الاتحاد

الاقتصادي

العملة الخليجية·· هدف طموح لكيان اقتصــادي موحد


إعداد- هديه سالم:

يتجه العالم الآن إلى الوحدة والتكتلات الاقتصادية المشتركة وتسعى دول مجلس التعاون الخليجي إلى إصدار عملة خليجية موحدة بحلول عام 2010 ·· حلم من شأنه إحداث نقلة نوعية في مسار التعاون الاقتصادي الخليجي بعد مضي أكثر من ربع قرن على إنشاء مجلس التعاون الخليجي·· حلم يعني الانتقال بالعلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي نفسها من مرحلة الاتحاد الجمركي إلى مرحلة السوق الاقتصادية الواحدة وهذا يقتضي إزالة المعوقات أمام حركة الناس والمال والسلع والخدمات بجميع التخصصات والأشكال· فهل يتحقق هذا الحلم في ظل عدد من المخاطر التي تقف أمام محاولات دول الخليج العربية من إقامة وحدة نقدية تهدف إلى تنويع الاقتصادات وتدعم استقرار التبادل التجاري بين دول المجلس وبينها وبين الدول الأخرى إلى جانب تعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الخليجية في الأسواق الخارجية؟
في هذا الملف نبحث في الأسباب والمعوقات ونسلط الضوء على التجارب التي سبقتنا وعما إذا كان حلم العملة الموحدة يحتاج فعلاً إلى عملية قيصرية ليخرج إلى النور؟


بدأت فكرة إصدار عملة موحدة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع نشأة المجلس حيث أشارت الوثيقتان الرئيسيتان للمجلس وهما النظام الأساسي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة لعام 1981 إلى الخطوط العريضة والمعالم الأساسية والعامة لبرنامج تعاون وتكامل اقتصادي لدول مجلس التعاون حيث تناولت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة مراحل التكامل الاقتصادي مفصلة الحديث عن منطقة تجارة حرة وتوحيد التعرفة الجمركية وتناولت بإجمال متطلبات السوق المشتركة والاتحاد الاقتصادي والنقدي بما في ذلك ما نصت عليه المادة (22) من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بأن تقوم الدول الأعضاء بتنسيق سياستها المالية والنقدية والمصرفية وزيادة التعاون بين مؤسسات النقد والبنوك المركزية والعمل على توحيد العملة لتكون متممة للتكامل الاقتصادي المنشود فيما بينها·
ومنذ ذلك الوقت بدأ العمل لتحقيق التكامل بين دول المجلس وأنشئت في إطار المجلس عام 1983 لجنة محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية في دول المجلس بهدف تنسيق السياسات النقدية والمصرفية وتفرع عن لجنة المحافظين لجان متخصصة لدراسة الجوانب الفنية للتعاون والتكامل في مجالات الإشراف والرقابة والتدريب المصرفي ونظم المدفوعات· وفي عام 2002 أنشئت لجنة الاتحاد النقدي·
وخلال الفترة بين 1985 إلى 1987 أجرت لجنة المحافظين مشاورات مكثفة بين الدول الأعضاء للتوصل كخطوة أولى نحو العملة الخليجية الموحدة إلى مثبت مشترك لعملات دول المجلس وطرحت حقوق السحب الخاصة (أس دي آر سز) غير أنها لم تحصل على الإجماع·
ونظرا للاستقرار النسبي في أسعار صرف عملات دول مجلس التعاون خلال الثمانينيات والتسعينيات ولكون إقامة الاتحاد النقدي وإصدار عملة موحدة تعتبر مرحلة تكاملية متقدمة يسبقها في الغالب ووفق النظرية الاقتصادية مراحل تكاملية أخرى هي منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي والسوق المشتركة، فقد كان الرأي السائد داخل مجلس التعاون في أوائل التسعينيات أن الوقت لم يحن بعد لبحث تفاصيل إقامة الاتحاد النقدي وإصدار العملة الموحدة ولذلك ارتأى وزراء المالية والمحافظون بدول المجلس تأجيل بحثه إلى نهاية عقد التسعينيات·
وبحلول الوقت المحدد ونظراً لتحقيق تقدم فيما يتعلق بالاتحاد الجمركي لدول مجلس التعاون ولنجاح الاتحاد الأوروبي في موضوع اليورو وانطلاقا من توجه دول المجلس لتعزيز العمل الاقتصادي المشترك وتبني آليات وبرامج زمنية لتحقيقه أعيد بحث موضوع العملة الخليجية الموحدة وقرر المجلس الأعلى في قمته التي عقدت في مملكة البحرين في ديسمبر 2000م تبني الدولار الأميركي مثبتا مشتركا لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية· ووجه وزراء المالية والمحافظون بإعداد برنامج زمني لإقامة الاتحاد النقدي وإصدار العملة الخليجية الموحدة·
برنامج زمني
وفيما يتعلق بالبرنامج الزمني للاتحاد النقدي وافق المجلس الأعلى في ديسمبر 2001 على البرنامج الزمني لإقامة الاتحاد النقدي ويقضي بتطبيق الدولار الأميركي مثبتا مشتركا لعملات دول المجلس في المرحلة الحالية قبل نهاية 2002 وهو ما تم تطبيقه بالفعل من قبل جميع دول المجلس في الموعد المحدد، كما يقضي البرنامج بأن تتفق الدول الأعضاء على معايير تقارب الأداء الاقتصادي ذات العلاقة بالاستقرار المالي والنقدي اللازمة لنجاح الاتحاد النقدي قبل نهاية 2005 تمهيدا لإطلاق العملة في موعد لا يتجاوز الأول من يناير ·2010
وخلال السنوات الأربع الماضية عكفت اللجان المعنية في مجلس التعاون على استكمال بحث معايير التقارب الاقتصادي وتحديد مكوناتها وطريقة حسابها والنسب والحدود المقبولة للتقارب الاقتصادي وذلك من خلال الدراسات المقدمة من الدول الأعضاء والأمانة العامة مع الاستفادة من الدراسات التي أعدها البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي لهذا الغرض·· هذا إلى جانب إنشاء الأمانة العامة للمجلس وحدة متخصصة لدراسات الاتحاد النقدي للمساعدة فيما يتطلبه إقامة وإصدار العملة الخليجية الموحدة من دراسات وأبحاث وعمل مستمر لتأمين فرص نجاحه· وأقر المجلس الأعلى في دورته السادسة والعشرين (أبوظبي ديسمبر 2005) العديد من المعايير لتحقيق تقارب الأداء الاقتصادي والاستقرار المالي والنقدي منها: معايير التقارب النقدي وتتمثل في معدلات التضخم ومعدلات الفائدة ومدى كفاية احتياطات السلطة النقدية من النقد الأجنبي، ومعايير التقارب المالي وتتمثل في نسبة العجز السنوي في المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي·
وفي السياق نفسه ناقشت لجنة المحافظين في عام 2005 وفي اجتماعها في ابريل 2006 طريقة حساب وقياس تلك المعايير وتحديد نسب العجز والمديونية القصوى المسموح بها· كما ناقشت البدائل المقترحة للسلطة النقدية المشتركة التي ستتولى مهام إصدار العملة الخليجية الموحدة وإدارة السياسة النقدية الموحدة وتوصلت اللجنة إلى توصيات محددة حول هذه المواضيع وبناء على توجيه المجلس الأعلى سيكتمل هذا العام مناقشتها والاتفاق عليها تمهيدا لرفعها واعتمادها من القمة المقبلة·
ويعد الوصول إلى العملة الخليجية الموحدة وإقامة الاتحاد النقدي لدول مجلس التعاون تتويجا لما تم إنجازه من مراحل التكامل الاقتصادي ويزيد من إيجابياتها ويقوي مكاسب الاتحاد الجمركي والسوق الخليجية المشتركة حيث سيترتب على قيام هذا الاتحاد وإصدار العملة الخليجية الموحدة آثار متعددة على مختلف القطاعات الاقتصادية لاسيما التجارة البينية والسياحة والاستثمارات· وستلاحظ آثاره بشكل أكبر على قطاع الخدمات المالية والأسواق المالية التي ستشهد نموا مضطردا وتطورات متسارعة·
عوامل مؤثرة
يشير الدكتور سيف سعيد السويدي من جامعة قطر في دراسة بعنوان ''عملة خليجية-نحو ثقافة جديدة'' إلى عدة عوامل تؤثر في مشروع العملة الخليجية الموحدة تتلخص في عوامل خارجية مختلفة المصادر والأشكال والأبعاد قد لا يسهل على المسؤولين التحكم فيها لكنها تبقى مهمة، أو داخلية هي نتاج لطبيعة الاقتصاديات الخليجية وإدارتها يكون متاحا لهم التفاعل معها بما يعزز من فرص نجاح المشروع· ويمكن تقسيمها إلى عوامل سياسية دولية لا يمكن لدول المجلس مجتمعة التحكم فيها ما قد يترتب عليها انعكاسات على البيئة الاقتصادية بشكل عام (إيجابية أو سلبية) وعوامل اقتصادية دولية كتلك التي تحدث في الأسواق العالمية بشكل عام والشركاء التجاريين والماليين بشكل خاص (إيجابية أو سلبية) وعوامل قانونية دولية كتلك المنبثقة عن التكتلات التجارية والاقتصادية الإقليمية والعالمية (إيجابية أو سلبية)· أما العوامل المؤثرة الداخلية التي تقع ضمن بناء دول المجلس كوحدة فإن لها أبعاد مماثلة كذلك فهي: عوامل سياسية تكمن في البناء السياسي وآلية صنع القرار وتنفيذه وتشمل مكونات عديدة نذكر منها: مدى الاستقرار السياسي وتوافر الإرادة السياسية وأسلوب تعامل الحكومة مع المؤسسات الاقتصادية على مستوى البلد ذاته أو ضمن البناء الخليجي الواحد وسياسة الحكومة تجاه المؤسسات الأجنبية ومدى تدخل صانعي السياسات في القرارات الاقتصادية وتوجيه القرارات السياسية في اتجاه اقتصادي محدد ودور المجالس والهيئات التشريعية في تقرير السياسات الاقتصادية· وهناك عوامل اقتصادية تتمثل في هيكلية الاقتصاديات الخليجية بشكلها الكلي والجزئي، وينضوي ضمن نسيجها: درجة النضوج الاقتصادي وهيكلية الاقتصاد المحلي واتجاهات النمو الاقتصادي وحجم الناتج المحلي ومستوى المعيشة وكذلك معدلات التضخم والنظم المحاسبية إلى جانب سياسات الأجور وتركيبة سوق العمل ومعدلات البطالة واتجاهات أسعار الصرف وأهداف وأدوات السياسة النقدية وأهداف وأدوات السياسة المالية وحجم المديونية الحكومية وسياسة المخزون من العملات الأجنبية وحجم الطلب على السلع والخدمات إلى جانب حجم العرض من السلع والخدمات وسياسات الدعم والإعانات للمستهلكين والمنتجين والتباين في الثروات الطبيعية ودرجة التنوع الاقتصادي وصلاحيات البنوك المركزية وتملّك مؤسسات وشركات أجنبية للموارد والمنشآت الاقتصادية الحيوية ومدى انفتاح قطاع الخدمات وتركيبة الواردات والصادرات ومصادرها والحريات النسبية لممارسة بعض أعمال الإنتاج وأنشطة الاستهلاك واقتصاديات نظم التعليم، وأخيرا وليس آخراً حجم التبادل البيني التجاري والمالي· وفيما يتعلق بالعوامل القانونية نجد أنها ترتكز على الأطر التشريعية والقوانين ذات البعد الاقتصادي بشكل خاص وتشمل: قوانين تملّك العقارات والمنشآت الرأسمالية وقوانين تملّك رؤوس الأموال المنقولة وغير المنقولة وقوانين ونظم الضرائب والقوانين المنظّمة للشركات والقوانين المنظّمة لأعمال البنوك التجارية وقوانين تنظيم أسواق المال إلى جانب التشريعات الحكومية في مجال البيئة والتشريعات الحكومية في مجال الصحة والعمل والأمن والسلامة وكذلك قوانين تنظيم براءات الاختراع والعلامات التجارية والتشريعات الحكومية في مجال الاستثمار الأجنبي وقوانين حماية المستهلك وقوانين تحديد الأجور ونظم الإعفاءات الضريبية والقوانين المعرّفة للمنتج الوطني والقوانين المنظّمة للهجرة والجنسية والإقامة ورخص العمل وقوانين توطين الوظائف بالإضافة إلىً القوانين والتراخيص المنظمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية (خاصة الخدمات)· وهناك عوامل أخرى لا تنتمي لأي من تلك العوامل الثلاثة وتشمل: توافر البيانات الاقتصادية وسلامتها وإنشاء البنك المركزي الموحد والفترة الزمنية لطرح العملة الخليجية والاتفاق على معايير قياس التوافق في الأداء الاقتصادي باتجاه عام 2010 والوضع الاقتصادي الحالي وتجارب التنسيق المختلفة على مستوى المجلس إلى جانب وجود وكفاءة المؤسسات السياسية الوحدوية ووجود وكفاءة المؤسسات الاقتصادية الوحدوية ووجود وكفاءة المؤسسات التشريعية الوحدوية ومدى تهيئة المؤسسات والرأي العام لطرح العملة الموحدة·
متغيرات اقتصادية
وأشار الدكتور سيف السويدي إلى الجهود التي بذلها ويبذلها المسؤولؤن في دراسة تلك العوامل بغية تعزيز جوانب القوة ومعالجة نقاط الضعف·
وتشهد دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحالي متغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية عديدة سينتج عنها تطورات في الناتج المحلي الإجمالي وميزان المدفوعات والمؤشرات الرئيسية مثل معدل التضخم والبطالة وحجم الدين العام، وسوقي العمل والأسهم بالإضافة إلى التطورات التعليمية الجارية بالمناهج الدراسية والتطورات الاجتماعية إلى جانب التطورات العالمية والإقليمية المستمرة التي قد ينعكس آثارها على السياسات الاقتصادية لدول المجلس مثل التغيرات المستمرة في أسعار البترول العالمية، وظهور شبح بدائل الطاقة على المستوى العالمي وامتلاك إيران للسلاح النووي· وتبرز أهمية وجود نظام مصرفي قوي ومرن يعمل على تفعيل قرارات السياسة النقدية الموحدة بالقطاعات الاقتصادية المختلفة مما يحتم ضرورة توفر المعلومات والبيانات الاقتصادية الدقيقة واللازمة لاتخاذ القرارات الاقتصادية الإستراتيجية·
ويرى خبراء الاقتصاد أن نجاح مشروع العملة الخليجية الموحدة يتطلب توفر عدد من الشروط أهمها وجود تجانس بين الدورات الاقتصادية (الانتعاش والركود) لكل دول العملة حيث أن انتعاش اقتصاد دولة قد يتأثر بانكماش اقتصاد دولة أخرى حين اتخاذ قرار تحديد سعر الفائدة· وواجهت دول اليورو مشكلة عدم تجانس دوراتها الاقتصادية فأيرلندا مثلا تمتعت بنمو اقتصادي جيد في ،2005 بينما أصيبت ألمانيا وإيطاليا وفرنسا بركود اقتصادي، فكان من الصعب على البنك المركزي الأوروبي إعداد سياسة نقدية تلائم هذه الدورات الاقتصادية المختلفة· ولا بد على الجهات المالية في دول منطقة الخليج اختيار السياسة النقدية المرنة التي لا تؤدي إلى زيادة شديدة بالنمو الاقتصادي وبالتالي تزيد من حدة التضخم في إحدى الدول أو تؤدي إلى انكماش اقتصادي في دولة أخرى·


هل يتحقق الحلم
الخليجي في موعده؟


في الوقت الذي كان من المنتظر أن يتم فيه الاتفاق على شكل العملة الخليجية الموحدة، أعلنت سلطنة عمان مطلع شهر يناير الماضي انسحابها من العملة الخليجية الموحدة لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بحلول عام ·2010 وقال احمد بن عبد النبي مكي، وزير الاقتصاد الوطني العمان: إن قرار السلطنة نهائي ويرجع لأسباب عدة منها مجموعة الاشتراطات والآليات التي يصعب الوفاء بها للدخول في هذه العملة· واستطرد مكي قائلا إن دخول العملة الخليجية يتطلب معايير اقتصادية ومالية عديدة، وهذه المعايير ''تحد من حرية اتخاذ القرار الاقتصادي وان الاتحاد النقدي سابق لأوانه في الظروف الراهنة بسبب المعايير الاقتصادية التي يتطلبها هذا الاتحاد ومنها التضخم والعجز المال والاقتراض وغيرها من الشروط الاقتصادية بالإضافة إلى الديون والتضخم والعجز المالي، ونحن ما زلنا دولة نامية وما زلنا نسير في عملية البناء والتنمية ونحتاج لاستثمارات فاعلة وهذه الأمور وغيرها من معايير الدخول في العملة الخليجية تمنعنا من العمل في هذا الإطار· وتلا ذلك تصريح صدر عن وزير المالية السعودي إبراهيم العساف بقوله إن دول مجلس التعاون الخليجي قد تراجع موعد 2010 المستهدف لطرح عملة موحدة بعدما قالت عمان في الآونة الأخيرة إنها لن تلتزم بالموعد النهائي·
وجاء انسحاب عمان ليرفع من حالة التشاؤم في الأوساط الاقتصادية العربية التي عاشت طويلاً على أمل صدور هذه العملة كما زاد القلق في أعقاب ما قاله وزير المالية السعودي السيد إبراهيم العساف :''إن المسألة تحتاج لتفكير عميق'' خاصة أنه جاء متزامنا مع دراسة لمكتب المركز الدبلوماسي للدراسات الإستراتيجية بالبحرين حيث طالب المركز في هذه دراسة بعنوان ''مستقبل الوحدة النقدية الخليجية'' بضرورة استكمال الجوانب الفنية اللازمة لإنجاز الاتحاد النقدي بين دول مجلس التعاون الخليجي قبل بدء العمل رسميا بالعملة الخليجية الموحدة بحيث تشمل إلى جانب أسعار الفائدة المصرفية والتضخم النقدي كُلا من سياسات الائتمان والإصدار والاستثمار والادخار· كما دعت الدراسة إلى تخصيص ميزانية خليجية لتهيئة القطاع الخاص الخليجي لتحقيق عملية التحول بنجاح على غرار ما فعله الاتحاد الأوروبي، وتأسيس سلطة نقدية موحدة تسبق البنك المركزي الخليجي، والاتفاق على سعر صرف نقدي موحد، مع إحراز مستوى عال من التقارب بين الدول الأعضاء في السياسات الاقتصادية والمالية والتشريعات المصرفية· وعلى الجانب الآخر فإن المتفائلين يرون أن فرص خروج العملة الخليجية الموحدة للنور خلال الموعد المقرر في 2010 كبيرة· وأشار د· جاسم حسين، رئيس وحدة البحوث الاقتصادية في جامعة البحرين إلى أن هناك الكثير من الأمور المشتركة بين دول المجلس فيما يخص تنفيذ الاتحاد النقدي لعل أهمها أن كل عملات دول المجلس مرتبطة بالدولار (تحتفظ الكويت بهامش من الحرية في تغيير قيمة الدينار)، كما أن معدلات الفائدة في دول المجلس ما هي إلا امتداد لتلك السائدة في الأسواق الأميركية بسبب ربط العملات· بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح مشروعي الاتحاد الجمركي والسوق المشتركة المنتظر تنفيذهما قبل موعد إصدار العملة الموحدة سوف يعضد عوامل الوحدة حيث سيعمل الأول على توحيد السياسات التجارية لدول المجلس، ويمنح الثاني عوامل الإنتاج حرية الحركة بين الدول الأعضاء، تماما كما هو الحال مع فتح مكتب للمواطنين البحرينيين للعمل في دولة قطر·
من جانبها، ذكرت وكالة بلومبرج للأنباء الاقتصادية أن إنشاء سوق خليجي اقتصادي موحد من شأنه حتماً أن يشجع على مزيد من التجارة والإقبال أكثر على الاستحواذات والاندماجات المالية وإزالة الحواجز أمام تدفق رؤوس الأموال حيث تطلع الاقتصادات العالمية بشكل عام والخليجية بشكل خاص على تقليل الاعتماد على عمليات تصدير النفط وجذب المزيد من الاستثمارات من الصين والهند·
وعلى العكس من ذلك يرى البعض أن هناك ما يستدعي المخاوف بسبب عدم الاتفاق على اسم العملة الخليجية الموحدة حتى الآن، رغم اقتراب الموعد المقرر لطرحها· والمخاوف من ناحية بعض البنوك المركزية بشأن التخلي عن سلطاتها لسلطة إقليمية، وكذلك المخاوف من تذبذب أسعار النفط التي تتسبب في تقلبات كبرى باقتصاديات الدول التي يعتمد الجانب الأكبر من دخلها على النفط·
وما بين رؤى المتفائلين والمتشائمين، تبقى التساؤلات: هل ما زال عام 2010 الموعد المنتظر لطرح عملة خليجية موحدة؟ وهل بالإمكان تحقيق هدف العملة الموحدة في مطلع عام 2010 على مستوى الدول الخمس الباقية، على أن تنضم سلطنة عمان في وقت لاحق تحدده أوضاعها المالية والاقتصادية؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة··


تجربة اليورو

أعربت نشرة صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عن أملها في أن تحقق دول مجلس التعاون لدول الخليجي العربية نجاحا موازيا للاتحاد الأوروبي في مجال تدشين عملتها الخليجية الموحدة التي يتوقع لها أن تظهر إلى الوجود في غضون السنوات المقبلة· وقالت إن العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) هي نتاج رحلة طويلة من النقاشات والتجاذبات حول فكرة قديمة تعود إلى أكثر من ثلاثين عاما· وأشارت إلى أن اليورو تجاوز مراحله الانتقالية الأولى التي تدهور خلالها سعر صرفه مقابل الدولار ثم كان العام 2004 بامتياز عام (اليورو القوي والدولار الضعيف) مع انعكاسات ذلك على مجمل الدورة الاقتصادية العالمية· وفي الوقت الذي ترى فيه دول مجلس التعاون الخليجي الوحدة النقدية الأوروبية نموذجاً فإنها تدرك بطبيعة الحال التفاوت في حجم اقتصادياتها مع لاقتصاد الأوروبي الذي يضم كتلة بشرية ضخمة لا تخضع للمقارنة مع عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي إلا أن ذلك لا يمنع من اعتماد بعض المعايير الأوروبية كمعايير استرشادية تضبط أسعار العملة الخليجية وتضمن استقرارها فالاتحاد الأوروبي اشترط ألا تتجاوز نسبة العجز في ميزان المدفوعات 3% وألا يتجاوز التضخم معدل 2% سنويا، وهو هدف لا يظهر التاريخ الاقتصادي أن دولا كثيرة استطاعت تحقيقه· وذكر أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد الرحمن بن حمد العطية الذي كان يشارك في اجتماعات محافظي البنوك المركزية الخليجية: إن لجان الاتحاد النقدي الخليجي والإشراف والرقابة على الجهاز المصرفي ونظم المدفوعات على وشك اتخاذ خطوات عملية والارتباط بالتزامات مالية لربط نظم المدفوعات بدول مجلس التعاون بما يهيئها للتعامل بالعملة الموحدة ولطباعتها نظراً لما يتطلبه ذلك من وقت طويل فضلاً عن ضرورة سرعة إنشاء سلطة نقدية مشتركة تقوم بحسم هذه الأمور وبمتابعة تحقيق معايير التقارب المالي والنقدي ليتمكن مجلس التعاون من الالتزام بالبرنامج الزمني الذي اقره المجلس الأعلى· ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور محمد العسومي إمكانية استفادة دول مجلس التعاون من التجربة الأوروبية، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي سبق أن كُلف من قبل دول المجلس بإعداد دراسة حول العُملة الخليجية الموحدة حيث تعد تجربة الاتحاد الأوروبي مهمة للغاية، وأول معانيها يكمن في صعوبة إجماع كل الأطراف على كافة القرارات في وقت واحد· فالعملة الأوروبية الموحدة ''اليورو''، لم يكن بالإمكان إصدارها في الوقت المحدد، لو طبق مبدأ الإجماع للموافقة على مثل هذه القرارات· وعندما طُرح ''اليورو'' كان الاتحاد الأوروبي يضم 15 دولة، وافقت 12 منها على الانضمام للوحدة النقدية واعتذرت 3 دول، هي: بريطانيا والنرويج والدنمارك، والتي ما زالت -رغم مرور خمس سنوات على إطلاق ''اليورو'' في يناير من عام 2002 - خارج الاتحاد النقدي، إلا أنها ملتزمة في الوقت نفسه ببقية أوجه التعاون الاقتصادي· وللحقيقة لا يوجد ما يعيب التعاون الاقتصادي في حالة غياب الإجماع بل بالعكس يعتبر ذلك مصدر قوة للتكتل الاقتصادي حيث يستطيع الأعضاء الممتنعون لأسباب خاصة بهم تهيئة بلدانهم للانضمام للوحدة النقدية، وهو ما نتوقع أن يحدث في المستقبل، وبالأخص للسويد والدامارك، على اعتبار أن لبريطانيا أسبابها التي ربما تكون عاطفية أكثر من أي شيء آخر·


شكل العملة الموحدة·· والخلافات


في الوقت الذي يشكك مراقبون في قدرة دول الخليج الوفاء باتفاقها السابق في إطلاقها للعملة في موعدها المقرر في عام 2010 خاصة بعد التصريحات العمانية الأخيرة التي أكدت أن العملة الخليجية لن ترى النور في عام ·2010 كشف تقرير نشرته جريدة ''الشرق الأوسط'' أن تباينات في وجهات النظر بين دول الخليج التي تعيق إصدار العملة الخليجية الموحدة المقترحة، طالت حتى شكل العملة ونوعيتها· ووفقا للمصادر فقد تم الاتفاق على إصدار العملة عبر ست فئات تبدأ من الوحدة الواحدة والخمسة والعشرة والخمسين والمائة والخمسمائة، إلا أن خلافات في وجهات النظر بين دول الخليج مازالت تعيق الاتفاق على شكل الإصدار المزمع إصداره للعملة الموحدة· وقالت إن هناك أربع دول خليجية ترى أن شكل العملة يجب أن يكون ذا طابع خليجي ''ولا يمت لأي دولة خليجية بأي صلة'' فيما ترى دولتان أخريان ضرورة أن يكون الوجه الأمامي للعملة موحدا ويعبر عن دول الخليج مجتمعة، فيما الوجه الخلفي يختص بكل دولة مفردة، وهو ما يعني إصدار العملة بـ36 إصدارا، باعتبار أن لكل فئة من الفئات يجب أن تكون هناك ستة إصدارات مختلفة بحسب طابع كل دولة·
وفيما رأت بعض الدول الاستفادة من التجربة الأوروبية في عملتها الموحدة (اليورو)، والتي لا ترتبط بأي دولة أوروبية لا في الشكل ولا في الاسم، رأت بعض الدول أهمية أن تختلف التجربة الخليجية عن نظيرتها الأوروبية، وأن تلتزم العملة بطابع كل دولة بالإضافة إلى الطابع الخليجي المشترك، وهو ما أعاق الاتفاق على شكل العملة الخليجية المرتقبة· ولم يقتصر خلاف دول الخليج على شكل العملة المنتظرة، بل بلغت حد كيفية إصدار العملة من الفئة الأولى، حيث تذهب بعض الدول لإصدار العملة من هذه الفئة معدنية، فيما تصر دول أخرى على أهمية أن يتم إصدارها ورقيا· وفور إقرار الشكل الذي ستصدر عليه العملة الخليجية، سيتم الاتجاه لشركات متخصصة لتصميم افتراضي للعملة، وسيتم الاختيار بين عدد من التصاميم التي تقرها الشركة التي سيتم اعتمادها لذلك· وقال ناصر إبراهيم القعود ، مدير إدارة المال والتكامل النقدي في المجلس الخليجي في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء العمانية ، إنه تم تحديد منتصف العام 2007 لوضع إجراءات المسميات وإجراءات طباعة العملة بعد أن تم تشكيل فرق عمل للإعداد الفني لهذا الغرض بالتنسيق مع محافظي البنوك المركزية الخليجية الستة·
وذكر تقرير حديث صادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي في أن لجنة المحافظين بالبنوك الخليجية سيجتمعون في ابريل المقبل لمناقشة توصيات بشان دراسة مواصفات العملة الموحدة وتصاميمها ومتطلبات طباعتها وإصدارها· وأوضح التقرير أن المحافظين سيدرسون في اجتماعهم المقبل هذه التوصيات التي أعدها فريق من إدارات الإصدار والخزينة بالبنوك المركزية ومؤسسات النقد بدول المجلس في إطار استكمال خطوات الاتحاد النقدي وإصدار العملة الخليجية الموحدة لإعلان قيامه في موعده المحدد عام ·2010 واستعرض التقرير الإنجازات التي تحققت على هذا الصعيد ومن بينها إصدار الدول الأعضاء قرارات بربط عملاتها الوطنية بالدولار الأميركي قبل نهاية 2002 كما اعتمد المجلس الأعلى في قمة أبو ظبي ديسمبر 2005 توصيات بشأن معايير الأداء الاقتصادي التي يلزم تقاربها لنجاح الاتحاد النقدي تتمثل في المعايير النقدية وهي معدل التضخم وأسعار الفائدة ومدى كفاية احتياطيات السلطة النقدية من النقد الأجنبي والمعايير المالية ونسبة العجز السنوي في المالية الحكومية ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي·
وأشار إلى مشروع يتضمن عددا من المقترحات بشان المعايير لتحقيق التقارب في معايير الأداء الاقتصادي بين دول مجلس التعاون تشمل أن لا يزيد معدل التضخم في أي من الدول الأعضاء عن المتوسط المرجح لمعدلات التضخم في دول المجلس زائد نقطتين مئويتين، وألا يزيد سعر الفائدة في أي منها عن متوسط أدنى ثلاثة أسعار الفائدة قصيرة الأجل في دول المجلس زائداً 2 بالمائة· وتضمنت المقترحات أن تكون احتياطيات السلطة النقدية من النقد الأجنبي في كل دولة من الدول الأعضاء كافية لتغطية وارداتها السلعية لمدة لا تقل عن أربعه أشهر ولا تزيد نسبة العجز السنوي في المالية الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول الأعضاء عن 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي كما نصت على جواز تعديل هذه النسبة في حالة انخفاض سعر النفط عن مستوى معين وفق معادلة يتفق عليها وذلك لأخذ تأثير النفط على اقتصاديات دول المجلس في الاعتبار، وألا تتجاوز نسبة الدين العام للحكومة العامة لكل المؤسسات والجهات التابعة للدولة عن 60 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي ولا تتجاوز نسبة الدين العام للحكومة المركزية عن 70 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي·

اقرأ أيضا

«بوينج» تكتشف خللاً جديداً في «737 ماكس»