·