الاتحاد

دنيا

صالح اليعربي: من ينشد المعرفة والتميز لا يعرف اليأس

صالح اليعربي: من ينشد المعرفة والتميز لا يعرف اليأس

صالح اليعربي: من ينشد المعرفة والتميز لا يعرف اليأس

تفاعل مع الحياة، بل تحداها ووقف في وجه عاديات الزمان، انتزع حقه من جوف المعاناة، تألق وتميز بأعماله التي ستظل خالدة أبداً، لامس النجاح، ومن فوق كرسيه قاد الناس للصواب، تحرك في عالم فسيح لا حدود له، انطلق ينير الطريق ويبث في النفوس العزيمة والقوة، إيمانه عميق بقدراته الفكرية والخيالية، عشق المعرفة فأنارت طريقه وسبيل من حوله، من يجالسه يدرك فصاحة لسانه وشفافية قلبه، نجح إلى حد كبير ولايزال يرسم لخطواته مسافات بعيدة مستقبلية، يؤكد أنَّ قوته استمدها من القرآن الكريم، ومن إيمانه العميق بكل مفرداته، ويدين بالمحبة والخير لبلد معطاء يكرم الفرد، ويعترف بالإبداع والتميز، إنه المقاتل والمتحدي والمبدع والعصامي صالح اليعربي.


صالح اليعربي كُرِّم مؤخرا بجائزة أبوظبي للإبداع مع ثمانية آخرين بصموا حياتهم وحياة الآخرين بالإبداع والتميز، كل في مجاله، علم بفوزه بجائزة أبوظبي قبل يومين من إعلان النتائج، كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له، حتى أنَّها أبكته فرحا، لم يستوعب ذلك إلا حين اعتلى منصة التتويج ليكرمه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكانت الجائزة في دورتها الخامسة في احتفال كبير بفندق الإمارات.

رحلة كفاح طويلة

يقول صالح اليعربي عن رحلته الكفاحية وفوزه، وعن كل ما يخالج صدره: انطلقت رحلتي الحياتية من على هذه الأرض الطيبة، اعترافي وامتناني لكل شبر فيها، ساندني الناس وعرفت الحب والخير فيها، أما رحلتي الشخصية فهي رحلة كفاح طويلة، رحلة مع الإعاقة ورحلة مع الصبر والعلم، رحلة جزئياتها دقيقة جدا، لا أحسب سنوات عمري بالأعوام، ولكن بثوانيها ودقائقها، لم تبسط لي الحياة يديها حانية علي، بل كانت تقسو أكثر مما تغدق علي من فيض حنانها، ربما ذلك جعلني أعاكسها وأنتزع حقي منها بقوة، فهي لا تعترف بالمتهاون ولا “الدلول”، والشدائد دائما تخلق الإنسان.

القرآن الكريم مدرستي الأولى

يبوح محدثنا بمعاناته مطمئناً: لم أخلق كسيحاً، وأصبت بضربة في الظهر أثرت على صحتي وزادتني قوة وصلابة، سقط رأسي في عمان، وترعرع في الإمارات، عرفت الطفولة والمراهقة هناك والنضج والكفاح هنا، ومن هنا انطلقت في الحياة، لامست خيوط النجاح، وتتبعت نورها ولازلت أبحث في كل اتجاه عن التميز، ولا أرغب في المرور على الحياة مرور الكرام.
ينحني اليعربي تواضعاً، ويتحدث عن كفاحه في مجال المعرفة والعلم، فيقول: حصلت على الشهادة الابتدائية في عمان ثم قدمت إلى الإمارات سنة 1975، التحقت بالعمل في القوات المسلحة، وإثر حادث في العمود الفقري بسبب تدريبات رياضية، انقطعت عن العمل في سنة 1976ورحلت للعلاج على نفقة الدولة، ثم رجعت إلى الإمارات، سنة 1978 وتلقيت الرعاية الشاملة على عدة مستويات، وفي هذه اللحظات كان ملاذي هو المطالعة والقراءة عشقي وونيسي، والقرآن مخفف آلامي، كنت أغوص في معانيه واستمد قوتي وصبري من كلماته ومعانيه العميقة، لم يكن سهلا تجاوز الأزمة لولا تضافر الكثير من الجهود والدعم المعنوي الذي قدمه لي البعض، لم أفارق المطالعة الحرة يوما، فأنا قارئ نهم، لم تكن هواية فقط، بل كنت ولازلت أقرأ المعاني وعمق الكلمات، وما خلف السطور، أهلني ذلك لأقدم عصارة تجربتي للقارئ، كونت حصيلة قوية للدخول في مجال الكتابة الثقافية والأدبية والاجتماعية، بدأت بالخواطر، وانطلقت أنسج ما بدواخلي كلمات،.
وأذكر أن أول مقال نشر لي سنة 1986، وكان عن معرض الكتاب في المجمع الثقافي، وبعد ذلك انقطعت عن الكتابة لمدة 15 سنة، ورجعت إلى القراءة في جميع المجالات، وأقولها بكل فخر، إن مدرستي الأولى هي القرآن الكريم، كما قرأت كتب النقد الأدبي، على مستوى الأدب العباسي والجاهلي، كما استطعت وبعد 15 سنة الرجوع إلى الكتابة، حيث شعرت أن لي القدرة على الكتابة الأدبية، بدأت رويدا رويدا، لم أتعجل، بل دخلت في المجال بكل تأن، ولكل خطوة أخطوها أبعاد على المدى البعيد، بدأت النشر في الصحف، ثم انقطعت فترة عن النشر ثم دخلت من جديد بقوة في المجال الصحفي، في صحف “الاتحاد” و”الخليج” و”البيان”، وصار عندي عمود ثابت في جريدة “الاتحاد” تحت عنوان “على أمل”.

إصدارات

خبرة اليعربي في مجال القراءة وما نهل من الكتب في جميع المجالات توجت بعدة أعمال، حيث توالت إصداراته، ومنها “لا إعاقة بل إرادة وانطلاقة” سنة 1999، “خواطر وقراءات” 2000، “فيض المشاعر” 2002، “رحلتي مع الصبر” 2004، “إشراقة وانطلاقة” 2006، ويتحدث اليعربي عن رحلته المعرفية ويقول: بعد إصدار كل هذه المؤلفات، قلت مع نفسي لماذا لا أواصل دراستي الأكاديمية بعد انقطاع دام عدة سنوات، انتابتني رغبة كبيرة في المواصلة، هكذا تقدمت إلى وزارة التربية والتعليم لمعرفة كيفية الالتحاق بالمدرسة، وأخبروني بضرورة اجتياز امتحان الثانوية العامة، وبالفعل اختبروني وتحققوا من قدراتي المعرفية، وسمحوا لي بالاستعداد للامتحان، ونجحت بعد ما اجتزت امتحان الثانوية العامة بشكل حر، وحصلت على الثانوية العامة ونجحت بشكل جيد، بعد ذلك دخلت جامعة أبوظبي، ولظروف شخصية من جهة ولظروف انتقال الجامعة لم أستطع مواصلة دراستي بها، بعد ذلك التحقت بجامعة الحصن في أبوظبي، ولي كامل الشرف أن أكون قد تابعت دراستي فيها، وعايشت أحسن مراحل حياتي الدراسية في هذا الحصن.
وما شهدته في هذه الجامعة كان من أزهى أيام عمري، راعوني بإخلاص وتفاعلت مع محيط الجامعة بشكل كبير، وداخل صرحها عشت أحلى لحظات الكفاح، أخرجت مواهبي، وساعدتني على اكتشاف قدراتي من جديد، شجعوني أن أواصل مسيرة العلم بكل محبة، كنت أحرص على الحضور إلى الجامعة قبل الوقت، وأبقى الأخير في أحضانها، عرفت كيف أتزود بالعلم ونهلت منه من خلال هذا الصرح، وتخصصت في “إدارة المعلومات”.
كانت رحلة متنوعة وواسعة مع المعرفة، وتلقيت الكثير من الدروس بمساعدة كبيرة من المشرفين علي، وكل المحيطين بي من طلاب وأساتذة، كل ذلك أفادني في التواصل والتخفيف من وحدتي، وكنت في تواصل كبير مع الطلبة، حيث كنا نقوم بمشاريع مختلفة استفدت وأفدت الآخرين، نهلت من صنوف المعرفة المختلفة، ساهمت الجامعة في اكتشاف ذاتي، وكان المقربون دائما يسألون لماذا غيرت تخصصي وبدأت في دراسة شيء مختلف، فأجبت أنه من باب الإدراك بكل العلوم والمعارف، حيث إن الباري، عزَّ وجلَّ، أمرنا بالقراءة والعلم والمعرفة، فأول أمر نزل على سيد الخلق سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، هو “اقرأ” في سورة العلق، وهذا يوجب علينا الدراية والمعرفة والإلمام. ويضيف اليعربي: ولإعطاء كل ذي حق حقه، فإن جزءاً من دراستي الجامعية كان مكفولا من مؤسسة زايد للأعمال الخيرية، ومن آخرين، والجزء الآخر تحمله أصدقائي.
رسالة اليعربي
عن رسالته للناس، يقول اليعربي: إن كل شخص، مهما كان غنياً أو فقيراً، قوياً أو ضعيفاً، معافى أو معاقاً، عليه رسالة نحو البلد التي تربى وترعرع فيه، كل حسب قدراته يساهم في النماء ويمد يد الخير والعطاء، ولابد لكل فرد أن يؤدي هذه الرسالة تحت أي ظرف، وأتمنى أن تكون في إطار علاقة الإنسان بالإنسان، فالإرادة هي من تحرك كل شخص كيفما كان والحياة لا تعترف باليأس والإحباط، وأقول إن الإعاقة هي إعاقة فكر وعدم تخيل، فالله وهب لكل شخص قلباً وفكراً ومشاعر وقدرات، فلماذا يقوم الكثير من الناس بتعطيل هذه القدرات العظيمة، المعرفة لا تعترف بالحدود فهي مفتوحة للعالم، ومن هو عاجز يجب أن نساعده ونخرجه من القوقعة التي أدخل فيه نفسه، يجب أن نساهم في بناء الفرد، ومن هذا المنطلق فإنني أعطي محاضرات في الجامعات والمدارس والإعداديات والثانويات، وأساعد الطلبة في البحوث، وأحاول بقدر استطاعتي المساعدة والتواصل مع فئات المجتمع.
عبدالرحيم صابوني: منحة لاستكمال دراساته العليا
كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لليعربي حين أعلن مدير جامعة الحصن الدكتور عبدالرحيم صابوني عن منحة تمنحها الجامعة له لمتابعة دراسته العليا وصولاً إلى الدكتوراة، وقال صابوني عن ذلك: إنه فخر كبير بالنسبة لنا أن يكون بيننا شخصية عظيمة مثل اليعربي، رجل شفاف يساعد الآخرين قدر المستطاع، ساعدنا كثيرا في محيط الجامعة، كان الكل يستفيد من خبراته الطويلة، له قدرة كبيرة على التواصل، وما هذه المنحة إلا اعتراف من الجامعة به وله على ما قدمه من خدمات لصالحها.

تواضع العظماء

انحنى اليعربي ليذرف دموعا من جديد، عندما تحدث عن جائزة أبوظبي، وقال: لم أعلم بالخبر إلا قبل يومين من إعلانها، والشكر والتقدير والعرفان لكل القلوب البيضاء التي رشحتني من غير أن أدري، وشكري الكبير لـ «أصحاب هذه البلد الخيرة»، وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، ولقد أبكاني تواضع وانحناءة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، أبكاني عندما انحنى بكل تواضع وقبل رأسي، لم أتمالك نفسي أبدا، سعادتي كانت كبيرة جدا؛ فهو مثال الأخلاق الكريمة والتواضع، تبادل معي أطراف الحديث جعلني أشعر بالفخر الكبير والاعتزاز بوجودي على هذه الأرض الطيبة، ومهما قلت، فالكلمات لن توفيه حقه أبدا، وأعتبر نفسي محظوظا جدا بهذا التكريم الذي سيحملني أمانة الكفاح ومواصلة رحلة المعرفة، ويعطيني دافعا للعطاء، ومهما بذلنا من جهد سنبقى مقصرين أمام عطاءاتهم، وأعاهدهم على أداء الرسالة، لن أقصر أبدا في مواصلة الكفاح، فالجائزة كبيرة في معناها؛ فهي لا تفرق أبدا بين المواطن والمقيم، والجائزة خير بلا حدود، وبصدق وأمانة؛ فإنني أعتبرها جائزة عالمية في إنسانيتها ومضمونها السامي ورسالتها، والشكر والعرفان لكل رموزنا وأولياء أمورنا الذين نعاهدهم على السير على خطاهم وسأقتفي آثارهم لأساعد من حولي قدر المستطاع.

شفافية قلب

سكب دموعا حارة، بكى بحرقة كبيرة، بكى بكاء الفخر والاعتزاز بما وصل إليه من نتيجة، بكى ليظهر شفافية قلبه، لم يخف دموعه حين عرض عليه الدكتور عبدالرحيم صابوني، مدير جامعة الحصن منحة دراسية لاستكمال الماجستير والدكتوراة في رحاب جامعة الحصن، حيث قال اليعربي عن ذلك: كان شعوري ولازال بأن هذا المكان “جامعة الحصن” فخر بالنسبة لي واعتزاز، لم يفاجأني الخبر لأنه من قلوب رحيمة، ولا تلوموني على سكب الدموع، فهي دائما تفضح أصحاب القلوب الشفافة الرقيقة، أشكر الجامعة على هذه المبادرة، ويشرفني التواصل معها سواء في مجال الدراسة أو خارجها، فأنا منهم وإليهم، فمشاعرهم ودعمهم يحملني مسؤولية الأمانة والمواصلة والكفاح والعطاء بمعنى الكلمة، ودموعي تفضح دواخلي وتعطر كياني.

انقطاع عن الدراسة 29 عاما

كُرِّم صالح اليعربي لما عرف عنه من كفاح وقوة وصبر، فقد زيَّن حياته بالآمال العريضة التي حُفرت في نفسه بما سكبه من دموع، حفر اسمه على صخر صلد، انقطع عن الدراسة مدة تزيد عن 29 سنة، حصل فقط على الشهادة الابتدائية ثم التحق بالعمل، ولم ينقطع عن المطالعة، حيث كان الكتاب صديق وحدته ومعشوقه، والقرآن مضمد جراحه وقوة إيمانه، أصيب في العمود الفقري وهو في يناعة شبابه، إثر إصابة رياضية، رحل للعلاج، اهتز كيانه في البداية، لكن قوة إيمانه جعلته يدرك أن مكامن قوته في عقله وفكره، ألف الكتب، وحرك كل السواكن حوله تفاعل مع الناس من خلال كتاباته، ثم رجع يبحث عن مقعد دراسي، ليتوج أعماله بشهادة أكاديمية، ومن الابتدائية اختبروه ليكون مستواه أكثر من الجامعيين، حصل على الثانوية العامة فكانت انطلاقته الجامعية، تخرج من جامعة الحصن، تخصص في نظم المعلومات، ولازال سائرا في درب التألق، ينوي إكمال دراساته العليا، ولن يتخلى عن الدكتوراه، وهو مقيم لمدة تفوق 15 سنة بمركز أبوظبي للتأهيل الطبي. نشر له أول مقال سنة 1986 ثم انقطع عن الكتابة لمدة 15 سنة، ورجع بقوة ليطرح كتبا أخرى تمد من يحتاج بالقوة وتصنع العزيمة.

اقرأ أيضا